المعادلة الصعبة شرق الفرات: كيف صاغ مظلوم عبدي اتفاق الاندماج بدمشق؟ ولماذا انقسم الشارع الكردي حوله؟
هورين حسن
لم يكن مشهد خروج الجنرال مظلوم عبدي من قصر الشعب بدمشق معلناً طي صفحة الإدارة الذاتية مجرد ترتيب إداري عابر، بل صياغة مباغتة لواحد من أعقد الملفات في تاريخ سوريا الحديث.
فبين ليلة وضحاها، تحولت البنادق التي ناضلت لسنوات تحت راية “الفيدرالية اللامركزية” إلى اندماج في صلب الدولة السورية عقب تفاهمات مصيرية مع الرئيس السوري، أحمد الشرع.
هذا التحول الجيوسياسي وضع الشعب الكردي أمام معادلة صعبة ومعقدة للغاية؛ تتأرجح خيوطها بين مكاسب ثقافية وحقوق مواطنة طال انتظارها لعقود، وبين توجس شعبي جارف من عودة المركزية الصارمة، ليرسم هذا الإعلان ملامح مخاض سياسي جديد قسّم النخب الكردية وخلط أوراق القوة شرق الفرات.
خريطة الاندماج التنفيذية
لم تكن التفاهمات المبرمة مجرد تسوية بروتوكولية، بل خطة دمج مؤسساتي وعسكري وجغرافي واسع النطاق:
– تفكيك الترسانة العسكرية: شهدت الأيام الماضية تفكيكاً وهيكلة كاملة لألوية قوات سوريا الديمقراطية الضخمة وصهرها في صفوف الجيش السوري، مع الحفاظ على خصوصية انتشار مقاتليها كحرس حدود وقوات أمنية في مناطقهم الأصلية لمنع حدوث فراغ أمني.
-دمج المكون النسائي: استقرت المباحثات بين القيادية الكردية، نوروز أحمد ووزارة الداخلية على دمج مقاتلات “وحدات حماية المرأة (YPJ)” بالكامل في السلك الأمني التابع لوزارة الداخلية السورية بدلاً من الجيش.
-استعادة السيادة على الشرايين الحيوية: بسطت دمشق سيادتها الإدارية والعسكرية الكاملة على معبر سيمالكا الحدودي ومطار قامشلو، إلى جانب استلامها حقول النفط والغاز الاستراتيجية والسدود المائية ومحطات الطاقة ومكاتب النفوس والسجلات العقارية والمدنية.
إرث العقد العاصف: انتزاع صكوك الهوية وترميم شروخ المواطنة
تحت غطاء هذا التوافق، حصد الشعب الكردي مكتسبات دستورية وثقافية طال انتظارها لعقود:
-الهوية والمواطنة بلا قيود: البناء على المرسوم الرئاسي التاريخي الصادر مطلع العام، والذي أقر بمنح الجنسية السورية لعشرات الآلاف من الكرد المحرومين منها (أجانب الحسكة ومكتومي القيد)، ممّا حل معضلة قانونية وإنسانية عمرها عقود.
-شرعنة الثقافة والشهادات: إقرار تعليم اللغة الكردية كلغة أم ضمن مناهج تعليمية مدمجة ومعترف بها رسمياً، مع إعلان عيد “النوروز” عطلة وطنية رسمية لعموم السوريين.
-الأمان الاجتماعي والتنظيمي: إنهاء عزلة الطلاب والشباب عبر قوننة شهاداتهم ووظائفهم.
براغماتية قصر الشعب: لماذا سقط الرهان على السياسة ورجحت كفة السلاح؟
أثارت الحوارات، تساؤلات حول أسباب حصر دمشق للاتفاق مع الجنرال مظلوم عبدي، متجاوزةً “المجلس الوطني الكردي (ENKS)” حيث فرضت البراغماتية السياسية شروطها:
1-أوراق القوة على الأرض: تفاوضت الدولة مع الطرف الذي يملك السيطرة الفعلية؛ فالجنرال عبدي كان يقود جيشاً محلياً قوامه 130 ألف مقاتل ويدير ثلث مساحة البلاد الغنية بالثروات، بينما المجلس الوطني كيان سياسي محض بلا تمثيل عسكري فاعل داخل سوريا.
2- المرونة والغطاء الدولي: أثبتت قيادة قوات سوريا الديمقراطية برئاسة عبدي براغماتية عالية في تغليب المصلحة الوطنية وحقن الدماء بضوء أخضر وتنسيق غير مباشر مع واشنطن (عبر المبعوث توم براك)؛ لتأمين انتقال منظم وقطع الطريق أمام عودة تنظيم داعش بعد تسليم وتأمين ملف المعتقلين وعائلاتهم.
فوبيا المركزية: هواجس الشارع الكردي بين التطمين الشفهي ومقصلة النكوص
رغم التطمينات، تسود الشارع الكردي حالة ترقب مشوبة بالحذر والتوجس نتيجة لتراكمات الذاكرة السياسية:
– فوبيا التراجع عن التعهدات: يخشى الكثيرون أن تكون الوعود الثقافية مجرد تفاهمات شفهية ومرحلية قابلة للالتفاف عليها، ما لم يتم تحصينها بنصوص دستورية مكتوبة وصريحة في الدستور الجديد.
-هاجس الخدمة العسكرية والقبضة الأمنية: تتخوف العائلات من إمكانية سوق أبنائهم المدمجين حديثاً لخوض معارك في محافظات بعيدة، فضلاً عن قلق الناشطين والموظفين السابقين من عودة الملاحقات والتضييق السياسي مع عودة الأجهزة الأمنية المركزية.
جبهة الرفض القومي: المجلس الوطني يندد بـ”صك الإذعان” وتصفية المكتسبات
واجه المجلس الوطني الكردي هذا الاتفاق بانتقادات حادة ولاذعة، متهماً قيادة قوات سوريا الديمقراطية بالخيانة السياسية:
– اتهامات بـالتفرد والتفريط: اعتبر المجلس حل الإدارة الذاتية تنازلاً مجانياً، قوض حلم الفيدرالية واللامركزية، وانتقد تفرد الجنرال عبدي بالقرار دون إشراك بقية القوى القومية الكردية.
– ديكور سياسي هش: وصف المجلس التعيينات الجديدة (مثل تولي عبدي منصب مستشار الرئيس، وانتقال إلهام أحمد لمجلس الشعب) بأنها أدوار شكلية وهشة لا تضمن تمثيلاً حقيقياً للكرد في صياغة مستقبل سوريا، معرباً عن تخوفه من استخدام هذا النفوذ لتهميش الكيانات الكردية التقليدية وبتر الروابط مع إقليم كردستان العراق.
في المحصلة، لا يمثل قرار حل قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية مجرد تراجع عسكري، بل هو إعادة هيكلة جذرية لمفهوم الهوية والسيادة في الجغرافيا السورية.
إن نجاح هذه المعادلة الصعبة شرق الفرات سيبقى مرهوناً بمدى قدرة المرحلة الانتقالية على الصمود؛ فإما أن يُثبت الاتفاق الفعلي أنه طوق نجاة تاريخي يقونن حقوق المواطنة ويحمي الخصوصية الثقافية للشعب الكردي تحت سقف الدولة، أو أن تتحول التفاهمات بمرور الوقت إلى مجرد تنازلات مؤقتة تعيد المنطقة إلى مربع المركزية الصارمة، ليظل الشارع الكردي في حالة ترقب مفتوحة على كل الاحتمالات.