الاستاذ الدكتور
نزار الربيعي
ثمة أوطان نسكنها، وثمة أوطان تسكننا. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين الجغرافيا والوجود؛ فالجغرافيا تستطيع أن تحدد المكان الذي يقف فيه الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تحدد المكان الذي يقف فيه الوطن داخل الإنسان. والعراق، لمن أدرك معناه العميق، ليس رقعة من الأرض تنتهي عند حدود مرسومة على الخرائط، بل حالة وجودية تتجاوز المكان إلى الذاكرة، وتتجاوز الذاكرة إلى الهوية، وتتجاوز الهوية إلى سؤال أكثر عمقاً: من نكون إذا انتزعنا العراق من داخلنا؟
إن حب العراق لا يحتاج إلى مناسبة كي يُعلن، لأن الحب الحقيقي لا يعيش على المنابر وحدها، ولا يُقاس بارتفاع الأصوات ولا بكثرة الشعارات. الوطن الذي يحتاج في كل صباح إلى أن نقنع أنفسنا بحبه لم يتحول بعد إلى جزء من أرواحنا؛ أما الوطن الحقيقي فهو ذلك الذي نحمله بصمت، ونشعر بالخوف عليه كما نخاف على جزء من ذواتنا، ونفرح لنجاحه كما لو أننا نحن الذين نجحنا، ونتألم حين يصيبه الضرر لأن الجرح الذي يقع في جسد الوطن يجد طريقه، بطريقة خفية، إلى أرواح أبنائه.
ولعل العراق من أكثر الأوطان التي يصعب اختصارها في تعريف واحد. فمن أين يبدأ العراق؟ هل يبدأ من دجلة والفرات؟ أم من أول حرف كُتب على ألواح الطين؟ أم من نخلة انحنت فوق جدول ماء؟ أم من بغداد وهي تفتح أبوابها للعلم والفلسفة والترجمة؟ أم من الموصل وكركوك والبصرة والنجف وكربلاء وأربيل والسليمانية والأنبار وديالى والناصرية؟ الحقيقة أن العراق يبدأ من كل ذلك، لكنه لا ينتهي عند شيء منه؛ لأن العراق ليس مجموع مدنه فحسب، بل الروح التي تجعل من اختلاف هذه المدن معنى واحداً اسمه الوطن.
العراق فكرة تراكمت فوقها آلاف السنين من التجربة الإنسانية. وكل جيل مر بهذه الأرض ترك شيئاً من روحه فيها، حتى أصبحت أرض العراق أشبه بكتاب ضخم لم يكتبه مؤلف واحد، بل كتبته أجيال متعاقبة بالحرف والحجر والماء والدم والحلم. وإذا كانت بعض البلدان تُعرف بما تملكه من ثروات، فإن العراق يُعرف أيضاً بما منحه للعالم من أسئلة وأفكار وتجارب؛ ففي هذه الأرض تعلم الإنسان أن يكتب، وأن ينظم المدينة، وأن يحوّل الماء إلى حياة، وأن يجعل من القانون محاولة مبكرة للانتقال من حكم القوة إلى قوة النظام.
لكن عظمة الماضي قد تصبح عبئاً إذا تحول التاريخ إلى وسادة ننام عليها بدلاً من أن يكون منصة ننطلق منها. فليس أخطر على أمة من أن تكتفي بترديد ما صنعه أجدادها وهي عاجزة عن صناعة ما يستحق أن يرويه أحفادها. إن الحضارة ليست ميراثاً يُحفظ في الخزائن، وإنما مسؤولية تنتقل من جيل إلى جيل. ولذلك فإن حب العراق لا ينبغي أن يكون حنيناً إلى الماضي وحده؛ فالوطن الذي نحب ماضيه ولا نصنع مستقبله يتحول شيئاً فشيئاً إلى متحف، والعراق أكبر من أن يكون متحفاً لحضارات عظيمة مضت؛ إنه يستحق أن يكون مشروعاً لحضارة لم تأت بعد.
وهنا تبدأ فلسفة أخرى في حب الوطن: أن تحب العراق لا يعني أن تقول إن العراق أجمل البلدان، بل أن تسأل ماذا فعلت لكي يصبح أجمل. ولا يعني أن تفخر بأن أجدادك صنعوا الحضارات، بل أن تسأل نفسك: ماذا سيقول أحفادك عن الحضارة التي تركتها لهم؟ فالأمم العظيمة لا تعيش إلى الأبد على أمجاد أسلافها. التاريخ يمنح الشعوب ذاكرة، لكنه لا يمنحها المستقبل؛ لأن المستقبل يصنعه الأحياء، لا الموتى.
