العراق..مئة وخمس سنوات من المخاض..ولا دولة.

 

    انس الشيخ مظهر

الشعوب عادة تبني دولها بشكل تراكمي جيلا بعد جيل . كل يضيف لبنة فوق ما بناه من سبقه، حتى تقوم مؤسسات راسخة تحمي المواطن وتفرض القانون على الجميع بلا استثناء. لكن من يقرأ تاريخ العراق السياسي منذ تأسيسه سنة 1921 وحتى اليوم، يكتشف قصة مختلفة تماماً… كل مرة يظن فيها العراقيون أنهم على مشارف بناء دولة ، يجدون أنفسهم أمام حكم جديد يكرر فشل من سبقه، المختلف فيه هو الادوات فقط . مائة وخمس سنوات مرت، ولم يتحول هذا التركيب السياسي الى دولة حقيقية لمواطنيها.

لفهم اسباب هذا الفشل لا بد من المرور على المحطات الكبرى التي ادت الى حالات الاجهاض المتكررة لهذا الوليد ….

1- العهد الملكي ( 1921-1958)..دولة ولدت بعيوب خلقية

للعهد الملكي حسنات لا يمكن إنكارها , فهو من وضع أول هياكل الدولة الإدارية والدبلوماسية. لكنه في الوقت نفسه زرع بذور الفشل الذي سيلاحق العراق لعقود.

فبدلا من أن يبني النظام الملكي شرعيته اعتمادا على المواطن العادي، بناها على تحالف مع كبار ملاك الأراضي وشيوخ العشائر، مقابل سيطرتهم المطلقة على الريف والفلاحين. فكانت النتيجة فجوة اجتماعية وطبقية عميقة، وضياع لحقوق الفلاحين البسطاء لصالح الإقطاعين  في ظل صمت مطبق للدولة.

في الجانب الاخر , بقي القرار السياسي مكبلاً بمعاهدات غير متكافئة مع بريطانيا، توّجها حلف بغداد، الأمر الذي جعل الشارع العراقي ينظر إلى الملكية بانها امتداد لإرادة أجنبية لا وطنية.

أما المكونان الكردي والشيعي، فقد عومِلا بحذر دائم وتهميش متكرر، فيما كان الرد الجاهز على أي احتجاج شعبي هو القمع الأمني دون اي حوار سياسي. هكذا كانت ولادة العراق الحديث دون عقد اجتماعي لمكوناته.

2- العهد القاسمي (1958-1963) ثورة ضحت بالدستور من  اجل الزعيم

أطاحت ثورة 1958 بالعهد الملكي ، وحملت معها أملاً في التغيير , لكن بدل أن تُبنى جمهورية ديمقراطية حقيقية، جرى إجهاض اي امل في ترسيخ مفاهيم الدستور والحياة البرلمانية اللذين كانا فد بدا يتشكلان.

فأُلغيت الأحزاب والانتخابات، وحل محلها حكم الفرد الواحد تحت شعار “الزعيم الأوحد” , وتحول الشارع العراقي إلى ساحة صراع دموي بين الحركات السياسية الموجودة ، وشاعت ثقافة التصفية الجسدية والانتقام الميداني . وفي كوردستان تحولت الخلافات مع الثورة الكردية إلى حرب مفتوحة، ليصبح السلاح هو لغة الحوار الوحيدة بين بغداد وكوردستان بدل طاولة المفاوضات.

3- عهد صدام حسين – حينما سخرت الدولة للحاكم

في هذه المرحلة، بلغ إلغاء الفرق بين الوطن والحزب والحاكم ذروته. فلم تعد هناك “دولة” بالمعنى المتعارف عليه للكلمة , كل شيء “الجيش , الاقتصاد ، الإعلام، حتى المدارس” أصبح أداة في خدمة السلطة الحاكمة.

واستُنزفت ثروات العراق البشرية والنفطية في حروب عبثية مدمرة “الحرب مع الكورد ,الحرب مع إيران، ثم غزو الكويت” كلها جرت على البلاد عزلة دولية وحصاراً اقتصادياً خانقاً أنهك المجتمع بأكمله. وفي الداخل، لم تعد المواطنة تعني شيئاً أمام الولاء للحزب والعشيرة، بينما تعرض المعارضين لأبشع أشكال القمع خاصة مع الكورد والشيعة . جروح تلك الحقبة لم تندمل بعد، وتركت في وعي المواطن صورة راسخة عن الأجهزة الأمنية كأداة بطش لا حماية.

