الاستاذ الدكتور
فكري عزيز حمد السورجي
لم يعد التغير المناخي في القرن الحادي والعشرين مجرد مسألة بيئية تتعلق بارتفاع درجات الحرارة أو اضطراب الفصول، بل تحول إلى سؤال قانوني وفلسفي يمس جوهر النظام الدولي ذاته. فإذا كانت الدولة، في التصور التقليدي للقانون الدولي، تقوم على شعب وإقليم وسلطة وسيادة، فماذا يحدث عندما يبدأ أحد هذه الأركان، وهو الإقليم، بالاختفاء فعلياً تحت مياه البحر؟ وهل يمكن لدولة أن تبقى دولة من الناحية القانونية إذا لم يعد لها إقليم صالح للسكن؟ إن هذا السؤال، الذي كان قبل عقود أقرب إلى الافتراض النظري، أصبح اليوم من أكثر الأسئلة إلحاحاً بالنسبة إلى الدول الجزرية المنخفضة التي يهددها ارتفاع مستوى سطح البحر.
إن الإقليم في النظرية التقليدية للدولة ليس مجرد مساحة ترابية، بل هو الحيز الذي تمارس فيه السلطة اختصاصها وتستقر عليه الجماعة السياسية. ولذلك ارتبط مفهوم السيادة، منذ نشأة الدولة الحديثة، بفكرة الحدود والأرض. غير أن تغير المناخ يضع هذا التصور أمام مفارقة غير مسبوقة: الطبيعة نفسها قد تعيد رسم الخريطة السياسية للعالم، لا بالحرب ولا بالمعاهدات ولا بانهيار الحكومات، وإنما بارتفاع المياه تدريجياً. وهنا يصبح البحر فاعلاً غير سياسي ينتج آثاراً سياسية وقانونية عميقة.
وتكشف هذه المفارقة أن القانون الدولي بُني تاريخياً على افتراض ضمني هو ثبات الجغرافيا. فقد تغيرت الحدود، وانقسمت الدول واتحدت، لكن فكرة وجود أرض يمكن نسبتها إلى الدولة ظلت حاضرة. أما احتمال اختفاء إقليم دولة كاملة، أو تحوله إلى مساحة غير قابلة للحياة البشرية، فيدفع القانون إلى منطقة لم تختبرها قواعده التقليدية بصورة كاملة. ولذلك لم يعد السؤال: من يملك الأرض؟ بل أصبح: هل يمكن أن تستمر الشخصية القانونية عندما تزول الأرض نفسها؟
وتزداد المسألة تعقيداً لأن زوال قابلية الإقليم للسكن لا يعني بالضرورة اختفاء الشعب. فقد ينتقل سكان الدولة المهددة إلى دول أخرى، ويحافظون على جنسيتهم وذاكرتهم السياسية ومؤسساتهم ورغبتهم في الاستمرار جماعةً وطنية مستقلة. عندئذ قد نجد أمامنا شعباً بلا أرض، وحكومة ربما تعمل من خارج الإقليم، وعلاقات دبلوماسية قائمة، وعضوية في منظمات دولية، ولكن من دون الإقليم بمعناه المألوف. وهذا النموذج يدفعنا إلى إعادة التفكير في معنى الدولة ذاتها.
إن الدولة، من منظور فلسفي، ليست تراباً فحسب. إنها أيضاً رابطة قانونية وذاكرة جماعية وإرادة سياسية واعتراف متبادل. الأرض تمنح الدولة مكانها، لكن الشعب يمنحها معناها. وإذا كان القانون الدولي قد عرف حكومات في المنفى وحالات احتلال لم تؤدِّ إلى زوال الشخصية الدولية للدولة، فإن ذلك يدل على أن السيطرة المادية على الإقليم ليست في كل الظروف الشرط الوحيد لاستمرار الكيان القانوني. ومن هنا يمكن بناء حجة قانونية مؤداها أن فقدان الإقليم بسبب كارثة مناخية لا ينبغي أن يؤدي تلقائياً إلى «موت الدولة».
فالقول بزوال الدولة بمجرد غرق إقليمها يقود إلى نتيجة أخلاقية شديدة القسوة: الدولة التي تكون من أقل الدول إسهاماً في الانبعاثات العالمية قد تدفع الثمن القانوني الأكبر، فتفقد أرضها ثم تفقد شخصيتها الدولية وحقوقها البحرية وعضويتها ومواطنيها القانونيين. وهكذا يتحول الضرر المناخي من خسارة مادية إلى إعدام قانوني لكيان سياسي كامل. وهذه النتيجة يصعب التوفيق بينها وبين العدالة الدولية ومبدأ المساواة في السيادة.
