نظام (دينار كارد) ومستقبل الاقتصاد العراقي: هل يؤدي حذف الأصفار إلى إنعاش الاقتصاد أم يتسبب في تضخم نفسي بالأسواق؟
الحقوقي رنج باراوي
في أعقاب التغييرات السياسية الكبرى عام 2003 وانهيار البنى التحتية للاقتصاد العراقي، تعرض نظام الدخل والعملة الوطنية لانقطاع جذري. وفي تلك المرحلة الحساسة، ولغرض سد الفراغ المالي والحفاظ على حيوية دورة السوق، أصدر الحاكم المدني للعراق آنذاك (بول بريمر) عبر سلطة الائتلاف المؤقتة قراراً بطبع عملة جديدة للدينار العراقي عُرفت بـ ‘عملة بريمر’. وقد طُبع هذا الدينار الجديد في مطابع دولية، ولأول مرة جرى تداوله في الأسواق مع نهاية عام 2003 ليحل محل العملة السويسريّة القديمة والعملات المحلية المطبوعة محلياً.
وعلى الرغم من أن تلك العملة استطاعت الحفاظ على حجم المعاملات لأكثر من عقدين، إلا أن التضخم طويل الأجل، واختلال التوازنات الاقتصادية، والانفجار في حجم الكتلة النقدية (التي وصلت إلى مستويات قياسية تتجاوز مئة تريليون دينار، يُتداول معظمها خارج النظام المصرفي وفي منازل المواطنين) أدت إلى تقلص القيمة التغطوية للعملة، وباتت تتطلب أعداداً هائلة من الأصفار لأبسط عمليات البيع والشراء. وفي اقتصاديات العصر وسياساته النقدية الحديثة، يُعرف إجراء حذف الأصفار من العملة بـ (إعادة اصطناع العملة أو إعادة الهيكلة – Redenomination)، ويهدف إلى تغيير قيمتها الاسمية (Nominal Value) دون المساس بجوهر قيمتها الحقيقية (Real Value) أو القوة الشرائية للمواطن في الأساس.
بطبيعة الحال، لا يمكن لأي خطوة استراتيجية من هذا القبيل أن تتم بمعزل عن الأطر الدستورية والقانونية. فمن الناحية الدستورية، حددت المادة (110) من الدستور العراقي لعام 2005 الصلاحيات الحصرية للحكومة الاتحادية، والتي تشمل حماية العملة، والسياسة النقدية، وتنظيم الشؤون المصرفية.
أما من الناحية القانونية الخاصة، فتعتمد العملية كلياً على قانون البنك المركزي العراقي رقم (56) لسنة 2004، سيما المادة (36) التي تمنح البنك المركزي صلاحيات كاملة لطبع الإصدارات، وإصدارها، وسحب العملة من الأسواق، جنباً إلى جنب مع قانون الموازنة العامة، والتعليمات المالية لوزارة المالية العراقية، وقرارات مجلس الوزراء بالتنسيق مع البرلمان العراقي لإصدار تشريعات خاصة بالمشروع.
من الناحية السياسية والإدارية، يُعد إحياء هذا المشروع استجابة ضرورية للسيطرة على الكتلة النقدية العشوائية وتقليل الاعتماد المفرط على النقد (الكاش) خارج القطاع المصرفي. وتسعى الحكومة من خلال هذا الإجراء إلى توفير أرضية لكشف مصادر الأموال غير المشروعة، وتعزيز الرقابة الحديثة، ومنع عمليات التهريب وغسيل الأموال، وهو ما يُمثل ركيزة أساسية للأمن الاقتصادي الوطني.
لذا، فإن حذف الأصفار يُعد إجراءً فنياً وإدارياً لتسهيل الحسابات، وتقليص حجم الأرقام في المعادلات المحاسبية، والموازنة العامة، والفواتير التجارية. وفي فلسفة الاقتصاد العراقي، سيؤدي هذا التغيير إلى انتقال نوعي من نظام متعب يعتمد كلياً على النقد إلى نظام مصرفي منظم، تنخفض فيه التكاليف الباهظة لطبع ونقل وخزن كميات هائلة من الأموال.
تتطلب الإجراءات الدستورية والقانونية والمصرفية لتغيير العملة أن يقوم مجلس الوزراء والبنك المركزي بتحضير المشروع بتناغم تام، ثم عرضه للتصويت في البرلمان لإصدار قانون الخاص به. ومصرفياً، تتمثل الخطوات في تأسيس شبكة واسعة للتبادل عبر جميع المصارف الرسمية المعتمدة لاستبدال العملة القديمة بالجديدة مجاناً ضمن فترة زمنية مححددة.
