م.م زيد محمد كاظم
تواجه الجامعات العراقية اليوم تحديًا لا يقل أهمية عن تطوير المناهج أو تحديث المختبرات، ويتمثل في كيفية بناء صورتها الذهنية أمام المجتمع. فالجامعة لم تعد تُقاس بعدد مبانيها أو أعداد طلبتها فقط، بل بقدرتها على صناعة الثقة، وإبراز منجزها العلمي، وبناء علاقة متينة مع جمهورها الداخلي والخارجي. وهنا يبرز الدور الحقيقي للعلاقات العامة، التي يفترض أن تكون العقل الاتصالي للمؤسسة، لا مجرد جهة توثق النشاطات وتنشر الأخبار. عند متابعة صفحات كثير من الجامعات العراقية على مواقع التواصل الاجتماعي، يلاحظ المتابع أن أغلب المنشورات تدور حول افتتاح ندوة، أو إقامة ورشة، أو تكريم تدريسي، أو مشاركة وفد في مؤتمر. ورغم أهمية هذه الفعاليات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يكفي نشر الأخبار اليومية لصناعة سمعة أكاديمية راسخة؟ إن العلاقات العامة، وفقًا لما يؤكد رائد العلاقات العامة الحديثة إدوارد بيرنيز، ليست عملية نشر أخبار، بل “هندسة للموافقة العامة” وبناء تفاهم مستدام بين المؤسسة وجمهورها. ومن هذا المنطلق، فإن نجاح العلاقات العامة لا يُقاس بعدد البيانات الصحفية، وإنما بمستوى الثقة التي يكتسبها الجمهور بالمؤسسة. ويرى الباحث الأمريكي جيمس غرونيغ، صاحب نظرية الاتصال المتوازن، أن العلاقات العامة الناجحة هي التي تقوم على الحوار المتبادل، لا على الاتصال أحادي الاتجاه. وهذا ما تفتقده بعض المؤسسات الجامعية؛ إذ تخاطب جمهورها باستمرار، لكنها نادرًا ما تستمع إليه. فالطالب يريد أن يجد من يجيب عن استفساراته، والخريج يريد أن يشعر بأن جامعته ما زالت تتواصل معه، والمجتمع ينتظر من الجامعة أن تقدم حلولًا لمشكلاته، لا أن تكتفي بنشر صور الاحتفالات.
وفي العراق، أصبحت المنافسة بين الجامعات الحكومية والأهلية أكثر وضوحًا خلال السنوات الأخيرة. ولم تعد المنافسة تقتصر على استحداث الأقسام أو زيادة أعداد الطلبة، بل امتدت إلى السمعة الأكاديمية. فبعض الجامعات استطاعت أن تبني صورة إيجابية لأنها ربطت اسمها بالبحث العلمي، أو خدمة المجتمع، أو التميز الأكاديمي، بينما اكتفت جامعات أخرى بإظهار النشاطات اليومية دون أن تروي قصة نجاحها الحقيقية.
فعلى سبيل المثال، عندما تحقق جامعة عراقية مركزًا متقدمًا في تصنيف دولي، أو يفوز أحد تدريسييها بجائزة علمية، أو ينجز باحثوها مشروعًا يخدم المجتمع، فإن هذه الإنجازات ينبغي أن تتحول إلى رسائل إعلامية مدروسة تعزز مكانة الجامعة. أما الاكتفاء بنشر الخبر ثم الانتقال إلى خبر آخر، فإنه يفقد العلاقات العامة أحد أهم أدوارها في بناء السمعة المؤسسية. وكما أن كثيرًا من صفحات الجامعات تركز على الكم أكثر من النوع؛ إذ تنشر عشرات الأخبار يوميًا، لكنها لا تقدم محتوى يعرّف الجمهور بقصص النجاح، أو بالمشروعات البحثية، أو بالابتكارات الطلابية، أو بالأثر الذي تتركه الجامعة في المجتمع. وهنا تتحول العلاقات العامة إلى أرشيف إلكتروني للنشاطات، بدل أن تكون منصة استراتيجية لصناعة الصورة الذهنية.