من هنا تظهر الحاجة إلى تطوير مفهوم «استمرارية الدولة» في مواجهة ارتفاع مستوى البحار. فبدلاً من التعامل مع عناصر الدولة باعتبارها شروطاً جامدة يجب أن تظل قائمة بالشكل نفسه إلى الأبد، يمكن النظر إلى الشخصية الدولية بوصفها مركزاً قانونياً مكتسباً لا يزول بسهولة بسبب ظرف طبيعي قاهر. فإذا اعترف المجتمع الدولي بدولة، وكانت لها مؤسسات وشعب وجنسية والتزامات وحقوق، فإن استمرار هذا الاعتراف قد يكون أكثر عدلاً واستقراراً من إعلان زوالها بسبب تحول جغرافي لم تصنعه بإرادتها.
ويمتد السؤال إلى الحدود البحرية. فالدول الجزرية تستمد من سواحلها مناطق بحرية واسعة، وقد ترتبط بها موارد اقتصادية وثروات ومصالح حيوية. فإذا تحرك خط الساحل إلى الداخل أو اختفت بعض الجزر، فهل تتحرك معه خطوط الأساس والحدود البحرية؟ إن تطبيق منطق جغرافي متحرك بصورة حرفية قد يؤدي إلى تقلص حقوق الدول الأكثر تعرضاً لارتفاع البحر، أي إلى معاقبتها مرة ثانية: تفقد اليابسة أولاً ثم تفقد الموارد البحرية المرتبطة بها.
ولهذا تبرز فكرة تثبيت الحدود البحرية التي تم تحديدها بصورة قانونية، بحيث لا يؤدي ارتفاع البحر لاحقاً إلى إعادة توزيع الحقوق بصورة مستمرة. لهذه الفكرة قيمة تتجاوز حماية مصالح الدول الجزرية؛ فهي تخدم أيضاً استقرار العلاقات الدولية. فالحدود التي تتحرك مع الطبيعة يمكن أن تتحول إلى مصدر دائم للنزاعات، بينما يحقق تثبيتها قدراً أكبر من اليقين القانوني.
أما مصير السكان فهو الجانب الإنساني الأعمق في القضية. فالإنسان الذي يفقد منزله بسبب البحر لا يفقد حجراً وسقفاً فقط، بل قد يفقد المكان الذي ترتبط به ذاكرته ولغته ومقابر أسلافه ومؤسساته وهويته الجماعية. وإذا انتقل شعب كامل إلى دولة أخرى، فإن وصفه بمجرد «مهاجرين» لا يعبّر عن حجم التحول. نحن أمام احتمال انتقال جماعة سياسية كاملة من إقليمها التاريخي مع رغبتها في الاحتفاظ بجنسيتها ودولتها.
وهذا يطرح مفهوماً يمكن تسميته «المواطنة من دون إقليم». فالمواطنة في التصور المعتاد ترتبط بدولة ذات أرض، لكن التطورات المناخية قد تجعلها رابطة قانونية مستمرة حتى بعد انتقال غالبية المواطنين إلى الخارج. وقد تصبح الحكومة رقمية أو موزعة جغرافياً، وتستمر في إصدار الوثائق وإدارة السجلات وتمثيل مواطنيها دولياً. وعندها سيكون علينا أن نسأل: هل مقر الحكومة هو الذي يصنع الدولة، أم الإرادة القانونية المستمرة للشعب والمؤسسات والاعتراف الدولي؟
إن التكنولوجيا تضيف بعداً غير مسبوق إلى هذا الاحتمال. فالدولة الحديثة تستطيع الاحتفاظ بسجل مدني رقمي، وإجراء عمليات إدارية عن بعد، وإدارة أموال عامة وصناديق سيادية، والحفاظ على تمثيل دبلوماسي حتى لو انتقلت مؤسساتها المادية إلى دولة مضيفة. وبذلك قد يظهر في المستقبل نموذج «الدولة الموزعة»: دولة لها شعب منتشر، وحكومة تعمل عبر أكثر من إقليم، وشخصية دولية مستمرة، بينما أصبح إقليمها الأصلي غير صالح للسكن أو غارقاً.
لكن هذه الإمكانية لا تخلو من مخاطر. فالاعتماد على الاعتراف وحده قد يجعل مصير الدولة الضعيفة رهناً بإرادة الدول الأقوى. لذلك ينبغي ألا يكون استمرار الشخصية القانونية منحة سياسية متغيرة، بل قاعدة قانونية دولية أكثر وضوحاً. فحقوق الشعوب لا ينبغي أن تختفي عندما تختفي الأرض، والسيادة لا ينبغي أن تصبح امتيازاً تمنحه الجغرافيا للأقوياء وتحجبه عن ضحايا أزمة عالمية.