ومن المؤلم أن الإنسان يستطيع أن يرث وطناً عظيماً ثم يورث أبناءه وطناً أقل مما استلمه، كما يستطيع، في المقابل، أن يستلم وطناً متعباً ويتركه للأجيال أكثر عدلاً وعلماً وجمالاً. وهنا يصبح حب الوطن مسؤولية أخلاقية، لا مجرد عاطفة. فالوطنية الحقيقية لا تُقاس فقط بما نقوله عن العراق، وإنما بما نضيفه إليه. قد يكون عامل النظافة الذي يؤدي واجبه بإخلاص أكثر وطنية من خطيب يتحدث ساعات عن حب العراق ثم لا يحترم نظامه العام، وقد يكون المعلم الذي يبني عقلاً حراً أكثر خدمة للوطن من آلاف الشعارات، وقد يكون الطبيب الذي يحترم حياة مريضه، والمهندس الذي يرفض الغش، والموظف الذي يصون المال العام، والفلاح الذي يزرع أرضه، والكاتب الذي يدافع عن الحقيقة، جنوداً في معركة بناء الوطن من دون أن يرتدوا زياً عسكرياً.
إن أعلى درجات الوطنية ليست أن تموت من أجل الوطن، على عظمة التضحية، وإنما أن تعرف كيف تعيش من أجله أيضاً: أن تعمل بإخلاص، وتحترم القانون، وتحفظ المال العام، وترفض الظلم، وتحمي الضعيف، وتتقن مهنتك، وتزرع شجرة، وتعلم طفلاً، وتكتب فكرة تنير عقلاً، وتمنع الكراهية من أن تتحول إلى ثقافة. فالأوطان لا تنهار فقط عندما تدخلها الجيوش، وإنما قد تنهار من الداخل حين يصبح الفساد طبيعياً، والكراهية مألوفة، والجهل مقبولاً، واللامبالاة أسلوب حياة.
ومن هنا فإن العراق لا يحتاج فقط إلى من يحبونه، بل يحتاج إلى من يفهمون معنى حبه. فكم من إنسان أعلن حبه لوطنه ثم أساء إليه من حيث يدري أو لا يدري، وكم من شخص لم يرفع شعاراً واحداً لكنه أمضى حياته يبني حجراً في جدار الدولة أو يزرع معرفة في عقل إنسان. الوطنية ليست مسابقة في الكلمات، وإنما امتحان يومي للسلوك.
ولعل أعظم ما يمكن أن نقدمه للعراق هو أن نحرره من فكرة أن اختلاف أبنائه مشكلة. العراق لم يكن في يوم من الأيام لوناً واحداً، ولن يكون. قوته الحقيقية ليست في إلغاء تنوعه، وإنما في القدرة على تحويل هذا التنوع إلى ثراء. العربي والكردي والتركماني والآشوري والكلداني وسائر مكونات هذا الوطن لا ينبغي أن ينظر أحدهم إلى الآخر باعتباره ضيفاً على العراق؛ فالوطن الذي عاش فيه الجميع وصنعوا تاريخه معاً لا يستطيع أحد أن يمنح فيه الآخر شهادة انتماء.
الوطن ليس ملكاً للأكثر عدداً، ولا للأقوى سلاحاً، ولا للأعلى صوتاً؛ الوطن ملك متساوٍ لكل من يرى فيه بيته النهائي. وحين يشعر أي عراقي أن كرامته أقل من كرامة عراقي آخر بسبب قوميته أو دينه أو مذهبه أو مدينته، فإن شيئاً من معنى العراق يكون قد انكسر. فالدولة قد تُبنى بالقوانين والمؤسسات، لكن الوطن يُبنى بالشعور العميق بالمساواة.
ولذلك فإن الوحدة الوطنية ليست أن يصبح العراقيون متشابهين؛ فالتشابه الكامل ليس وحدة، بل إلغاء. الوحدة الحقيقية أن نبقى مختلفين، لكننا نعرف أن هناك شيئاً أكبر من اختلافنا يستحق أن نحميه. أن يكون لكل منا اسمه ولهجته وذاكرته ومعتقده، ثم نلتقي جميعاً عند اسم واحد حين يصبح الوطن في خطر: العراق.
