الاستاذ الدكتور
چيا عبد الكريم رشيد
لم تعد الحقيقة في النظام الدولي المعاصر مجرد قيمة أخلاقية أو معرفية يمكن الاختلاف حول تفسيرها، بل أصبحت عنصراً من عناصر الأمن والاستقرار. فالدولة التي تفقد قدرتها على حماية مجالها المعلوماتي لا تتعرض فقط لتشويه صورتها، وإنما قد تفقد تدريجياً قدرة مؤسساتها ومجتمعها على التمييز بين الواقع المصنوع والواقع الحقيقي. ومن هنا نشأ أحد أخطر التحولات في مفهوم القوة: لم يعد ضرورياً أن تعبر الجيوش الحدود كي تتعرض دولة لضرر بالغ؛ فقد تكفي رواية مصممة بعناية، مدعومة بخوارزميات قادرة على الانتشار، لكي تُحدث اضطراباً اجتماعياً أو أزمة دبلوماسية أو خوفاً جماعياً أو انقساماً سياسياً واسعاً.
التضليل الرقمي ليس الكذب التقليدي بعد أن ارتدى ثوب التكنولوجيا، بل هو بنية أكثر تعقيداً تقوم على إنتاج معلومات زائفة أو مضللة، وتوجيهها إلى جمهور محدد، ثم تضخيمها بواسطة المنصات والشبكات الآلية والذكاء الاصطناعي حتى تبدو وكأنها تعبير طبيعي عن الرأي العام. والخطورة هنا أن الإنسان لا يواجه خبراً كاذباً منفرداً، بل قد يواجه بيئة معلوماتية كاملة صُممت لتغيير إدراكه للواقع. وعندما يصبح الإدراك نفسه هدفاً للصراع، نكون أمام انتقال من الحرب على الأرض إلى الحرب على الوعي.
لقد قام القانون الدولي التقليدي على تنظيم أفعال يمكن تحديدها نسبياً: استخدام القوة، الاحتلال، الحصار، الاعتداء على الحدود، التدخل في الشؤون الداخلية، أو الإضرار بالمصالح المحمية دولياً. أما التضليل الرقمي فيتحرك في مساحة رمادية؛ فهو قد يكون بالغ التأثير من دون أن يطلق رصاصة واحدة، وقد ينطلق من خارج الحدود من دون أن يكون من السهل إثبات الجهة التي تقف خلفه. وهنا تظهر المشكلة المركزية: كيف يستطيع القانون أن يتعامل مع فعل لا تكون خطورته في مادته، وإنما في الأثر التراكمي الذي يحدثه في وعي ملايين الأشخاص؟
إن مفهوم السلم والأمن الدوليين نفسه يحتاج إلى قراءة تتناسب مع هذا التحول. فالسلم ليس مجرد غياب الحرب المسلحة، وإنما وجود حد أدنى من الاستقرار يسمح للدول والمجتمعات بممارسة وظائفها الطبيعية. فإذا استطاعت حملة تضليل منظمة أن تثير صدامات اجتماعية، أو تفجر توتراً بين دولتين، أو تدفع الجمهور إلى الاعتقاد بوجود عدوان لم يقع، فإن أثرها قد يقترب من آثار بعض أدوات القوة التقليدية. وقد تصبح المعلومة المفبركة شرارة لأزمة حقيقية، وبذلك تتحول الكلمة الرقمية من وسيلة للتعبير إلى أداة قادرة على إنتاج نتائج مادية.
وهنا تبرز مفارقة فلسفية عميقة: القانون اعتاد أن يحمي الإنسان من الاعتداء على جسده وماله وحريته، لكنه أصبح مطالباً اليوم بالتفكير في حماية المجال الذي تتشكل فيه قناعات الإنسان ذاتها. فإذا تعرض الوعي لعملية منظمة من الخداع والتوجيه، فهل يظل الأمر شأناً إعلامياً محضاً، أم يصبح مسألة حقوقية وأمنية؟ إن حرية تكوين الرأي تفترض أن الإنسان يتعامل مع فضاء لا يجري تسميمه عمداً على نطاق واسع. ولذلك فإن حماية الحقيقة لا تعني فرض حقيقة رسمية، بل حماية الشروط التي تسمح للإنسان بالوصول إلى المعلومات والتحقق منها واتخاذ موقفه بحرية.
