الأنفال: هوية كوردستان بين إرادة الوجود ومنطق العدم

د. إبراهيم الشرفاني*

مقدمة

ليست الأنفال مجرد مأساةٍ تستعاد في الذاكرة، بل سؤالٌ يتجاوز التاريخ إلى الفلسفة: كيف يصمد الوجود حين يواجه منطق العدم؟

لقد استهدفت الأنفال الإنسان في جسده وهويته وأرضه وكرامته وذاكرته وحقه في الوجود. غير أن محاولات المحو لا تنتصر دائمًا؛ فقد يتحول الألم إلى ذاكرة، والذاكرة إلى وعي، والوعي إلى إرادةٍ تصنع المستقبل.

ومن هنا، فإن الوفاء للضحايا لا يعني إبقاء المأساة أسيرة الألم، بل تحويلها إلى مسؤولية أخلاقية وتاريخية: حماية الإنسان، وصون الكرامة، وترسيخ الحرية، ومنع تكرار الجريمة.

فالعدم قد يهدم الجسد، لكنه لا ينتصر ما دامت الذاكرة قادرةً على تحويل الوجود إلى معنى.

أولًا: الأنفال ومعنى الهوية

الهوية ليست اسمًا أو انتماءً عابرًا، بل وعيٌ بالذات، وذاكرةٌ جماعية، وامتدادٌ تاريخي، وعلاقةٌ بالمكان. لذلك لا يمكن محوها باقتلاع الإنسان أو تغيير أسماء الأماكن؛ لأن جذورها أعمق من مظاهرها المادية.

وفي هذا السياق، يختزل الشعار الكوردي «یان کوردستان یان نەمان» إرادةً رمزية في مواجهة العدم: إرادة الحفاظ على الذات والذاكرة والانتماء، ورفض التحول إلى وجودٍ منزوع الجذور.

إن بقاء الهوية بعد المأساة ليس مجرد استمرارٍ للماضي، بل فعلٌ من أفعال الوجود؛ إذ تتحول الذاكرة إلى وعيٍ تاريخي قادر على صناعة الحاضر واستشراف المستقبل.

ثانيًا: الأنفال ومغزى الحرية

الحرية ليست منحةً من السلطة، بل شرطٌ للوجود الإنساني وركنٌ للكرامة. فالإنسان يكون حرًا حين يمتلك إرادته، ويحافظ على هويته، ويختار مصيره دون خوف.

ولهذا تكتسب كلمات الجواهري:

«قلبي لكردستان يُهدى والفمُ
ولقد يجودُ بأصغريهِ المُعدمُ»

دلالةً تتجاوز التضحية الفردية إلى التعبير عن إرادةٍ ترفض الاستسلام.

فالأنفال تضعنا أمام السؤال الأقصى للحرية: ماذا يحدث حين تتحول السلطة إلى وسيلةٍ لنفي الإنسان؟ والجواب أن القوة قد تقمع الجسد، لكنها لا تستطيع وحدها إلغاء الإرادة؛ فالوعي والذاكرة والكرامة قادرةٌ على إعادة بناء معنى الحرية.

ثالثًا: الأنفال والأرض بوصفها ذاكرة

الأرض ليست جغرافيا فحسب، بل ذاكرةٌ ومكانٌ للانتماء وجذرٌ للوجود التاريخي. لذلك فإن اقتلاع الإنسان منها يمثل محاولةً لقطع صلته بماضيه وذاكرته.

ويمنح الجواهري الجبل معنىً يتجاوز الجغرافيا حين يقول:

«سلّمْ على الجبل الأشم وعنده
من “أبجديات” الضحايا معجمُ»

فالجبل يصبح رمزًا للثبات، كما تصبح الأرض حافظةً للذاكرة.

ومن ثم، فإن حماية المكان ليست دفاعًا عن جغرافيا صامتة، بل عن علاقة الإنسان بتاريخه وذاكرته وهويته.

رابعًا: الأنفال والوحدة الوطنية

الوحدة لا تعني إلغاء الاختلاف، بل إدارة التنوع ضمن مصيرٍ مشترك ومواطنةٍ متساوية وسيادةٍ للقانون.

وتختزل الحكمة الكوردية:

«ئەگەر کورد یەک بن دەولەتن، ئەگەر یەک نەبن دەولەت ژی بن دەولەت نینن.»

فكرةً جوهرية: قوة المجتمع لا تكمن في التشابه، بل في قدرته على بناء إرادةٍ مشتركة.

لقد أثبتت الأنفال أن استهداف جزءٍ من المجتمع لا يبقى محصورًا في ضحاياه، بل يصيب الذاكرة الجماعية والنسيج الوطني. لذلك تصبح الوحدة الوطنية، القائمة على العدالة والمشاركة والمواطنة، شرطًا لمنع إعادة إنتاج المأساة.

خامسًا: الأنفال والاعتراف بالآخر

لا يمكن بناء مستقبلٍ مستقر بمنطق إلغاء الآخر. فالاعتراف بالتعدد ليس ضعفًا، بل شرطٌ للحياة المشتركة.

وتجسد الصورة الشعرية:

«أصابعُ كفِّ المرءِ في العدِّ خمسةٌ
ولكنَّها في مقبضِ السيفِ واحدُ»

فكرة أن التعدد يمكن أن يتحول إلى قوة حين يجتمع حول إرادةٍ مشتركة.

ومن هنا ينبغي الانتقال من «نحن أو هم» إلى «نحن معًا»؛ ومن الإقصاء إلى الشراكة، ومن الهيمنة إلى التعايش، ومن القوة إلى القانون والعدالة.

فالهوية الواثقة لا تحتاج إلى إلغاء الآخر كي تثبت ذاتها، بل تزداد قوةً حين تعترف بالتنوع وتحوله إلى مصدرٍ للتكامل.

خاتمة

الأنفال ليست صفحةً مغلقة في التاريخ، بل ذاكرةٌ مفتوحة على المستقبل. إنها تذكّرنا بأن الهوية لا تُمحى، والحرية لا تُختزل، والكرامة لا تسقط، والحقوق لا تتقادم.

والوفاء للضحايا لا يكون بإدامة الألم، بل بتحويل الذاكرة إلى وعي، والمأساة إلى مسؤولية، والتاريخ إلى قوةٍ أخلاقية لبناء مستقبلٍ يقوم على العدالة والحرية والمواطنة وسيادة القانون واحترام التنوع.

لقد أراد منطق العدم أن يجعل الأنفال نهايةً، لكنها تحولت إلى بدايةٍ جديدة للوعي والذاكرة وإرادة الحياة.

وهنا تكمن المفارقة الفلسفية الكبرى: قد ينتصر الموت على الجسد، لكنه لا ينتصر على المعنى؛ وقد تُهدم المدن، لكن لا تُهدم هويةٌ تسكن الذاكرة.

وكما قال الجواهري:

«شعبٌ دعائمه الجماجمُ والدمُ
تتحطمُ الدنيا ولا يتحطّمُ!»

كوردستان:
هويةٌ خالدة، أرضٌ شاهدة، كرامةٌ باقية، وحقٌّ لا يتقادم.

*عضو برلمان إقليم كوردستان

قد يعجبك ايضا