أحمد سعيد حديد… رائد الجغرافية الطبيعية وباني المدرسة الجغرافية العراقية الحديثة

محمد علي محيي الدين

حين يُستعرض تاريخ الدراسات الجغرافية في العراق خلال القرن العشرين، يبرز عدد من العلماء الذين أسهموا في تحويل الجغرافية من مادة وصفية إلى علم يقوم على التحليل والتفسير والربط بين الظواهر الطبيعية والإنسانية. ومن بين هؤلاء يحتل الأستاذ الدكتور أحمد سعيد حديد (1930-2002) مكانة متقدمة بوصفه أحد أبرز مؤسسي المدرسة العراقية في الجغرافية الطبيعية، وأحد العلماء الذين تركوا أثراً واضحاً في تطوير البحث الجغرافي الجامعي، وإعداد أجيال من الباحثين، وإثراء المكتبة العربية بالمؤلفات والترجمات المتخصصة. ولم يكن حضوره العلمي وليد مؤلفات جامعية فحسب، بل جاء نتيجة رؤية متكاملة للجغرافية بوصفها مفتاحاً لفهم الطبيعة، ومدخلاً ضرورياً لتفسير التاريخ وحركة الإنسان في المكان.

Screenshot

ينتمي أحمد سعيد حديد إلى إحدى الأسر الموصلية العريقة، وهي أسرة آل حديد التي ارتبط اسمها بتاريخ مدينة الموصل منذ مطلع القرن التاسع عشر. وقد تناول تاريخ هذه الأسرة عدد من الباحثين، منهم عماد غانم الربيعي في كتابه بيوتات موصلية، وأزهر سعد الله العبيدي في موسوعة الأسر الموصلية، وأبو الحسن علي عبد الله محمد خضر في موسوعة الأسر والعائلات الموصلية. وتجمع هذه المصادر على أن الأسرة عرفت بمكانتها العلمية والاجتماعية، وأنها أنجبت رجالاً برزوا في ميادين الأدب والطب والهندسة والرياضيات والجيش والتجارة، فضلاً عن شخصيات وطنية وقومية كان لها حضورها في الحياة العراقية الحديثة، الأمر الذي وفر بيئة ثقافية مناسبة لنشأة أحمد سعيد حديد وتكوينه العلمي.
ولد في مدينة الموصل سنة 1930، وأكمل فيها دراسته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية، قبل أن ينتقل إلى بغداد، شأن كثير من أبناء جيله، إذ لم تكن جامعة الموصل قد تأسست آنذاك. فالتحق بدار المعلمين العالية، التي أصبحت لاحقاً كلية التربية، وتخرج فيها سنة 1955 من قسم العلوم الاجتماعية، جامعاً بين دراستي التاريخ والجغرافية، وهو اقتران ترك أثره في رؤيته العلمية لاحقاً، إذ ظل يؤمن بأن فهم التاريخ لا يمكن أن يتحقق بعيداً عن إدراك البيئة الطبيعية التي جرت فيها أحداثه.
بدأ حياته العملية مدرساً في المدارس الثانوية، لكن طموحه العلمي دفعه إلى مواصلة الدراسة العليا، فابتعث إلى ألمانيا الديمقراطية، حيث التحق بجامعة لايبزك، إحدى الجامعات الأوروبية المعروفة في علوم الأرض، وحصل سنة 1962 على شهادة الدكتوراه في الجيومورفولوجيا، وهو التخصص الذي يدرس أشكال سطح الأرض والعوامل المؤثرة في تكوينها وتطورها. وقد كانت هذه المرحلة نقطة تحول في حياته العلمية، إذ عاد إلى العراق مزوداً بأحدث المناهج العلمية في الجغرافية الطبيعية، ليضع خبرته في خدمة الجامعة العراقية.

عقب عودته عُيّن تدريسياً في قسم الجغرافية بكلية التربية في جامعة بغداد، وسرعان ما أصبح أحد أعمدة القسم، لما امتاز به من كفاءة علمية ودقة منهجية. ولم يقتصر عطاؤه على التدريس، بل أسهم في الإدارة الجامعية أيضاً، فتولى بين عامي 1977 و1980 منصب مساعد رئيس جامعة بغداد، كما مارس مهام رئيس الجامعة وكالة، وأسهم في رسم عدد من السياسات الأكاديمية خلال تلك المرحلة. كذلك شغل رئاسة مؤسسة أطلس الوطن العربي التابعة لاتحاد الجامعات العربية، وهو مشروع علمي مهم استهدف توحيد الجهود العربية في مجال الخرائط والدراسات الجغرافية. وبعد سنوات من العمل داخل العراق، عمل في بعض الجامعات الأردنية، ثم عاد ليواصل نشاطه الأكاديمي أستاذاً في كلية المأمون الجامعة ببغداد.
وتكشف مؤلفاته عن مشروع علمي متكامل أكثر من كونها كتباً جامعية متفرقة، إذ سعى إلى توفير مراجع عربية حديثة في الجغرافية الطبيعية بمختلف فروعها. ومن أبرز هذه المؤلفات كتاب «النمط الجغرافي للعالم القديم»، وكتاب «علم الجيومورفولوجيا التطبيقية» الذي ألّفه بالاشتراك مع الدكتور وفيق حسين الخشاب والدكتور مهدي الصحاف، وكتاب «جغرافية الموارد الطبيعية» مع الدكتور وفيق حسين الخشاب، وكتاب «الجغرافية الطبيعية» الذي تناول الجغرافية المناخية والنباتية والظواهر الجيومورفولوجية، وطبع في دار ابن الأثير بجامعة الموصل سنة 1978. كما شارك في تأليف «الجنوب الأوسط للقارة الآسيوية»، وكتاب «المناخ المحلي»، وكتاب «جغرافية الطقس» بالاشتراك مع الدكتور إبراهيم شريف والدكتور فاضل الحسني، فضلاً عن «جغرافية الموارد المائية» وغيرها من المؤلفات التي أصبحت مراجع معتمدة لطلبة أقسام الجغرافية في الجامعات العراقية والعربية.
ولم يقتصر نشاطه على التأليف، بل كان من أوائل الجغرافيين العراقيين الذين اهتموا بالترجمة العلمية، إيماناً منه بأن النهضة الأكاديمية لا تقوم إلا بالانفتاح على الإنتاج العالمي. ومن أبرز أعماله في هذا المجال ترجمته لكتاب «أشكال سطح الأرض»، الذي تناول الجبال والسهول والهضاب والصخور والتربة والوديان، إلى جانب عناصر المناخ والطقس والموارد المائية والزلازل والبراكين والأعاصير والعوامل المؤثرة في تشكيل السواحل. وقد أسهم هذا العمل في تقريب أحدث المعارف الجغرافية إلى القارئ العربي بلغة علمية دقيقة.
وكان الدكتور أحمد سعيد حديد يرى أن الجيومورفولوجيا ليست فرعاً هامشياً من الجغرافية، بل تمثل جوهرها الحقيقي، لأنها تكشف طبيعة البيئة التي يتحرك فيها الإنسان. ومن هذا المنطلق كان يردد أن الجغرافية هي التي توجه التاريخ، وأن المؤرخ لا يستطيع تفسير الوقائع السياسية والعسكرية والاقتصادية ما لم يكن ملماً بطبيعة الأرض والمناخ والموارد. وهي رؤية تجمع بين العلوم الطبيعية والإنسانية، وتنسجم مع الاتجاهات الحديثة في الدراسات التاريخية التي تنظر إلى البيئة بوصفها عنصراً أساسياً في تشكيل مسار الحضارات.