لكن هذا المسار يحمل خطراً مقابلاً. فمكافحة التضليل قد تتحول، إذا أسيء استخدامها، إلى ذريعة للرقابة وإسكات المعارضة والصحافة والآراء المخالفة. ولهذا يجب أن يظل القانون الدولي حذراً من تحويل مفهوم فضفاض مثل «المعلومات الكاذبة» إلى سلاح في يد السلطات. فليس كل خطأ تضليلاً، وليس كل رأي مخالف تهديداً أمنياً، وليس كل سردية غير رسمية عملاً عدائياً. التمييز ينبغي أن يقوم على عناصر مثل القصد، والتنظيم، والنطاق، والوسائل المستخدمة، وصلته بجهة أجنبية، والضرر المتوقع أو المتحقق.
وتتضاعف المشكلة مع الذكاء الاصطناعي التوليدي. فالصورة والصوت والفيديو لم تعد تحمل القوة الإثباتية النفسية التي كانت تتمتع بها سابقاً. يستطيع التزييف العميق أن ينسب إلى رئيس دولة تصريحاً لم يقله، أو يصنع مشهداً عسكرياً لم يقع، أو يخلق دليلاً بصرياً يبدو مقنعاً لجمهور واسع. وفي لحظة أزمة دولية، قد تكون الساعات الأولى كافية لتغيير المزاج العام أو دفع الأسواق إلى الاضطراب أو التأثير في قرارات أمنية حساسة قبل ظهور الحقيقة.
وهذا يقود إلى مفهوم يمكن وصفه بـ«الأمن المعرفي للدولة». فكما تحمي الدولة حدودها ومياهها وأجواءها وبنيتها التحتية، أصبحت بحاجة إلى حماية البيئة التي يحصل من خلالها مواطنوها ومؤسساتها على المعرفة. ولا تعني الحماية إغلاق الفضاء المعلوماتي، بل بناء القدرة على كشف التلاعب، وتعزيز الإعلام المهني، ونشر التربية الرقمية، وتطوير آليات التحقق والاستجابة السريعة.
ومن زاوية المسؤولية الدولية، تصبح مسألة الإسناد من أعقد القضايا. فإذا قامت أجهزة دولة بصورة مباشرة بإدارة حملة تضليل موجهة إلى دولة أخرى، فقد يصبح من الممكن مناقشة المسؤولية الدولية وفق القواعد العامة لإسناد السلوك إلى الدولة. لكن الواقع أكثر تعقيداً عندما تُستخدم شركات خاصة أو مؤثرون أو شبكات حسابات غير رسمية أو جماعات تعمل بعلاقات غامضة مع أجهزة رسمية. هنا تتحول صعوبة الإثبات إلى جزء من استراتيجية الفاعل؛ فهو يريد التأثير مع الاحتفاظ بمسافة قانونية تسمح بالإنكار.
وتزداد خطورة التضليل عندما يستهدف الانتخابات أو المؤسسات الدستورية أو العلاقات بين مكونات المجتمع. فالسيادة لم تعد تعني فقط منع القوات الأجنبية من دخول الإقليم، بل تشمل أيضاً قدرة المجتمع على تكوين إرادته السياسية من دون تدخل خارجي قسري أو خفي. وإذا كان مبدأ عدم التدخل يحمي المجال الذي تحتفظ فيه الدولة بحرية القرار، فإن التلاعب المنظم بالإرادة السياسية يثير سؤالاً مهماً حول الحدود التي يتحول عندها التأثير الإعلامي إلى تدخل غير مشروع.
غير أن مجرد التأثير في الرأي العام لا يمكن أن يكون محظوراً في ذاته، لأن العلاقات الدولية قائمة أيضاً على الإقناع والدبلوماسية العامة والإعلام العابر للحدود. الفارق الجوهري يكمن في طبيعة الوسيلة والهدف. هناك فرق بين دولة تعرض موقفها بصورة معلنة، وبين عملية سرية تنتحل هويات محلية وتستخدم حسابات زائفة ومحتوى مصطنعاً لإيهام مجتمع بأن رسالة خارجية هي موقف داخلي تلقائي. الشفافية هنا تصبح فاصلاً مهماً بين الإقناع المشروع والتلاعب الخفي.
