إشراقة الرسالة وخلود القيم: القرآن والأنبياء كركيزة للتعايش الإنساني العالمي

 

فينوس بابان

تأتي ذكرى المولد النبوي الشريف لتضع العالم مسلمين وغير مسلمين أمام لحظة تأمل عميقة في طبيعة الرسالة التي خُتمت بها النبوّات وتتجلى تجلياتها الكبرى في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، إن قيمة هذه المناسبة المباركة في العصر الحديث لا تكمن فقط في استذكار السيرة الذاتية والأحداث التاريخية بل في استخراج القيم الجامعة التي أرسلتها السماء لتكون جسراً يصل الشرق بالغرب ويؤطر العلاقة بين جميع بني البشر على أساس الكرامة، المودة، والمواطنة المتساوية.

إضاءة أسماء الأنبياء في القرآن.. إقرار إلهي بالتعددية والوحدة الإنسانية

 

من أعمق الملامح التي تميز النص القرآني هو أنه لم يُكتب ليلغي ما قبله من الرسالات بل جاء مصدقاً ومكملاً، لقد أضاء القرآن الكريم أسماء الأنبياء والمرسلين من مختلف الأقوام والأزمنة—من إبراهيم وموسى وعيسى إلى نوح وهود وصالح وجعل الإيمان بهم جميعاً شرطاً أساسياً لا يكتمل إيمان المسلم إلا به:

﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 136].

إن هذا التكريم القرآني الشامل لأعمدة الفكر الديني والإنساني في العالم يمثل إعلاناً إلهياً بحرمة جميع الأديان ووجوب احترام أتباعها، حين يُعلم القرآن أتباعه أن أنبياء الشرق والغرب هم سلسلة واحدة من النور الإلهي، فإن ذلك يؤسس لمفهوم المواطنة الكونية التي تمنع صدام الحضارات وتدعو إلى حوار الأديان القائم على الاحترام المتبادل وليس الإلغاء.

المرجعيات الأخلاقية ووثيقة المدينة.. التأسيس التاريخي للمواطنة والأخوة الإنسانية

إن الرسالة النبوية منذ بدايتها أسست لقيم السمو الأخلاقي وعالمية الخطاب الإنساني. ففي مختلف مراحل السيرة النبوية والخطابات الموجهة للبشرية، تجلى النداء العالمي الخالد: “يا أيها الناس”، ليرسي مبادئ كبرى:

إلغاء التمايز العرقي والقومي.. إرساء مبدأ أن الناس سواسية كأسنان المشط، وأن الإنسانية والتقوى هما المعيار الوحيد للمفاضلة.

حرمة الدماء والأموال والأمانات.. جعل كرامة الإنسان وحقه في الحياة مقدساً، والتوصية بأداء الحقوق والرفق بالضعفاء.

ولم تكن هذه المبادئ مجرد شعارات بل امتدت جذورها في التطبيق العملي، بدءاً من إشادة النبي (ص) بـ حلف الفضول، الذي قام على نصرة المظلوم وإغاثة الملهوف بغض النظر عن دينه أو قبيلته (حين قال: لو أُدعى به في الإسلام لأجبت، مروراً بـ وثيقة المدينة، والعهود النبوية مع أتباع الديانات السماوية حيث أُسس لأول مفهوم مدني للمواطنة وحماية حرية العبادة والمقدسات، إن استحضار هذه الأصول التاريخية اليوم هو المدخل الأساسي لبناء أخوة إنسانية شاملة تجسر الفجوة بين الشرق والغرب وتؤكد أن الأديان وجِدت لتكون أداة تواصل وسلام عالمي لا ساحة لصدام الحضارات.

دور الخطباء والمنابر الدينية.. التوجيه نحو السلم والسلام

ولكي لا تبقى هذه المبادئ نصوصاً نظرية، يبرز الدور المحوري للمؤسسات الدينية والخطباء في المساجد، إن المنبر الديني يمتلك قوة تأثيرية مباشرة في صياغة الوعي الجمعي وتتأكد مسؤولية خطباء المساجد اليوم في:

ترسيخ خطاب السلم والمودة.. إشاعة ثقافة التعايش وحسن الجوار، والتأكيد الدائم على أن حماية أرواح وأعراض ومقدسات غير المسلمين هي التزام شرعي وأخلاقي أصيل.

 

تفكيك لغة الإقصاء وترسيخ الدولة الوطنية.. الابتعاد عن السجالات الطائفية أو الشحن العاطفي واستبدالها بلغة المواطنة المتساوية والتسامح عبر الترويج لمفهوم الدولة الوطنية الجامعة كحاضنة تتسع لجميع المكونات دون تمييز، بما يقطع الطريق أمام الخطابات الفئوية ومساعي التغيير الديموغرافي التي تهدد السلم الأهلي.

إبراز الرحمة كجوهر للدين.. تقديم الإسلام كما أراده الله رسالة أمان ورحمة للعالمين ترفض الكراهية وتدعو إلى الحوار بالتي هي أحسن.

إقليم كوردستان.. أنموذج تطبيقي رفيع للإنسانية والتعايش

عند نقل هذه المفاهيم من الإطار الفكري والتاريخي إلى الواقع الميداني، يقدم إقليم كوردستان تجربة حية وساطعة في العيش المشترك وإدارة التنوع:

واحة التعددية الدينية والقومية.. يحتضن الإقليم في نسيجه الاجتماعي المسلمين، المسيحيين، الإيزيديين، الكاكائيين والزرادشتيين، إلى جانب الكورد، العرب، التركمان والآشوريين، في ظل بيئة كفلت حرية العبادة وصانت الدور العبادية والمقدسات للجميع.

ملاذ آمن للإنسانية.. أثبت الإقليم قيماً إنسانية أصيلة عندما فتح أبوابه لمئات الآلاف من النازحين والمهجرين قسراً من مختلف الطوائف والمحافظات خلال الأزمات، متجاوزاً الانتماءات الضيقة ليكون مأمناً لكل إنسان.

التأسيس المؤسسي والقيادي للمواطنة.. لم تكن هذه التجربة وليدة المصادفة، بل جاءت ثمرة إرادة سياسية ورؤية حكيمة للقيادة الكوردستانية التي جعلت من ثقافة التسامح والتنوع خياراً استراتيجياً وحائط صد ضد التطرف، وهو ما أُطّر ببنية تشريعية ومؤسسية ضامنة يُتوجها قانون حماية حقوق المكونات رقم 5 لسنة 205، الذي رسّخ الحماية القانونية للحقوق الدينية والثقافية والإدارية لكافة المكونات وضمن تمثيلهم وحريتهم، ليتحول الإقليم إلى نموذج يُحتذى به في المنطقة ككل لكيفية تسخير التنوع ليكون مصدر قوة واستقرار بدلاً من أن يكون سبباً للانقسام.

إن ذكرى المولد النبوي الشريف ليست مجرد طقس احتفالي عابر بل هي محطة استراتيجية لاستعادة بوصلة الإنساني، إن النور الذي أضاء به القرآن أسماء أنبياء الله جميعاً هو ذاته النور الذي يجب أن يُضيء عقول دعاة الفكر والخطباء اليوم لنؤكد للعالم أن الرسالات السماوية جاءت لتجمع البشر على قاعدة العدل والكرامة وأن تجارب التعايش الناجحة كما في إقليم كوردستان تثبت أن احترام الآخر هو الطريق الوحيد لبناء مستقبل يسوده السلام والاستقرار بين الشرق والغرب.

 

قد يعجبك ايضا