وتمر العملية عبر عدة مراحل دقيقة وحاسمة لتصبح العملة الرسمية للبلاد:
– المرحلة الأولى: القرار السياسي والإصدار التشريعي من قِبل البرلمان والبنك المركزي.
– المرحلة الثانية: الإعلان عن تصاميم العملات الجديدة وبدء حملة التوعية العامة.
– المرحلة الثالثة: فترة الاستبدال التي تتداول فيها العملتان القديمة والجديدة معاً في الأسواق لتمكين المواطنين من استبدال أموالهم.
– المرحلة الرابعة: انتهاء المدة القانونية للعملة القديمة وفقدانها الكامل لقيمتها في السوق.
ستتحول الفئات النقدية الجديدة إلى أجزاء دقيقة ومنظمة. ومع ذلك، ستتم إعادة الفلوس المعدنية والعملات الصغيرة إلى الأسواق للحفاظ على استقرار أسعار السلع والخدمات الدقيقة، وحل مشكلة إرجاع المتبقي (الباقي) في المعاملات اليومية. هذا الإجراء بحد ذاته لا ينعش الاقتصاد فوراً، لكنه يجعل بيئة المعاملات التجارية والحسابات السريعة أكثر مرونة.
لا يؤدي حذف الأصفار بشكل مباشر إلى زيادة القوة الشرائية (Purchasing Power) بمجرده. ويتحقق الاستقرار الحقيقي عندما يقترن هذا الإجراء بإصلاحات جذرية تتمثل في زيادة الناتج المحلي الإجمالي (GDP)، والسيطرة على التضخم، وتثبيت سعر الصرف، لا الاكتفاء بتغيير الأشكال السطحية للأرقام على أوراق النقد.
ومن جهة أخرى، تبرز مخاوف ‘التضخم النفسي’ واحتكار السلع (بقاء الأصفار الكبيرة كعبء محاسبي يرهق النظام المصرفي). وهناك تخوف من قيام بعض التجار بخلق تضخم نفسي ورفع الأسعار؛ وعليه، يتوجب على الحكومة فرض إجراءات رقابية صارمة لضمان ألا يؤدي استبدال العملة إلى الإضرار بالقوة الشرائية للمواطنين، ولتبقى السلع محتفظة بقيمتها الحقيقية.
يجب أن تستند العملية إلى المواد القانونية الناظمة لعمل البنك المركزي، ولا سيما المادة (36) من قانون البنك المركزي العراقي رقم (56) لسنة 2004، شريطة إقرارها بمشروع قانون عبر البرلمان العراقي، ووضع آليات تنفيذية لها من قِبل مجلس الوزراء لتنفيذها ضمن إطار آمن.
– على المدى القصير: سيتراجع الدخل الفردي رقمياً مع بقاء قيمته الحقيقية (على سبيل المثال: يتحول الراتب البالغ 1,000,000 دينار قديم إلى 1,000 دينار جديد، ولكن يمكن شراء نفس السلع به).
– على المدى الطويل: إذا أسفر هذا الإجراء عن القضاء على الفساد والهدر، سيشهد الدخل القومي نمواً حديثاً، ويصبح الاقتصاد الوطني أكثر شفافية ونظافة.
تُعدل مدخرات ورواتب المواطنين بنسبة التغيير ذاتها دون أي نقصان، مع الحفاظ الكامل على القوة الشرائية. أما الأسعار والضرائب والرسوم فستُعلن في السوق بتوازنات جديدة وأرقام أصغر، مما يسهل على المواطن إدراك القيمة الحقيقية للسلع وينظم عملية الادخار لدى العوائل.
نظام العملة الرقمية والبطاقة الوطنية: (دينار كارد)
يعمل البنك المركزي العراقي عبر بنية تحتية حديثة للمدفوعات على رقمنة الاقتصاد، وفي هذا السياق تم اعتماد (دينار كارد) (Dinar Card) كبطاقة وطنية رقمية وبلاستيكية رسمية تُصدر عبر منصات حديثة. تعتمد هذه البطاقة على تكنولوجيا الاتصال الحديثة (NFC) والمدفوعات السريعة، بهدف دعم التوجه الوطني نحو تقليل النقد، وتسهيل المعاملات الإلكترونية عبر أجهزة نقاط البيع (POS) والشراء عبر الإنترنت، إلى جانب العمل على منصة للخدمات المالية الإلكترونية تنظم المعاملات أسوة بالبطاقات الدولية.
