وهم المعرفة يضعف المجتمعات علمياً وفكرياً

​ عمر الأعرجي
​نستهل مقالنا هذا بالحديث عن موضوع يمتلك الأهمية القصوى، ألا وهو “وهم المعرفة”؛ حين يعتقد الشخص بأنه امتلك المعرفة المطلقة من خلال قراءته كتاباً عن موضوع ما، أو بحثه عنه في “جوجل”، أو عبر الذكاء الاصطناعي ومواقع التواصل الاجتماعي. فمن خلال اطلاعه على لقاء إخباري أو سياسي، يتوهم بأنه أصبح خبيراً في العلاقات الدولية؛ فيتحدث في لقاءاته الاجتماعية أو عبر منصات التواصل الاجتماعي عن موضوع لا يعلم عنه سوى جزء بسيط وسحيق من السطحية. وحين تحاوره، يبقى مصراً على رأيه السطحي ويخالفك، وقد يصل الأمر إلى أن يصبح خصمك الأكبر. هنا يصبح الوهم المعرفي أو العلمي مفسداً للأفراد، فلا ينتج مجتمعات علمية وفكرية تمتلك المعرفة الكافية، بل تغيب عنها مقولة: “أعرف ولا أعرِف، وما زلتُ أعرِف”. هذه المقولة وحدها هي التي تنتج الشخصية التي تملك المعرفة التي تنهض بالمجتمعات وتنجحها.
​وعندما يرى أحدهم أمراً اقتصادياً، أو يحضر ورشة عمل أو دورة تدريبية تتحدث عن الاقتصاد، ثم يحصل على شهادة تثبت حضوره، يجعل من نفسه خبيراً اقتصادياً! ولكن عندما نأتي إلى الواقع، نجد العكس تماماً؛ لأن الاقتصاد له أسس تحتاج إلى تعمق، والمجتمعات تحتاج إلى وضع دراسات تقدم حلولاً لأفرادها للخروج من الأزمات الاقتصادية، لا مجرد شهادة حضور ندوة.
​والجانب الآخر الذي يمثل محوراً أساسياً ومهماً هو “الجانب الديني”؛ فالدين جانب لا يمكن الاستغناء عنه لأنه متعلق بمصير الثواب والعقاب والخشية منهما. ونرى هنا وخماً معرفياً وعلمياً كبيراً جداً، يظهر عندما يقرأ أحدهم آية قرآنية أو حديثاً نبوياً فيتصور أنه أصبح عالماً وامتلك المعرفة الدينية الكافية، فينشر ويتكلم بما يرضي نفسه التي تعاني من وهم المعرفة، معتبراً نفسه مصدراً لذلك العلم الجليل. وهو يتحدث في مساىل لا يفقه فيها شيئاً، وعلى وجه الخصوص المسائل المعاصرة التي تحتاج إلى دراسات متعمقة من جميع الجوانب. وعند وقوع هذه الحوادث، ينتج مجتمع متراجع فكرياً وعلمياً، ومختلف جذرياً في المسائل التي تخص الأيديولوجيا الفكرية. وهذا ناتج عن أصحاب الوهم المعرفي الذي يهلك ويضعف المجتمعات سياسياً واقتصادياً، والأهم من ذلك فكرياً، لتصبح مجتمعات مستهلكة لا تنتج شيئاً جديداً يسهم في الرقي والتطور. وهذا ما يُسمى بـ “الجهل المركب”؛ بمعنى أن يرى المرء نفسه مالكاً لكل أدوات المعرفة والعلم ولا حاجة له بالقراءة والاطلاع. إن وهم المعرفة هو أشد وأخطر أنواع الجهل من حيث هلاك الفرد والمجتمعات، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بالدوغمائية؛ أي التعصب والجمود الفكري. وهذا النوع منتشر بكثرة بين أفراد المجتمعات، حتى إنك ترى حاملاً لشهادة علمية كبرى مصاباً بالوهم المعرفي والجمود الفكري.
​وعندما تطرح مسألة اجتماعية أو نفسية، يتبرع البعض بكتابة مقالات أو منشورات لتشخيص تلك الحالات. وهذا باب من أبواب الوهم المعرفي؛ فمثل هذه الحالات لا يمكن أن تقاس بمنشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحتاج إلى دراسات عملية ونظرية دقيقة للوصول إلى التشخيص السليم.
​وفي الختام؛ إن المثقف الحقيقي الذي يحمل روح الثقافة يجب ألا يصاب بوهم المعرفة، ومن المنطق أن يتبنى شعار “ما زلت أتعلم”، إذ إن كمال المعرفة لا يمكن أن يتحقق لعدم كمال الإنسان. وقد وصف الفيلسوف وعالم المنطق البريطاني برتراند راسل هذه المعضلة قائلاً:
​”المشكلة الأساسية في العالم هي أن الأغبياء متعصبون والوعاة مليئون بالشك.”
​فالذي يمتلك الوعي حقاً هو من يحمل روح الشك العلمي ولا ينساق خلف الأوهام الزائفة، حتى في بعض العلوم البحتة مثل علم الأنساب؛ فالتحقق من أنساب أفراد المجتمع يتطلب حتماً اعتماد الشك المنهجي حتى يثبت النسب يقيناً.
​إن الوهم المعرفي أداة تنهك المجتمع ولا تصلحه، ومن أراد إصلاح نفسه فكرياً فعليه أولاً التخلي عن وهم المعرفة.

قد يعجبك ايضا