سمير السوره ميري
لم تكن اللسانيات يومًا مجرد مقاطع صوتية تنبعث من أحرف ذات مخارج متباينة، ولا هي فيما نحسب وليدة هواء يمر عابرًا بالأوتار الصوتية في الحنجرة، فحين يتولد صوت الحروف، ثم يندمج مع الآخر لينسج كلمةً يفهمها المُرسل ويعيها المتلقي، فإنما يتشكل من ذلك عالمٌ لم يبنى على الصدفة، بل نظام باطنٍ سبق النطق نفسه.
فأصوات الحروف لم تجتمع في كلماتٍ اعتباطًا، وإنما جاءت محمّلةً بإيحاءاتٍ تكشف عن ماهيتها الإدراكية، وقبل أن تصطدم التيارات الهوائية المنبعثة من مخارج الحروف بالأوتار الصوتية في الحنجرة، تكون الحروف قد أدّت فعلها الكامن في عمق بُنية الكلمة، فهي بنيةٌ مركبة، يتداخل فيها الصوت بالإدراك والفيزيائي بالذهني، والتجربة الحسية بالوعي الخالص، وهكذا تهذّبت الكلمات على ألسنة البشر عبر أحقاب طويلة، وسبقتها الحروف التي كانت مقام الكلمات بزمن أطول، حتى اتقنتها الحنجرة وضبطتها بتوجيهٍ من العقل الذي لا يكلّ.
ثم أخذت الكلمات تؤدي وظائفها في الحوار، منطلقة من إيحاءات حرفية داخلية تُشكل البنية الأساسية لصوت الحرف، أدركها الوعي الذاتي قبل أن يدركها السمع، ومن رحم هذا التفاعل نشأت الألسنة وتطورت، واتسعت أبعادها الصوتية ووظائفها، متأثرة بيبئاتها ومواقعها الجغرافية التي احتضنت نشأتها الأولى.
وقد أشار الخالق سبحانه إلى هذا البعد الإيحائي العميق في محكم تنزيله: (( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى )) النجم- 4،3، فكأن لكل حرف إيحاءً خاصًا يحمل معنى فعليًا يسهم في تشكيل الدلالة، وهو ما يشتغل عليه اللسان في تعبيراته كافة، ومن هنا يتحقق ذلك التناغم البديع بين الكلمة وآلية الحروف الإدراكية، تناغم يمنح اللسان وعياً فعليًا بمعانيها، لا وعيًا مستعارًا من خارجه.
ويمكن أن نلمس هذه الديناميكية حيةً نابضةً في تحليل بعض الألفاظ كنموذج، في الفعل الماضي ( ذهب )، يصاحب الذال عند النطق أحساس بالحركة والإنطلاق من موضع اللسان، بينما يوحي الهاء بدفع هوائي يندفع إلى خارج الفم، وتمنح الباء بعد ذلك شعورا بالإستقرار، كأنها ختامٌ يوقف الحركة عند غايتها، وفي الفعل المضارع ( يذهب )، تمثل الياء حركة إبتداءٍ وإنطلاق، حاضرةً متجددة، أما في صيغة الأمر ( اذهب )، فيحمل إحساس الألف معنى السدّ والإغلاق، وكأنه إصرارٌ حازمٌ ينفث الفعل لا محالة، وفي كلمة ( تعال ) تحمل التاء إيحاءً بالسحب إلى الفم، وتوحي العين بالعمق الداخلي، وتمتد الألف إمتدادًا صوتيًا إلى غور الجوف، ثم تأتي اللام لتوحي بالالتصاق والإستقرار، فتكتمل الصورة الصوتية لدعوةٍ تجمع بين الجذب والقرب.
وعلى هذا النحو يمكن أن ننظر إلى كثير من الكلمات الأساسية الأولى، فنجد الحروف تحمل في بنيتها تمثيلا إدراكيا اسهم في إستيعاب المعنى، وربما استثنينا من ذلك بعض الألفاظ الجامدة أوالطارئة، ومن هنا يمكن القول إن الحروف مارست فعلها الإدراكي قبل أن تتحول إلى ألفاظ منطوقة، ولم تأتِ في تكوينها اعتباطًا، بل حملت في ذروتها بذرة المعنى قبل أن تُنطق.
وهكذا نشأت اللغات عبر مراحلها الطويلة منذ فجر الإنسان، الذي احتاج إليها في حياته الاجتماعية، حتى اكتملت أنظمتها وتكونت قواعدها، في مسيرتها الصوتية الحافلة، وتظل اللغة على امتداد هذا المسار، كيانًا حيًا نابضًا، صوت يُدرك وإدراك يتجسد، ومعنى يتشكّل من رحم الحرف قبل أن يبلغ اللسان.