ولذلك جاءت بحوثه العلمية متجاوزة للوصف التقليدي، لتقدم تحليلاً للعلاقات بين الظواهر الطبيعية وتأثيراتها الحضارية. ومن البحوث التي لاقت اهتماماً بحثه المنشور في المجلة التاريخية الصادرة عن جمعية المؤرخين والآثاريين العراقيين سنة 1974 بعنوان «السيول في منطقة مكة المكرمة: دراسة جغرافية في أسبابها ونتائجها»، وهو نموذج واضح لتداخل المعرفة الجغرافية مع الدراسات التاريخية والإنسانية، إذ لم يكتف بتفسير الظاهرة الطبيعية، بل درس آثارها في العمران والإنسان.
وقد وثق سيرته العلمية عدد من المراجع العراقية المهمة، منها «موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين» لحميد المطبعي، و«موسوعة أعلام الموصل في القرن العشرين» للدكتور عمر محمد الطالب، و«معجم المؤلفين العراقيين» للدكتور صباح نوري المرزوك، وهي مصادر أكدت مكانته العلمية، وإن اكتفى بعضها بإشارات موجزة لا تعكس حجم عطائه الحقيقي.
أما على المستوى الإنساني، فقد بقي في ذاكرة طلبته مثال الأستاذ الجامعي الهادئ الوقور. عرف بدماثة أخلاقه، ورجاحة عقله، وأناقة حضوره، وحرصه على التحدث باللغة العربية الفصحى داخل القاعة الدراسية وخارجها. وكانت محاضراته، رغم صعوبة موضوعاتها، تمتاز بالوضوح والتسلسل والمنهجية، فيجعل من موضوعات الجبال والأودية والعمليات الجيومورفولوجية مادة محببة إلى نفوس الطلبة، ويحول المفاهيم المجردة إلى صور ذهنية قريبة من الفهم. كما كان قريباً من طلابه، يتابع أحوالهم، ويشجعهم على البحث والاستقصاء، ويؤمن بأن الأستاذ الحقيقي هو الذي يصنع جيلاً من الباحثين لا مجرد حملة شهادات.
ولعل من السمات اللافتة في مسيرته العلمية تعاونه الوثيق مع عدد من أعلام الجغرافية العراقية، وفي مقدمتهم الأستاذ الدكتور وفيق حسين الخشاب، إذ جمعتهما شراكة علمية أثمرت عدداً من المؤلفات التي أسهمت في ترسيخ الدراسات الجغرافية الحديثة داخل الجامعات العراقية، وكانت مثالاً على العمل الأكاديمي الجماعي الذي افتقدته المؤسسات العلمية في مراحل لاحقة.
برحيل الأستاذ الدكتور أحمد سعيد حديد سنة 2002 فقدت الجغرافية العراقية واحداً من أبرز أعلامها، غير أن أثره العلمي بقي حاضراً في مؤلفاته، وفي طلبته الذين انتشروا في الجامعات العراقية والعربية، وفي المنهج الذي أسهم في ترسيخه داخل المدرسة الجغرافية العراقية المعاصرة. لقد كان واحداً من العلماء الذين أدركوا أن فهم الأرض هو الخطوة الأولى لفهم الإنسان والتاريخ، وأن الجغرافية ليست علماً للمكان وحده، بل علماً يفسر حركة الحضارة ومسيرة الأمم. ومن هنا استحق أن يُعد بحق أحد البنّائين الكبار للجغرافية العراقية الحديثة، وأن يبقى اسمه حاضراً في ذاكرة البحث العلمي، تماماً كما وثق ذلك الأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف في مقالته المنشورة في جريدة الحوار المتمدن بتاريخ 9 آب/أغسطس 2011، إلى جانب ما ورد في الموسوعات والدراسات التي أرخت لمسيرته العلمية.

قد يعجبك ايضا