أحمد عزة الأعظمي… قلم في ميدان الوطن

محمد علي محيي الدين

يُعد أحمد عزة بن عبد الحميد بن طه جلبي الأعظمي (1881–1936) واحداً من الشخصيات العراقية التي جمعت بين الفكر والقانون والسياسة والصحافة، فكان نموذجاً للمثقف الوطني الذي لم يكتفِ بإنتاج المعرفة، بل جعل من قلمه وسيلة للدفاع عن القضايا العربية، ومن الصحافة منبراً للإصلاح، ومن العمل السياسي طريقاً للمشاركة في بناء الدولة العراقية الحديثة. وقد تميزت حياته بتنوع عطائه، إذ كان حقوقياً ومؤرخاً وصحفياً وشاعراً، فضلاً عن دوره البارز في الحركة الوطنية العربية خلال العقود الأولى من القرن العشرين.
وُلد في محلة الأعظمية ببغداد سنة 1881م (1299هـ)، في أسرة عُرفت بالعلم والوجاهة، ونشأ في بيئة دينية وثقافية غرست فيه حب العربية والاعتزاز بالهوية الإسلامية. حفظ القرآن الكريم في طفولته، ثم انتقل مع والده إلى مدينة الحلة، حيث كان يعمل في الوظيفة الحكومية، وهناك تلقى علومه على يد الشيخ مصطفى الواعظ، فدرس اللغة العربية والعلوم الإسلامية والأدب، وهي المعارف التي أسست لثقافته الواسعة، قبل أن يشد الرحال إلى إسطنبول لمتابعة دراسته العليا.

Screenshot

وفي العاصمة العثمانية نال شهادة الحقوق، وانفتح على التيارات الفكرية والسياسية التي كانت تعصف بالمشرق آنذاك، فامتلك رؤية تجمع بين المعرفة القانونية والوعي القومي. ولم يكن طالباً منشغلاً بالدراسة وحدها، بل أسهم في تنظيم شؤون الطلبة العرب، وعمل مع المناضل العربي عزيز علي المصري على رعاية مصالحهم وتعزيز الروابط بينهم، في وقت كانت فيه الدعوات إلى النهضة العربية تتبلور داخل أوساط المثقفين.
ومنذ سنواته الأولى في إسطنبول، أدرك أحمد عزة أن الصحافة تمثل سلاحاً فكرياً لا يقل أهمية عن العمل السياسي، فشارك مع عبد الغفور البدري وعدد من المثقفين العراقيين في إصدار مجلة «لسان العرب»، وهي مجلة علمية أدبية هدفت إلى إحياء اللغة العربية وترسيخ الوعي القومي. غير أن السلطات الاتحادية لم تتحمل خطابها الحر، فأغلقتها قبيل الحرب العالمية الأولى، وتعرض أحمد عزة للاعتقال بسبب نشاطه الفكري.
ولم تثنه تلك التجربة عن مواصلة رسالته، فانتقل إلى دمشق وأصدر سنة 1914 مجلة «المنتدى الأدبي»، لكنها لم تعش طويلاً في ظل الظروف السياسية المضطربة. ثم تعرض للاعتقال مرة أخرى في دمشق، وأُحيل إلى الديوان العرفي خلال عهد الوالي العثماني جمال باشا، المعروف في الذاكرة العربية بـ«جمال السفاح»، قبل أن يطلق سراحه. وقد شكلت هذه التجارب محطة مهمة في حياته، إذ رسخت لديه الإيمان بأن حرية الكلمة لا تنفصل عن حرية الوطن.
ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى وبدء الاحتلال البريطاني للعراق، عاد إلى بغداد، ليواصل نشاطه الوطني. ففي عام 1919 أصدر مجلة «اللسان»، التي عالجت قضايا الفكر والسياسة، وأسهم في تأسيس فرع لحزب العهد، أحد أبرز التنظيمات الوطنية التي نادت باستقلال العراق. ثم شارك سنة 1921 في تأسيس المعهد العلمي ببغداد، إيماناً منه بأن النهضة السياسية لا يمكن أن تستقيم من دون نهضة علمية وثقافية.