إن العراق الذي يسكننا لا يسأل الإنسان من أي مدينة جاء قبل أن يمنحه شعور الانتماء. فدجلة حين يمر ببغداد لا يسأل الماء القادم إليه عن قوميته، والفرات حين يسقي الأرض لا يختار حقلاً دون آخر على أساس هوية صاحبه. وربما تستطيع الطبيعة أن تعلم السياسة درساً بسيطاً وعميقاً: الماء لا يعيش إذا توقف عن الجريان، والوطن لا يعيش إذا توقفت جسور التواصل بين أبنائه.
وحين نتأمل تاريخ العراق نجد أن مشكلته لم تكن يوماً في قلة الإمكانات، بل كثيراً ما كانت في طريقة إدارة الإمكانات. فالأرض غنية، والماء حاضر رغم تحدياته، والعقول كثيرة، والموقع استثنائي، والتاريخ عميق؛ لكن الثروة الحقيقية لأي دولة ليست ما يوجد تحت أرضها، بل ما يوجد داخل عقول أبنائها. النفط قد يصنع ميزانية، لكنه لا يصنع حضارة بمفرده. الحضارة يصنعها الإنسان حين يتحول من مستهلك للثروة إلى منتج للمعرفة.
ولهذا فإن المدرسة في العراق ليست مجرد بناية يتلقى فيها الطفل دروساً، بل هي المكان الذي يتقرر فيه شكل العراق بعد عشرين أو ثلاثين عاماً. والجامعة ليست مؤسسة لمنح الشهادات، وإنما مصنع للعقل الذي سيقود الدولة والمجتمع. وحين نستثمر في الإنسان العراقي فإننا لا ننفق على الحاضر فقط، بل نودع رصيداً في مستقبل لم يولد بعد.
الوطن العظيم هو الذي يجعل أبناءه يشعرون بأن أحلامهم يمكن أن تتحقق داخله، لا أن تصبح الهجرة شرطاً لتحقيقها. وليس مؤلماً أن يسافر العراقي ليتعلم أو يعمل أو يكتسب تجربة؛ فالعالم اليوم فضاء مفتوح، ولكن المؤلم أن يشعر الإنسان أن عليه أن يبتعد عن وطنه لكي يجد الكرامة والفرصة والعدالة. إن أحد أهم معايير نجاح الدولة هو أن تجعل البقاء فيها خياراً جميلاً، لا قدراً ثقيلاً.
ومع ذلك، فإن العراقي حين يغادر العراق يكتشف أحياناً أن المسافة لا تقلل حضور الوطن في داخله، بل تزيده وضوحاً. هناك أشياء لا نعرف قيمتها إلا عندما نبتعد عنها: صوت بائع في شارع بغدادي، رائحة خبز في صباح شتوي، نخلة على حافة الطريق، لهجة أم، ضحكة صديق قديم، ضفة نهر، أو حتى فوضى مدينة كنا نتذمر منها ثم نشتاق إليها حين نغادرها. عندها ندرك أن الوطن ليس منظراً طبيعياً فقط، وإنما شبكة هائلة من التفاصيل الصغيرة التي صنعت وعينا من دون أن نشعر.
وربما لهذا السبب لا يستطيع الإنسان أن يهاجر بالكامل. يستطيع الجسد أن يغير عنوانه، لكن الذاكرة لا تغير عنوانها بسهولة. قد يحمل الإنسان جواز سفر جديداً، ويتقن لغة جديدة، ويسكن مدينة بعيدة، لكنه حين يسمع اسم العراق فجأة يشعر بأن نافذة قد فُتحت في داخله. الوطن في تلك اللحظة لا يكون مكاناً على الخريطة، بل صوتاً داخلياً يعيد الإنسان إلى نفسه.
وهنا تظهر المفارقة الجميلة: نحن نظن أننا نحمل ذكرياتنا عن العراق، لكن ربما تكون ذكريات العراق هي التي تحملنا. إنها تحفظ الجزء الأول من قصتنا، والوجوه الأولى التي عرفناها، والكلمات الأولى التي نطقناها، والأماكن التي تشكل فيها وعينا. ولهذا فإن الوطن ليس شيئاً خارج الإنسان يمكن استبداله بسهولة؛ إنه جزء من البنية الداخلية للهوية.
لكن حب الوطن لا ينبغي أن يتحول إلى تعصب أعمى. فالذي يحب العراق حقاً لا يحتاج إلى كراهية بلد آخر لكي يثبت حبه له. الوطنية الناضجة لا تبني عظمتها على احتقار الآخرين، بل على احترام الذات. ومن يثق بوطنه لا يخاف من العالم، بل يتعلم منه ويشارك فيه ويحافظ في الوقت نفسه على شخصيته.