ويؤكد عالم الإدارة بيتر دركر أن “أهم ما في الاتصال هو سماع ما لا يُقال”. وهذه العبارة تختصر جانبًا مهمًا من عمل العلاقات العامة الجامعية؛ فالمطلوب ليس فقط الحديث عن إنجازات الجامعة، بل الإصغاء إلى احتياجات الطلبة، وملاحظات التدريسيين، وتساؤلات المجتمع، ثم تحويل هذه الملاحظات إلى خطط تطوير حقيقية.
ومن الأمثلة التي تستحق الإشادة، أن بعض الجامعات العراقية بدأت تهتم بإبراز قصص التميز لطلبتها، وتسليط الضوء على المبادرات التطوعية، والمشاركة في حملات التوعية، وربط نشاطها الأكاديمي بقضايا المجتمع، وهو اتجاه يعكس فهمًا أكثر نضجًا لدور العلاقات العامة. لكن هذه المبادرات ما زالت بحاجة إلى أن تتحول إلى سياسة مؤسسية، لا إلى اجتهادات فردية. ولا يقتصر بناء السمعة على الإعلام الرقمي، بل يبدأ من داخل الجامعة نفسها. فالطالب هو أول سفير لجامعته، والتدريسي يمثل صورتها أمام المجتمع، والموظف يعكس ثقافتها التنظيمية. فإذا كانت العلاقة بين الجامعة ومنتسبيها قائمة على الاحترام والشفافية، فإن ذلك سينعكس تلقائيًا على صورتها الخارجية. أما إذا غابت العدالة أو ضعف التواصل الداخلي، فلن تنجح أي حملة إعلامية في تحسين السمعة. كما أن الجامعة التي تفتح أبوابها للمجتمع، وتشارك في معالجة قضاياه، وتقدم خبراتها للمؤسسات الحكومية والخاصة، تكسب احترامًا يفوق ما تحققه آلاف المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. فالسمعة الأكاديمية تُبنى بالإنجاز، ثم تأتي العلاقات العامة لتعرّف الناس بهذا الإنجاز، لا لتصنع إنجازًا غير موجود.
لقد تغير مفهوم العلاقات العامة في الجامعات العالمية؛ فلم تعد دائرة لتنسيق الزيارات أو تغطية المؤتمرات، بل أصبحت شريكًا في التخطيط الاستراتيجي، وإدارة السمعة، والتواصل مع الخريجين، واستقطاب الطلبة، وبناء الشراكات الدولية. وهذا التحول يحتاج إلى أن يكون جزءًا من رؤية الجامعات العراقية إذا أرادت أن تنافس في بيئة أكاديمية متغيرة.
إن الجامعة التي تكتفي بتوثيق النشاطات قد تنجح في ملء صفحاتها بالأخبار، لكنها لن تنجح بالضرورة في بناء ثقة المجتمع بها. أما الجامعة التي تجعل العلاقات العامة جسرًا بين المعرفة والمجتمع، وبين الإنجاز والرأي العام، فإنها تضع أساسًا راسخًا لسمعة علمية تستمر سنوات طويلة. وتبقى العلاقات العامة في الجامعات العراقية أمام خيارين واضحين: إما أن تبقى حبيسة عدسة المصور وصياغة الخبر اليومي، وإما أن تتحول إلى قوة استراتيجية تصنع الهوية المؤسسية، وتحمي السمعة الأكاديمية، وتجعل الجامعة حاضرة في وجدان المجتمع بقدر حضورها في القاعات الدراسية. فالسمعة العلمية لا تُبنى بعدد النشاطات، بل بما تتركه الجامعة من أثر في الإنسان والمجتمع، وبقدرتها على تحويل العلم إلى قيمة، والاتصال إلى ثقة، والثقة إلى تاريخ يستحق أن يُروى.