إن تعزيز الثقة الدولية بالعملة الوطنية وانخفاض حجم النقد التالف سيوفران بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار الخاص؛ إذ ستدار المعاملات التجارية الكبرى بطرق حديثة وواضحة محاسبياً، مما يحمي القطاع الخاص من مخاطر وفرة النقد ويسرع وتيرة النمو الاقتصادي.
يتحتم على البنك المركزي، ووزارة المالية، والمؤسسات الإعلامية إطلاق حملة توعوية واسعة لتعريف المواطنين بآلية استبدال أموالهم في المصارف الرسمية خلال المدة المحددة، وحمايتهم من الوقوع فريسة للشائعات الخاطئة أو الأسواق السوداء.
وعبر فرض إجراءات مالية ومصرفية وقانونية صارمة استناداً إلى قوانين مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب (AML/CFT)، سيتم اشتراط الكشف عن مصادر الأموال وإدخالها ضمن النظام المصرفي الرسمي لإتمام أي عملية استبدال لمبالغ ضخمة، وبذلك يُمنع غسيل الأموال غير القانونية أو استبدال العملات المزيفة بالعملة الجديدة.
يتمتع الاقتصاد العراقي بحجم كبير من التبادل الخارجي والتجارة الحدودية. لذا، فإن طبع العملة الجديدة وتصميمها بأحدث التقنيات العالمية (كالهولوگرام، والحبر المتغير وفق زاوية الإضاءة، والعلامة المائية الخاصة في أعرق مطابع العالم) سيعزز مكانة سيادة الدولة في الأسواق المالية الدولية ويضع حداً صارماً لتزوير العملة.
في الوقت الحالي، ينفق البنك المركزي العراقي مبالغ طائلة سنوياً على طباعة ونقل (عبر سيارات مصفحة) وخزن الأوراق النقدية القديمة بسبب تضخم الكتلة النقدية. وبحذف الأصفار، ستنخفض التكاليف اللوجستية للبنك المركزي بشكل ملحوظ، ليتم توجيه هذا الوفر المالي نحو تطوير البنى التحتية للاقتصاد.
الرؤية الختامية تتمثل في أن نجاح هذه الخطوة الكبرى في العراق لا يرتبط حصراً بحذف الأصفار فحسب، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتحقيق الاستقرار السياسي، وتعزيز قطاع الإنتاج المحلي، وحماية الاستقلال التام للبنك المركزي من التدخلات السياسية، وذلك للعبور بالاقتصاد الوطني نحو بر الأمان والازدهار.
الباحث الاقتصادي والحقوقي: رەنج باراوی
المصادر الرسمية والدستورية والقانونية:
1. الدستور العراقي لعام 2005: المادة (110)، الخاصة بالصلاحيات الحصرية للحكومة الاتحادية في حماية العملة، وإصدار النقود، وتنظيم السياسة النقدية والشؤون المصرفية.
2. قانون البنك المركزي العراقي: قانون رقم (56) لسنة 2004، لاسيما المادة (36) التي تمنح البنك المركزي صلاحيات مطلقة في إصدار وطبع وتحديد هيكل العملة وسحب العملة القديمة من التداول.
3. قوانين الموازنة العامة وتعديلاتها: قانون الموازنة العامة الاتحادية رقم (13) لسنة 2023 (موازنة السنوات الثلاث 2023، 2024 و2025) المنشور في الجريدة الرسمية (الوقائع العراقية، العدد 4726 في حزيران 2023)، وقوانين التعديل وجداول الموازنة المعتمدة من البرلمان ومجلس الوزراء في الأعوام اللاحقة.
4. قوانين مكافحة الجرائم الاقتصادية: قانون مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، إلى جانب التعليمات الرسمية للبنك المركزي ووزارة المالية العراقية ضمن إطار إجراءات (AML/CFT).
5. المصادر التاريخية والوثائق الرسمية: أرشيف وبرامج البنك المركزي العراقي المتعلقة بمرحلة إصدار العملة المعرُوفة بـ ‘عملة بريمر’ أواخر عام 2003 لسد الفراغ النقدي إثر التغييرات السياسية في ذلك العام.