لكم حلال ولنا حرام؟ تدوير المناصب في كركوك وازدواجية المعايير في ديالى وصلاح الدين

عرفان الداوودي

إن الحديث عن تدوير منصب محافظ كركوك بين مكونات المحافظة، وتقديمه بوصفه وسيلة لضمان التمثيل العادل وتعزيز الثقة بين المكونات، يمثل من حيث المبدأ طرحاً يمكن مناقشته سياسياً وقانونياً، إذا كان هدفه تحقيق الشراكة والتوازن ومنع احتكار السلطة المحلية من مكوّن واحد.

لكن السؤال المشروع الذي يطرح نفسه هنا: إذا كان تدوير منصب المحافظ يحقق تمثيلاً عادلاً في كركوك، فلماذا لا يُنظر إلى المبدأ نفسه في محافظتي ديالى وصلاح الدين؟

فالكورد مكوّن أصيل وأساسي في العراق، ولهم حضور تاريخي وجغرافي واجتماعي وسياسي واضح في عدد من المحافظات، ومن بينها ديالى وصلاح الدين. وإذا كانت قاعدة تدوير المناصب تُطرح باعتبارها وسيلة لتحقيق التوازن والشراكة بين المكونات، فمن غير المنطقي أن تكون هذه القاعدة مقبولة عندما تخدم مكوّناً، ثم تصبح مرفوضة عندما يطالب بها مكوّن آخر.

لقد فتحت استقالة محافظ كركوك ريبوار طه الباب أمام انتقال المنصب إلى مكوّن آخر، الأمر الذي أعاد طرح فكرة التوافق والشراكة وتدوير المناصب على أساس التمثيل السياسي والمجتمعي. وهذا بحد ذاته تطور يمكن أن يسهم في بناء الثقة بين مكونات المحافظة، شرط أن يكون محكوماً بالدستور والقانون والاتفاقات السياسية الواضحة، وليس بالمحاصصة الضيقة أو فرض إرادة طرف على حساب طرف آخر.

ومن هنا، فإن السؤال ليس ضد التركمان ولا ضد أي مكوّن آخر، بل هو سؤال عن مبدأ العدالة السياسية: هل القاعدة واحدة على الجميع أم أن هناك معياراً مزدوجاً؟

إذا كان تدوير منصب المحافظ في كركوك يمكن تنظيمه من خلال تشريع أو قرار قانوني يضمن تمثيل المكونات، فلماذا لا يتم بحث الآلية ذاتها في ديالى وصلاح الدين، حيث توجد مكونات قومية واجتماعية متعددة، وحيث يطالب الكورد أيضاً بأن يكون لهم حق المشاركة الحقيقية في إدارة المحافظتين؟

إن العدالة لا تتجزأ، والشراكة لا ينبغي أن تكون انتقائية. فإذا كان الهدف هو ترسيخ التعايش السلمي وتمثيل المكونات، فالأجدر أن يتحول ذلك إلى قاعدة عامة قابلة للتطبيق على جميع المحافظات التي تتسم بتعدد المكونات، وفق ضوابط دستورية وقانونية واضحة، وبما يحفظ حقوق الجميع.

ولا يعني هذا أن منصب المحافظ يجب أن يكون حقاً حصرياً لأي قومية أو مذهب، بل يعني أن اختيار المحافظ وإدارة السلطة المحلية يجب أن يستندا إلى الدستور والقانون والكفاءة والتوافق الحقيقي والتمثيل العادل، بعيداً عن سياسة الكيل بمكيالين.

إن ما يطالب به الكورد في ديالى وصلاح الدين ليس امتيازاً خاصاً، وإنما هو تطبيق لمبدأ يُطرح اليوم في كركوك باعتباره وسيلة لتعزيز الثقة بين المكونات. وإذا كان هذا المبدأ صحيحاً في كركوك، فمن حقنا أن نسأل بصراحة:

هل ما هو حلال لكم يصبح حراماً علينا؟
وهل التمثيل العادل يكون صحيحاً عندما يخدم طرفاً، وغير عادل عندما يطالب به الكورد؟

المطلوب ليس إقصاء أي مكوّن، بل بناء صيغة عادلة يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء حقيقيون في إدارة محافظاتهم. وإذا كانت تجربة تدوير منصب المحافظ في كركوك ستُبنى على أساس قانوني يضمن مشاركة المكونات، فإن من حق أبناء ديالى وصلاح الدين أن يطالبوا بدراسة التجربة وتطبيق مبدأها وفق ظروف كل محافظة.

العدالة السياسية الحقيقية لا تُقاس بمن يستفيد منها، وإنما بمدى تطبيقها على الجميع. وما نطالب به للكورد نطالب به لكل المكونات، وما نقبله لأنفسنا يجب أن نقبله للآخرين.

فالعراق لا يُبنى بمنطق «إلكم حلال ولنا حرام»، وإنما بمنطق دولة القانون، والشراكة، والمواطنة، والتمثيل العادل لجميع المكونات دون تمييز أو ازدواجية في المعايير.
وعليه، وإذا كان مبدأ تدوير منصب المحافظ يُطرح في كركوك باعتباره وسيلة لضمان التمثيل العادل وتعزيز الشراكة بين المكونات، فإن من باب الإنصاف والمنطق السياسي أن تُفتح المراجعة نفسها في ديالى وصلاح الدين.

ومن هذا المنطلق، ندعو محافظي ديالى وصلاح الدين إلى التعامل مع هذا الطرح بروح المسؤولية الوطنية، وفتح الباب أمام صيغة سياسية وقانونية تضمن تدوير منصب المحافظ وتمثيل المكونات بصورة أكثر عدالة وتوازناً، بما ينسجم مع الدستور والقوانين النافذة والتوافقات السياسية.

وإذا كان التغيير يتطلب استقالة المحافظ أو انتهاء ولايته وفق الإجراءات القانونية، فإن ذلك ينبغي أن يتم عبر المؤسسات الدستورية المختصة، وليس بفرض الأمر الواقع أو الإقصاء السياسي.

فالمطلوب ليس إقصاء مكوّن لمصلحة مكوّن آخر، ولا تحويل منصب المحافظ إلى حصة قومية أو طائفية ثابتة، وإنما اعتماد معيار واحد للجميع: الشراكة، والعدالة، والكفاءة، والتمثيل الحقيقي.

إذا كان تدوير المناصب في كركوك يُقدَّم باعتباره حلاً لتعزيز الثقة بين المكونات، فمن حق أبناء ديالى وصلاح الدين أن يطرحوا السؤال ذاته:

لماذا لا تُطبق التجربة وفق آلية قانونية عادلة في محافظات أخرى؟

إن العراق بحاجة إلى إنهاء سياسة المعايير المزدوجة؛ فما يُطرح على أنه عدالة في محافظة، يجب أن يُناقش باعتباره مبدأً عاماً في المحافظات الأخرى، مع احترام خصوصية كل محافظة وتركيبتها السكانية والدستورية.

إلكم حلال ولنا حرام؟ لا. إذا كان المبدأ عادلاً، فليكن عادلاً للجميع. وإذا كان تدوير المناصب يضمن تمثيلاً عادلاً، فليكن ذلك حقاً سياسياً وقانونياً قابلاً للنقاش أمام جميع المكونات، دون استثناء..

قد يعجبك ايضا