 

4- ما بعد 2003 – زمن الانفلات

سقط النظام السابق، لكن “الدولة الوطنية” التي انتظرها العراقيون لم تولد. فبدلا من الاستبداد الفردي،جاء الاستبداد المكوناتي الجمعي..وبدلا من الدكتاتورية الفردية جاءت دكتاتورية الاغلبية . وتم التعامل مع الوزارات والمناصب السيادية كانها مغانم بين الاحزاب المتنفذة لا كمسؤوليات لخدمة المواطن .

وفي هذا الفراغ المؤسسي الجديد، لم يعد القرار مرتهناً لسلطة أجنبية واحدة كما في السابق، بل صار مفتوحاً لصراعات إقليمية مختلفة، حيث اصبحت السياسة والأمن العراقيان يداران وفق أجندات خارجية متعددة. فتحول العراق إلى ساحة لحروب بالوكالة، وبرز “السلاح الموازي” للفصائل والمليشيات التي باتت تملك من القوة ما يفوق الجيش والدولة نفسها، واصبحت هي من تقرر متى تكون الحرب ومتى يكون السلم.

الجذور العميقة ..ست عاهات بنوية صنعت هذا الفشل المتكرر

خلف هذا التسلسل التاريخي الطويل من الإخفاقات، تكمن ست مشكلات بنيوية عميقة، منعت العراق من أن يتحول إلى “دولة مواطنة” حقيقية:

1. عقدة الملف الكردي التي لم تُحل أبداً

كل الأنظمة المتعاقبة اختارت طريق الإخضاع العسكري بدل الشراكة الدستورية الحقيقية مع كوردستان ، فاستُنزفت موارد البلاد في نزاع دائم حول السيادة والموازنة والنفط، لم يجد حلاً جذرياً حتى اليوم.

2. الفجوة بين المركز والأطراف

احتكرت بغداد القرار السياسي والمالي، بينما استُنزفت ثروات المحافظات المنتجة دون أن تحصل على تنمية حقيقية تُذكر، فتولّد شعور دائم بالغبن لدى سكان الأطراف تجاه العاصمة.

3. محو الذاكرة بدل البناء عليها

كل سلطة جديدة كانت تبدأ كانت تمحو إرث من سبقها وتخون رجالاتها ، بدلا من الاستفادة من خبراتهم , فكانت النتيجة عراق بلا جهاز إداري مستقل، وبلا تراكم حقيقي من الكفاءات والخبرات الإدارية.

4. غياب العدالة وصعود الحماية الفئوية

حين عجزت الدولة والقضاء عن حماية المواطن العادي، لجأ الناس إلى العشيرة أو الحزب أو الطائفة او القومية طلباً للحق والحماية، فتقوّت الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.

5. اقتصاد الريع الذي قتل روح الإنتاج

اعتمدت الحكومات المتعاقبة على عائدات النفط لشراء السلم الاجتماعي عبر الوظائف الحكومية السهلة، فتراجعت الزراعة والصناعة، وتلاشى تدريجياً مفهوم الدولة المنتجة القادرة على الاكتفاء بنفسها.

6. قرار محتجز بين السلاح الموازي والنفوذ الخارجي

تغوّل نفوذ الفصائل المسلحة وتغليب الأجندات الخارجية على المصلحة الوطنية، أفرغا هيبة القانون من مضمونها، وجعلا القرار الوطني رهينة بيد جهات لا تخضع لمحاسبة الشعب.

 

الحقيقة المرة التي تختصر هذه المسيرة الطويلة هي ان كل من تعاقب على حكم بغداد لم يأتِ لبناء دولة، بل جاء ليقتسم غنيمة. الملوك، ثم الضباط، ثم الأحزاب الشمولية، وأخيراً أمراء المحاصصة الطائفية، جميعهم تعاملوا مع العراق كمغنم حصري تُسخَّر له الأيديولوجيات والأجندات الخارجية، بينما يُقمع أبناؤه وتُصادر تطلعاتهم كلما طالبوا بالشراكة الحقيقية والحق الدستوري.

الرهان على تدوير الوجوه الفاسدة نفسها بعد الالفين وثلاثة، وتجميل صورة “الدولة التوافقية” القائمة، محض وهم لا يُغيّر شيئاً في الجوهر. لا خروج لهذا الكيان من مأزقه التاريخي عبر تسويات مهينة أو انتظار حلول تُستجدى من عواصم القرار الإقليمي. أمام العراق اليوم طريقان لا ثالث لهما…إما قطع جذور هذا الإرث الشمولي فوراً ، وتحرير القرار الوطني من الارتهان للخارج، وحصر السلاح بيد المؤسسة العسكرية وحدها، وبناء شراكة حقيقية بين كل المكونات , وإما الانتظار في صمت لصدمة قادمة، تجرف ما تبقى من هيكل هذه “اللادولة” وتذروه في غياهب التاريخ.

                                                      

قد يعجبك ايضا