أزمة التصعيد التركي الإسرائيلي وخيارات إسرائيل في التعامل مع الملف السوري…. تحليل استراتيجي

عبداللطيف محمدأمين موسى

إن الفهم السياسي لبنية منطق الصراع المتمثل في أزمة التصعيد بين إسرائيل وتركيا، وكذلك جملة التطورات والمستجدات الدراماتيكية، والأحداث المتسارعة؛ تضع المتتبع للشأن الدولي العام والإقليمي أمام جملة من التساؤلات عن المدى الذي يُمكن من خلاله أن يمتد الصراع، وتأثيره على الأمن الاستراتيجي للمنطقة ككل، وكما أن المقارنة الواقعية المستندة إلى جملة من التحليلات الاستراتيجية المتعلقة بالأمن القومي الإقليمي؛ تقودنا إلى ضرورة فهم بنية منطق الصراع الإقليمي المستند إلى واقع الأحداث، لذا أن التشخيص السليم لجوهر التصعيد الإسرائيلي والإيراني والتركي يمكن خلاله الملاحظة بأن نتنياهو أنتج الوعي الإسرائيلي بأن إيران تشكل تهديد وجودي ضد دولة إسرائيل، فيما يتعلق بتركيا هنالك تقديرات استراتيجية إسرائيلية واضحة بأن تركيا هي دولة قوية عسكرياً، ودولة قوية اقتصادياً، ودولة ذات تأثير إقليمي، ودولة في حلف الناتو، وذات نفوذ إقليمي واسع من أجل أن تحاصر إسرائيل. بالمعنى أن إيران جربت أن تحاصر إسرائيل عسكرياً في لبنان وغزة وسوريا والعراق، ولكن تركيا حصارها لإسرائيل استراتيجي واعمق بكثير وأذكى بكثير، وبالتالي إسرائيل لديها القدرة للتعامل بذكاء مع هذه التطورات من خلال جملة من الأمور في الملف السوري اذا ما اشتد صراعها مع تركيا بشأن الملف السوري واللجوء إلى وضع الخطط والأستراتيجيات لتحجيم النفوذ التركي في سوريا أو اضرارها إلى أتخاذ خيارات مؤثرة في مستقبل سلطة دمشق الحالية من خلال جملة أمور؛ أهمها السعي إلى استعمال ورقة الاقليات في سوريا ضد تركيا للضغط على النفوذ العسكري التركي، وكذلك العمل على إنشاء وتأهيل كيان موازي للسلطة في سوريا بالاستفادة من التعثر في أداء سلطة دمشق من خلال عدم قدرتها على استكمال أو الاستجابة المطلوبة في كيفية الإدارة الواقعية لملف الإنتقال السياسي في سوريا، وكذلك السعي إلى عرقلة التعافي الاقتصادي، وعرقلة الاستثمار والدعم الخارجي في سوريا، وكذلك العمل على ابتزاز ومقايضة الدول الإقليمية والعالمية التي تعمل على دعم إعادة تأهيل السلطة في دمشق، وكذلك سعيها إلى تعذية ثقافة الخوف من المستقبل المجهول في سوريا، والسعي إلى إنتاج ثقافة الخوف من التطرف والاسلام السياسي في حكم سوريا؛ عبر سوق مخاوف داخلية في الاستثمار والترويج لإعادة ارتكاب مجازر طائفية شبيها بإحداث الساحل والسويداء أو مجازر وأحداث قومية شبيهة بإحداث الكرد في سوريا، وكذلك العمل على أحداث خلخلة في البنية الطبقة أو القواعد الاجتماعية في سوريا من خلال الاستفادة من الموروث البعثي في هدم الطبقة الاجتماعية، وتفكيك التعايش والتسامح، واستغلال السلطة الشمولية في الوضع المتشكل، ودعم زيادة التصور في استفراد سلطة دمشق بالقرار. أن إسرائيل بمقدورها إنتاج ثقافة التهميش والإقصاء لدى المكونات السورية في ظل إصرار سلطة دمشق على الحكومة الضيقة وذات اللون الواحد والصبغة الواحدة بدفعها الشعب السوري نحو الشعور بالمظلومية