كما يثير التضليل الرقمي أسئلة متصلة بالقانون الدولي الإنساني. ففي النزاعات المسلحة، كانت الدعاية والخداع جزءاً من تاريخ الحروب، لكن البيئة الرقمية تمنحها قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى المدنيين. ويمكن للمعلومات الكاذبة أن تدفع السكان إلى التحرك نحو مناطق خطرة، أو أن تنشر معلومات مضللة عن ممرات إنسانية، أو تحرض على العنف ضد جماعات معينة. وعندما ترتبط المعلومة بنتيجة تمس الحياة والسلامة، لا يعود النظر إليها بوصفها مجرد خطاب كافياً لفهم خطورتها القانونية.
ومن أخطر الصور أيضاً توظيف التضليل للتحريض على الكراهية والعنف الجماعي. فالتاريخ يبين أن الجرائم الكبرى كثيراً ما تسبقها عملية لغوية تنزع الإنسانية عن الضحايا. وفي العصر الرقمي تستطيع الخوارزميات أن تضخم هذا الخطاب بسرعة هائلة. ولذلك فإن مسؤولية المنصات والشركات التكنولوجية أصبحت جزءاً من النقاش القانوني الدولي، حتى وإن بقيت هذه الشركات في الأصل كيانات خاصة لا تخضع لقواعد مسؤولية الدول بالطريقة نفسها.
هذه الشركات تمتلك اليوم سلطة لم تكن مألوفة في البناء التقليدي للعلاقات الدولية. فهي تضع قواعد الانتشار، وتقرر إزالة المحتوى أو إبقاءه، وتملك بيانات هائلة عن السلوك البشري، ويمكن لخوارزمياتها أن تجعل رواية هامشية ظاهرة عالمية خلال ساعات. ومن ثم فإن النظام القانوني الدولي الذي صُمم أساساً حول الدولة يجد نفسه أمام مراكز قوة خاصة ذات تأثير عابر للحدود. وهذا يستدعي تطوير نماذج للمساءلة لا تعفي الدولة من مسؤولياتها ولا تترك الشركات في فراغ معياري.
إن بناء اتفاق دولي شامل لمواجهة التضليل يبدو مغرياً، لكنه بالغ الصعوبة. فالاختلاف بين الأنظمة السياسية حول حرية التعبير واسع، وتعريف الحقيقة الرسمية قد يفتح باباً للاستبداد. لذلك قد يكون الأجدى بناء قواعد أكثر تحديداً تركز على السلوك لا على مضمون الرأي: حظر انتحال الهوية المؤسسية بصورة ضارة، تعزيز شفافية المحتوى المصطنع، الكشف عن الحملات المنسقة الممولة من جهات أجنبية، حماية العمليات الانتخابية، وتطوير التعاون في التحقق من الوقائع خلال الأزمات.
ويجب أن تقوم أي منظومة قانونية على مبدأ التناسب. فمواجهة التضليل لا تبرر قطع الإنترنت عن مجتمع كامل، ولا المراقبة الشاملة، ولا تجريم النقد. الدولة الديمقراطية لا تحمي نفسها من الكذب بإلغاء الحرية، لأن ذلك يعني أن التضليل حقق هدفه الأعمق: دفع المجتمع إلى التخلي عن القيم التي يدعي الدفاع عنها. لذلك فإن المعادلة الأكثر نضجاً هي زيادة قدرة الحقيقة على المنافسة، لا منح السلطة احتكاراً للحقيقة.
ومن الناحية الاستراتيجية، يصبح بناء الثقة العامة أحد أهم خطوط الدفاع. فالمجتمع الذي يثق بمؤسساته وبإعلامه المهني أقل قابلية للاختراق من مجتمع تآكلت فيه الثقة. ومن ثم فإن مقاومة التضليل تبدأ قبل وصول الرسالة المضللة، عبر الشفافية والمساءلة والتعليم والإعلام الحر. الأمن المعلوماتي ليس جداراً إلكترونياً فقط، بل علاقة ثقة بين المواطن والدولة وبين المجتمع ومصادر المعرفة.
وتبرز هنا فكرة «الردع المعرفي». الردع التقليدي يقوم على إقناع الخصم بأن تكلفة الاعتداء ستكون مرتفعة. أما الردع المعرفي فيقوم على جعل عمليات التضليل قليلة الجدوى: سرعة كشفها، إعلان مصادرها، تحصين الجمهور ضدها، وتنسيق الاستجابة الدولية. فإذا علم الفاعل أن الحملة ستُكشف سريعاً ولن تحقق الأثر المطلوب، تقل جاذبية استخدامها.