إن العراق الذي نريده ليس عراقاً معزولاً خلف أمجاد التاريخ، وإنما عراقاً يعرف تاريخه ويتجه بثقة إلى المستقبل؛ عراقاً يقرأ العالم كما كان العالم في زمن من الأزمنة يقرأ الكتب التي خرجت من بغداد؛ عراقاً يستعيد مكانته بالجامعة والمختبر والكتاب والاقتصاد والثقافة والفنون، لا بمجرد استدعاء صور الماضي.
وقد فهم الشعر العراقي منذ زمن بعيد هذه العلاقة العجيبة بين الأرض والروح، ولعل من أبلغ ما قيل في ذلك قول بدر شاكر السياب: «الشمس أجمل في بلادي من سواها، والظلام، حتى الظلام هناك أجمل، فهو يحتضن العراق». ليس جمال العراق هنا حكماً جغرافياً يمكن إثباته بالمقارنة، بل حقيقة وجدانية. الإنسان يرى الوطن بعين الذاكرة، ولهذا قد يصبح حتى ظلامه مختلفاً؛ لأن الأشياء التي تنتمي إلى الجذور لا تخضع دائماً لمقاييس العقل المجرد.
والعراق يحتاج اليوم إلى فلسفة وطنية تعيد تعريف القوة. فالقوة ليست فقط في عدد الجنود ولا في حجم الموارد، وإنما في قوة المؤسسات، وهيبة القانون، ونوعية التعليم، واستقلال القضاء، وحرية العقل، وثقة المواطن بالدولة. الدولة التي يخاف مواطنها من المستقبل دولة تحتاج إلى مراجعة نفسها، أما الدولة التي يشعر المواطن فيها أن القانون يحميه وأن جهده سيجد فرصته فهي دولة تمتلك أقوى أشكال الأمن: ثقة الإنسان بوطنه.
والثقة بين المواطن والوطن ليست قراراً إدارياً؛ إنها علاقة تُبنى كل يوم. حين يشعر المواطن أن حقوقه مصانة، يزداد انتماؤه. وحين يرى أن القانون يطبق على الجميع، يصبح الدفاع عن الدولة دفاعاً عن العدالة. وحين يشعر الشاب أن موهبته أهم من علاقاته، يبدأ بالإيمان بأن المستقبل ممكن. وهكذا تتحول الوطنية من خطاب عاطفي إلى عقد أخلاقي بين الدولة والمجتمع.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي وطن هو أن يفقد أبناؤه القدرة على الحلم به. فالأوطان تموت في الخيال قبل أن تموت في الجغرافيا. حين يتوقف الناس عن تصور وطن أفضل، يبدأ الاستسلام للواقع وكأنه قدر نهائي. ولذلك فإن الحلم بالعراق ليس ترفاً فكرياً؛ إنه ضرورة وطنية. علينا أن نتخيل العراق الذي نريد قبل أن نستطيع بناءه.
نحتاج إلى عراق تكون فيه قيمة الإنسان قبل هويته الفرعية، والكفاءة قبل المحسوبية، والقانون قبل النفوذ، والعلم قبل الخرافة، والحوار قبل العنف، والمصلحة العامة قبل الغنيمة الشخصية. وليس هذا العراق مدينة فاضلة مستحيلة؛ فكل تحول عظيم في التاريخ بدأ بفكرة بدت في زمنها أكبر من الواقع.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل عراقي على نفسه ليس: ماذا أعطاني العراق؟ فقط، بل: ماذا سأعطي العراق؟ فالوطن ليس مؤسسة خدمات نغضب منها عندما لا تمنحنا ما نريد، بل شراكة تاريخية بين أجيال مضت وأجيال تعيش وأجيال لم تولد بعد. نحن نستلم العراق مؤقتاً ثم نسلمه لمن يأتي بعدنا، وكل جيل مسؤول أخلاقياً عن الحالة التي يتركه عليها.
قد لا يستطيع الفرد تغيير دولة كاملة، لكنه يستطيع أن يمنع مساحة صغيرة حوله من الانهيار. يستطيع أن يكون عادلاً في بيته، أميناً في عمله، نزيهاً في مسؤوليته، راقياً في اختلافه، صادقاً في كلمته. وحين يفعل ملايين الأفراد ذلك تتغير الدول من دون أن يدرك أحد اللحظة الدقيقة التي بدأ فيها التغيير.