والحرمان، واستغلال الإنفتاح البطيء من قبل السلطة على المكونات السورية، واعتمادها على أدوات وظيفية لا تمثل جوهر القواعد الثقافية والاجتماعية والسياسية للشعب السورية في المشاركة الحقيقية لبناء سورية الحديثة الديمقراطية التعددية. لعل التوظيف الإسرائيلي في الاستفادة من غياب التعددية السياسية والفراغ الدستوري السياسي، من الأمور التي يعمل فيها صانع القرار أو المخطط الاستراتيجي في كبرى دوائر القرار الإسرائيلي على وضع استراتيجيات للاستثمار السياسي في سوريا، بسبب غياب الوعي السياسي السوري بالتعامل مع المسائل الاستراتيجية السياسية في الحوكمة، ونظام التشاركية الديمقراطية، وكذلك الاستفادة من استمرارية تأثير ثقافة البعث على الحالة السياسية السورية؛ هذه الثقافة التي استمرت لعقود من الزمن. إذ ليس من السهولة التخلص منها في ظل غياب أو الافتقار إلى البنية التحتية من البرامج والمناهج، وأساليب إعادة التأهيل والتربية، والتعامل مع هذه الظواهر في إنتاج وعي مكتمل للتخلص من هذه الظاهرة، بالتالي هذه سيؤدي إلى سهولة قدرة التغلغل الإسرائيلي في مراكز الحياة السياسية، والتأثير في صناعة القرار الجيواستراتيجي السوري. أن قدرة مدى التغلغل الأمني الإسرائيلي في كافة المراكز ومؤسسات الأمن السوري، لايجب أن يكون بالأمر الذي أن تغفل عنه السلطة في دمشق من خلال العديد من الأمور؛ أولها الخبرة الواسعة والكبيرة والنجاح الباهر الذي قامت السلطات الاستخباراتية الإسرائيلية في التغلغل، واختراقها لكبرى وأهم المؤوسسات، ومفاصل الدولة، والحكم والقرار والنفوذ في المنطقة، ولاسيما تجربة صراعها مع إيران والتصفية الشبه دقيقة لقادتها، ومستوى الاختراق في إيران ،ونظام بشار المخلوع، وحزب الله، والكثير من الدول والتنظيمات المسلحة الدولية والإقليمية، ولعل عامل القرب الجغرافي يتيح لإسرائيل فرص نجاح أكبر في سوريا، وكذلك سعي المؤوسسات الأمنية الإسرائيلية أستغلال الحالة المعيشية والفقر لدى المواطن السوري البسيط، وكذلك استغلالها للثغرات الأمنية من خلال عدم اكتمال السيطرة السورية الكاملة على أراضيها،والكثير من الأمور الأخرى، وكذلك إسرائيل بمقدورها إعادة إنتاج الإستفادة من ورقة الإرهاب في سوريا، والعمل على دعم وإنتاج جماعات وفصائل خارجية وداخلية للتحرك في سوريا، وكذلك قدرتها على التعامل مع الملف السوري بوسائل أخرى في ظل تطور الصراع الإقليمي بين إسرائيل وتركيا. في المحصلة يمكن القول، بأن إسرائيل تملك الكثير من الخيارات وأدوات التأثير على الداخل السوري، والقرار الاستراتيجي السوري، وصناعة النفوذ في ظل صراعها الإقليمي مع تركيا، وكما أنها تملك الكثير من البدائل في الاستثمار والتأثير في المصالح التركية من خلال سوريا. بالتالي السلطة في دمشق مطالبة بإبعاد سوريا والشعب السوري عن الصراعات الإقليمية والدولية، والعمل على منع ارتهان
القرار الاستراتيجي السوري في المساومة على السيادة السورية عبر تفويت الفرصة لخضوع سوريا إلى أنظمة ودول إقليمة جديدة؛ مثلما كانت سوريا بقرارها السيادي والاستراتيجي مرتهن لإيران في عهد النظام المخلوع.

قد يعجبك ايضا