إن أخطر ما يفعله التضليل ليس أنه يجعل الإنسان يصدق كذبة محددة، بل أنه قد يدفعه إلى الاعتقاد بأن الحقيقة نفسها غير موجودة. ففي بيئة تمتلئ بالروايات المتناقضة والمحتوى المصطنع، قد يصل الفرد إلى مرحلة لا يثق فيها بأي شيء. وهذه الحالة أخطر من تصديق خبر زائف، لأنها تدمر الأساس الذي يقوم عليه النقاش العام. حين تصبح كل الوقائع موضع شك، يصبح صاحب القوة أقدر على فرض روايته لأن المجتمع فقد المعايير المشتركة للحكم عليها.
وهنا يظهر معنى «اغتيال الحقيقة». فالاغتيال لا يعني دائماً إحلال كذبة واحدة محل حقيقة واحدة، وإنما قد يعني قتل الثقة بإمكان الوصول إلى الحقيقة أصلاً. وحين يحدث ذلك على مستوى العلاقات الدولية، تصبح إدارة الأزمات أكثر خطورة؛ لأن الدول والشعوب قد تتخذ قراراتها على أساس تصورات متعارضة لا يجمعها حد أدنى من الوقائع المشتركة.
لهذا ينبغي النظر إلى حماية البيئة المعلوماتية بوصفها جزءاً من الوقاية من النزاعات. فالمعلومة الدقيقة في لحظة الأزمة قد تنقذ أرواحاً، بينما يمكن للمعلومة المصطنعة أن تحول حادثاً محدوداً إلى مواجهة واسعة. ويمكن للأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية ومؤسسات المجتمع المدني أن تؤدي دوراً أكبر في بناء آليات تحقق مستقلة وسريعة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بمعلومات قد تؤثر في السلم والأمن.
وفي المستقبل قد يحتاج القانون الدولي إلى الاعتراف بصورة أوضح بمفهوم «سلامة المجال المعلوماتي» من دون تحويله إلى ذريعة لتقييد التدفق الحر للأفكار. والمقصود ليس إنشاء فضاء خالٍ من الخطأ، فهذا مستحيل، وإنما حماية المجتمعات من العمليات المنظمة التي تستغل التكنولوجيا بصورة خفية لإحداث ضرر جسيم أو تقويض الإرادة السياسية أو التحريض على العنف.
إن الصراع حول الحقيقة سيظل جزءاً من السياسة الدولية، لكن التكنولوجيا غيرت حجمه وسرعته وأدواته. وإذا كان القرن العشرون قد دفع القانون الدولي إلى تطوير قواعد لمواجهة الحرب الشاملة والأسلحة ذات القدرة التدميرية الكبرى، فإن القرن الحادي والعشرين يدفعه إلى التفكير في سلاح أكثر هدوءاً: القدرة على إعادة تشكيل ما يعتقده البشر أنه واقع.
وفي النهاية، لا يمكن للقانون أن يضمن أن يقول الجميع الحقيقة، ولا ينبغي له أن يحاول فرض تفسير واحد للعالم. لكنه يستطيع أن يرسم حدوداً بين النقاش والتلاعب، وبين الإقناع والتدخل، وبين الخطأ البشري والحملة المنظمة، وبين حرية التعبير واستخدام الخداع لإحداث ضرر دولي جسيم. وهذه الحدود ستكون من أصعب حدود القانون الدولي في العقود المقبلة.
إن السلم العالمي لا يحتاج فقط إلى حدود لا تعبرها الجيوش، بل إلى عقول لا تستولي عليها الأكاذيب المنظمة. فحين تصبح الحقيقة نفسها ساحة للصراع، يصبح الدفاع عنها دفاعاً عن إمكان الحوار وعن حرية القرار وعن الحد الأدنى من الواقع المشترك الذي تحتاج إليه الدول كي تتعايش. وربما تكون إحدى أهم مهمات القانون الدولي القادم ألا يقرر للإنسان ما الذي يجب أن يصدقه، بل أن يحمي حقه في ألا يُصنع له واقع زائف ثم يُطلب منه أن يعيش داخله.