ولم يكن حضوره مقتصراً على ميادين الصحافة والثقافة، بل دخل الحياة البرلمانية، فانتُخب نائباً في أول مجلس نواب عراقي سنة 1922، ثم أعيد انتخابه في دورة لاحقة، مواصلاً الدفاع عن القضايا الوطنية من داخل المؤسسة التشريعية. وفي عام 1925 أصدر مجلة «المعرض»، ثم أسس سنة 1934 جريدة «الثبات»، التي حمل اسمها دلالة واضحة على فلسفته في مقاومة التحديات السياسية والفكرية، وظلت الصحافة بالنسبة إليه رسالة تتجاوز نقل الأخبار إلى تشكيل الرأي العام والدفاع عن قضايا الأمة.
وإلى جانب نشاطه السياسي والصحفي، كان أحمد عزة باحثاً ومؤرخاً ترك عدداً من المؤلفات المهمة، وفي مقدمتها كتاب «القضية العربية» في ستة أجزاء، الذي تناول فيه أبعاد المسألة العربية في سياقها التاريخي والسياسي، كما أملى على الباحث محمود فهمي درويش خلاصة تاريخ العراق منذ أقدم عصوره، فنُشرت ضمن كتاب «الدليل العراقي الرسمي» سنة 1936، لتكون من أوائل المحاولات التي قدمت عرضاً مركزاً لتاريخ العراق الحديث بلغة تجمع بين الدقة التاريخية والأسلوب الأدبي.
أما في ميدان الشعر، فقد لم يكن غزير الإنتاج، لكنه كتب قصائد عبّرت عن تعلقه العميق ببغداد، وجسدت إحساسه الوطني والوجداني. ومن أبياته المشهورة التي يفيض فيها حنينه إلى مدينته:
ألا هل ترى بغداد عيني وهل أرى رصافتها فيها السرور مصاحبي
وأمشي أجر الذيل فيها بكرخها خليَّ الجروح من سهام المصائب
وتكشف هذه الأبيات عن شاعر يختزل الوطن في صورة المدينة، ويجعل من بغداد رمزاً للذاكرة والهوية، وهو ما ينسجم مع مجمل مشروعه الفكري الذي ربط بين الثقافة والانتماء الوطني.
رحل أحمد عزة الأعظمي في بغداد يوم 22 تموز 1936 الموافق 4 جمادى الأولى 1355هـ، وشيعه جمهور كبير تقديراً لدوره الوطني والفكري، ودُفن في مقبرة الخيزران. ولم يترك أبناءً، غير أن سيرته بقيت حاضرة في ذاكرة العراق، كما بقي أثر أسرته ممتداً في الحياة العلمية والوطنية؛ فهو شقيق الشيخ عبد الرزاق أفندي، وشقيق الزعيم عبد المحسن الأعظمي، وعم الشهيد سعد الأعظمي، فيما عُرفت زوجته الحاجة نجية الأورفلي بأعمالها الخيرية وبإنشائها جامع الأورفلي في بغداد.
لقد مثّل أحمد عزة الأعظمي جيلاً من المثقفين الذين لم يفصلوا بين الفكر والعمل، فجعلوا من الصحافة مدرسة للإصلاح، ومن القانون أداة لإقامة العدل، ومن التاريخ وسيلة لحفظ الذاكرة الوطنية. ولذلك استحق أن يُذكر بوصفه أحد أعلام النهضة العراقية الحديثة، ورائداً من رواد الصحافة الوطنية والفكر القومي في العراق.
وقد استندت هذه السيرة إلى ما أورده كامل سلمان الجبوري في معجم الأدباء من العصر الجاهلي حتى سنة 2002، وإميل يعقوب في معجم الشعراء منذ بدء عصر النهضة، وكتاب هاشم مصطفى الدباغ الأعظمية والأعظميون، وكتاب وليد الأعظمي تاريخ الأعظمية، وما ورد في الدليل العراقي الرسمي لمحمود فهمي درويش، وكتاب عبد الكريم مصطفى البغدادي معجم المؤلفين العراقيين، فضلاً عن كتاب وليد الأعظمي أعيان الزمان وجيران النعمان في مقبرة الخيزران، وهي جميعها تقدم صورة متكاملة عن حياته وإسهاماته الفكرية والوطنية.

قد يعجبك ايضا