وهنا يبرز مبدأ العدالة المناخية بوصفه أساساً فلسفياً وقانونياً. فالضرر المناخي موزع بصورة غير متساوية: دول صغيرة قد تتحمل آثاراً وجودية لانبعاثات ساهمت فيها بدرجة محدودة جداً. لذلك فإن مسؤولية المجتمع الدولي لا ينبغي أن تقتصر على تمويل التكيف أو إعادة التوطين، بل يجب أن تمتد إلى حماية الاستمرارية السياسية والقانونية للشعوب المهددة.
إن إعادة التوطين، مهما كانت سخية، لا تكفي وحدها. فإعطاء الإنسان منزلاً جديداً لا يعوضه بالضرورة عن فقدان وطنه القانوني. ثمة فرق بين حماية الفرد من الغرق وحماية الشعب من الاختفاء السياسي. القانون الدولي لحقوق الإنسان يستطيع حماية الأشخاص، لكن القضية تتطلب أيضاً حماية الجماعة السياسية وحقها في تقرير المصير واستمرار هويتها ومؤسساتها.
ولذلك يمكن التفكير في اتفاقية دولية مستقبلية خاصة بالدول المهددة بالاختفاء المادي. مثل هذه الاتفاقية يمكن أن تقرر استمرار الشخصية الدولية للدولة رغم فقدان قابلية الإقليم للسكن، وتثبيت حدودها البحرية المقررة قانوناً، وحماية جنسية مواطنيها، وتنظيم وضع حكومتها خارج الإقليم، وضمان استمرار عضويتها الدولية، ووضع ترتيبات عادلة مع الدول التي تستضيف سكانها.
كما ينبغي ألا يُفهم هذا الاتجاه بوصفه إنكاراً لأهمية الإقليم في القانون الدولي. الإقليم سيظل ركناً أساسياً في نشأة الدول وفي ممارسة الاختصاص. لكن الفرق بين «نشأة الدولة» و«استمرار الدولة» بالغ الأهمية. فقد يكون وجود الإقليم شرطاً ضرورياً لظهور دولة جديدة، من دون أن يكون اختفاؤه لاحقاً سبباً آلياً لمحو دولة قائمة ومعترف بها. هذه التفرقة تسمح للقانون بأن يحافظ على منطقه التقليدي وفي الوقت نفسه يتكيف مع واقع جديد.
ومن منظور أوسع، تكشف القضية حدود التفكير القانوني الذي يفترض أن الطبيعة خلفية ثابتة للأحداث البشرية. في عصر تغير المناخ، أصبحت الطبيعة نفسها قادرة على تغيير شروط السيادة والهجرة والأمن والاقتصاد. ولذلك يحتاج القانون الدولي إلى الانتقال من قانون ينظم العلاقات فوق جغرافيا ثابتة إلى قانون يستطيع حماية الاستقرار والحقوق في جغرافيا متحولة.
ولعل أخطر ما في ظاهرة غرق الدول أنها تجعلنا نواجه سؤالاً لم نكن نتصور أن يصبح عملياً: هل يمكن أن يموت الوطن مادياً ويبقى قانونياً؟ والجواب الذي ينبغي أن يتجه إليه القانون الدولي هو أن الشخصية السياسية للشعوب لا ينبغي أن تُدفن تحت الماء. فالسيادة، في جوهرها الحديث، ليست ملكية عقارية للأرض، بل تعبير عن حق جماعة بشرية في تنظيم وجودها السياسي والتمتع بالمساواة مع غيرها.
إن الدولة التي تفقد أرضها بسبب ارتفاع البحر لا تصبح بلا تاريخ، ولا بلا شعب، ولا بلا حقوق. وربما تكون هذه اللحظة اختباراً لقدرة القانون الدولي على الانتقال من حماية الخرائط إلى حماية الإنسان الذي يمنح الخرائط معناها. فإذا ظل القانون أسيراً لتعريفات صيغت لعالم مستقر جغرافياً، فقد يجد نفسه عاجزاً أمام عالم تتغير فيه السواحل والجزر والحدود.
وفي النهاية، فإن قضية «الدولة بلا أرض» ليست قصة جزر بعيدة، بل سؤال عن مستقبل النظام الدولي كله. إنها تكشف أن السيادة قد تحتاج في القرن الحادي والعشرين إلى تعريف أكثر إنسانية ومرونة، وأن بقاء الدولة ينبغي ألا يرتبط حصراً ببقاء اليابسة تحت أقدام مواطنيها. قد يستطيع البحر أن يغمر البيوت والطرقات، لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة محو الشعوب من سجل القانون الدولي.
وربما تكون القاعدة التي يحتاجها المستقبل بسيطة في عبارتها وعميقة في معناها: إذا كان تغير المناخ قادراً على إزالة الأرض، فعلى القانون الدولي أن يضمن ألا يزيل معها الدولة. فالوطن ليس مجرد مساحة تقاس بالكيلومترات، وإنما ذاكرة وإرادة وحق في الاستمرار؛ وحين تعجز الجغرافيا عن حماية هذا الحق، يبدأ دور القانون.