فالأوطان ليست فقط قرارات حكومات؛ إنها مجموع السلوك اليومي لملايين البشر. الطريق النظيف موقف وطني، والجامعة الجيدة موقف وطني، واحترام الوقت موقف وطني، وحماية الممتلكات العامة موقف وطني، والرحمة بالفقير موقف وطني، واحترام المختلف موقف وطني. الحضارة في جوهرها أخلاق يومية قبل أن تكون أبنية شاهقة.
وربما كان علينا أن نتوقف عن سؤال العراق دائماً عما قدمه لنا، وأن نسأل أنفسنا ماذا قدمنا نحن له. فقد أعطانا اسماً نحمله أينما ذهبنا، وأعطانا تاريخاً لا تستطيع القرون محوه، وأعطانا ذاكرة مشتركة رغم كل خلافاتنا. وما نملكه نحن في المقابل هو فرصة واحدة: أن نتركه أفضل مما وجدناه.
العراق لا يحتاج إلى جيل يمجده فقط، بل إلى جيل يستحقه. جيل يفهم أن سومر وبابل وآشور وبغداد ليست كلمات للافتخار في الخطب، وإنما أسئلة موجهة إلى الحاضر: ماذا ستضيفون أنتم إلى هذه السلسلة الطويلة من التاريخ؟ هل سيكون دوركم مجرد رواية ما فعله السابقون، أم ستتركون شيئاً يستحق أن يرويه القادمون؟
إن أعظم وفاء للأجداد ليس أن نبقى واقفين أمام آثارهم بإعجاب، بل أن نصنع شيئاً يجعلهم، لو عادوا، يقفون أمامه بإعجاب أيضاً.
وفي النهاية، ربما يكون العراق أكبر من جميع تعريفاتنا له. فهو ليس الأرض وحدها، ولا التاريخ وحده، ولا الشعب وحده، ولا الأنهار والمدن والآثار وحدها. العراق هو العلاقة السرية التي تربط كل هذه الأشياء بالإنسان. إنه ذلك الشعور الذي لا نستطيع دائماً تفسيره، لكنه يظهر فجأة حين نسمع اسمه بعيداً عن الوطن، أو حين نرى علمه، أو حين يحقق عراقي إنجازاً في مكان ما من العالم، أو حين يصيبه ألم فنشعر أن الأمر يعنينا شخصياً.
ثمة أوطان نعيش فيها لأنها المكان الذي ولدنا فيه، وثمة أوطان تصبح جزءاً من تعريفنا لأنفسنا. والعراق من النوع الثاني؛ يمكن للعراقي أن يبتعد عنه آلاف الكيلومترات، لكن المسافة لا تستطيع أن تقيس البعد الحقيقي بين الإنسان ووطنه، لأن الوطن حين يسكن الروح تلغى قوانين الجغرافيا.
ولهذا فإن العراق الذي يسكننا أكبر من العراق الذي نراه على الخريطة. العراق على الخريطة له حدود، أما العراق في الذاكرة فلا حدود له. العراق على الخريطة مساحة، أما العراق في الروح فهو معنى. العراق على الخريطة يمكن أن نقيسه بالكيلومترات، أما العراق الذي نحمله في داخلنا فلا توجد وحدة قياس تستطيع أن تحدد مساحته.
وحين نفهم ذلك ندرك أن الوطن ليس شيئاً نملكه، بل شيئاً ينتمي إلينا بقدر ما ننتمي إليه. نحن لا نرث العراق لكي نستهلكه، بل نستعيره من المستقبل، من أطفال لم يولدوا بعد، ومن أجيال ستقف يوماً حيث نقف نحن الآن وتسأل عما فعلناه بالأمانة التي كانت بين أيدينا.
وعندها فقط يصبح حب العراق أكثر من عاطفة؛ يصبح موقفاً أخلاقياً من الحياة، ومسؤولية أمام التاريخ، ووعداً للأجيال القادمة. فالعراق الذي يسكننا لا يريد منا أن نحبه بالكلمات فقط، بل أن نجعله جديراً بهذا الحب.
وقد تكون أعمق فلسفة للوطن كلها مختصرة في حقيقة واحدة: إن الوطن العظيم ليس المكان الذي نولد فيه فحسب، بل المكان الذي نحاول طوال حياتنا أن نجعله أجمل مما كان يوم ولدنا فيه.
وحين يأتي يوم يغادر فيه الإنسان هذه الحياة، لن يكون السؤال الأهم كم مرة قال إنه يحب العراق، وإنما: هل أصبح العراق، ولو قليلاً، أفضل لأنه عاش فيه؟