شيرين إسماعيل
ماذا لو استيقظنا ذات صباح، واكتشفنا أن الحدود بين دول المنطقة لم تعد موجودة؟ ماذا لو استطاع السوري أن يسافر إلى العراق، والعراقي إلى الأردن، والأردني إلى مصر، والمصري إلى المغرب، دون أن يحمل جواز سفر، ودون أن يقف أمام موظف يسأله عن سبب الزيارة، ودون أن ينتظر تأشيرة دخول؟
ماذا لو أصبحت هذه الدول، رغم احتفاظ كل دولة بكيانها وحكومتها وقوانينها، فضاءً مفتوحًا أمام شعوبها؟ قد تبدو الفكرة في البداية أشبه بحلم بعيد، لكنها ليست مستحيلة من حيث المبدأ. فالعالم شهد تجربة قريبة من ذلك في أوروبا، حيث استطاعت دول عديدة إزالة الحدود بينها، فأصبح انتقال الإنسان من دولة إلى أخرى أمرًا عاديًا يشبه الانتقال بين مدينتين.
وهنا يأتي السؤال: لماذا لا نستطيع نحن أيضًا أن نحلم بشيء مشابه؟ نحن شعوب تعيش في منطقة تجمعها روابط تاريخية وجغرافية وثقافية كثيرة، رغم اختلاف اللغات واللهجات والقوميات والهويات من مكان إلى آخر. ففي سوريا والعراق، مثلًا، لا توجد هوية واحدة فقط، بل تعيش شعوب ومكونات متعددة لها لغاتها وثقافاتها وتاريخها وخصوصياتها. ومع ذلك، تفصل بين دول المنطقة حدود أصبحت في كثير من الأحيان أكثر قوة من الروابط التي تجمع شعوبها. تخيل أن تختفي هذه الحدود.
لن يعود السفر بين الدول مشروعًا يحتاج إلى تخطيط طويل، وتأشيرات، وموافقات، وانتظار. يستطيع الطالب أن يدرس في جامعة في دولة أخرى بسهولة أكبر، ويستطيع العامل أن يبحث عن فرصة عمل في بلد آخر، وتستطيع العائلات زيارة أقاربها وأصدقائها دون أن تتحول الزيارة إلى معاملة بيروقراطية طويلة. وقد لا يتوقف الأمر عند السفر.
تخيل سوقًا إقليمية أكبر، تتحرك فيها البضائع والأموال والأفكار بسهولة أكبر. تخيل سائحًا يستطيع أن يبدأ رحلته من المغرب، ثم ينتقل إلى مصر، ومنها إلى الأردن، ثم العراق، دون أن يشعر أنه يعبر حدودًا وإجراءات جديدة في كل مرة. تخيل أيضًا ماذا يمكن أن يحدث للإنسان نفسه.
ربما سيبدأ بالنظر إلى المنطقة بطريقة مختلفة. لن تختفي هويته الوطنية، ولن يصبح السوري عراقيًا، ولا العراقي أردنيًا، ولا المغربي مصريًا. بل سيبقى لكل إنسان انتماؤه وهويته وثقافته، لكنه في الوقت نفسه سيشعر بأنه يعيش في مساحة أوسع يستطيع فيها الحركة والتواصل وبناء العلاقات والبحث عن الفرص.
فإزالة الحدود لا تعني بالضرورة إزالة الدول، ولا تعني إلغاء الهويات. يمكن أن تبقى كل دولة محتفظة بحكومتها وقوانينها وهويتها، وأن تبقى كل جماعة وشعب ومكوّن محتفظًا بلغته وثقافته وخصوصيته، لكن تصبح حركة الإنسان بينها أكثر حرية، كما حدث في أجزاء كبيرة من أوروبا.
لكن السؤال الأصعب هو: هل نحن مستعدون فعلًا لذلك؟ فإزالة الحدود ليست مجرد فتح المعابر. هناك قضايا أمنية واقتصادية وقانونية معقدة، واختلافات كبيرة بين الدول في مستويات الدخل والقوانين والأنظمة السياسية. كما أن أي مشروع من هذا النوع يحتاج إلى ثقة وتعاون طويل الأمد بين الدول، وإلى اتفاقات تضمن حقوق الناس وتحافظ على خصوصية كل مجتمع.
ومع ذلك، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: «هل يمكن أن يحدث هذا غدًا؟» بل: «لماذا لا نبدأ بالتفكير فيه أصلًا؟» ربما لن تختفي الحدود بين دول المنطقة غدًا، وربما يحتاج الأمر إلى عقود حتى يصبح واقعًا. لكن كل مشروع كبير يبدأ بفكرة، وكل تغيير يبدأ بسؤال. والسؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم هو:
ماذا لو أصبحت هذه المنطقة مساحة يستطيع الإنسان أن يتحرك فيها بحرية، من دون أن تكون الحدود حاجزًا بينه وبين الإنسان الذي يعيش في الدولة المجاورة؟ ربما عندها لن يصبح السفر بين الدول حلمًا بل شيئًا عاديًا جدًا، لدرجة أننا سنتساءل يومًا: كيف كانت الحدود تمنعنا من ذلك أصلًا؟