محمد علي الحيدري
واشنطن
لم تعد سوريا مجرد ساحة تتقاطع فيها مصالح تركيا وإسرائيل، بل تتحول تدريجيا إلى نقطة اختبار لعلاقة دولتين تنتميان، على نحو مختلف، إلى المنظومة الأمنية الأميركية. وما جرى خلال الأيام الأخيرة من تصعيد بين أنقرة وتل أبيب يكشف أن التنافس بينهما تجاوز الخلاف على تفاصيل الوجود العسكري في سوريا، وأصبح أقرب إلى صراع على شكل النظام الإقليمي الذي سيتبلور بعد سقوط النظام السابق في دمشق.
الضربة الإسرائيلية لقاعدة أبو الظهور العسكرية في شمال سوريا، في 18 أغسطس، كانت لحظة كاشفة. إسرائيل قالت إنها تحركت لمنع تمركز عسكري تركي تعتبره تهديدا لأمنها، فيما رأت أنقرة في الضربة تصعيدا إسرائيليا خطرا. والأكثر دلالة أن واشنطن اضطرت إلى التحرك سريعا لإنشاء آلية لمنع الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل وسوريا، خشية أن يتحول حادث عسكري محدود إلى مواجهة أوسع.
المشكلة هنا ليست في قاعدة عسكرية بعينها، ولا في عدد الجنود الذين قد تتمركز بهم تركيا في شمال سوريا. جوهر المسألة أعمق بكثير: من يملك حق رسم مستقبل سوريا، ومن يملك حق تحديد حدود القوة التي يمكن لكل طرف أن يمارسها داخلها؟
بالنسبة إلى تركيا، سوريا ليست ملفا خارجيا تقليديا. إنها امتداد مباشر لأمنها القومي، ومجال حيوي يلامس حدودها الجنوبية، وميدان يسمح لأنقرة بإعادة بناء نفوذ إقليمي تضرر خلال سنوات الحرب السورية. ومنذ سقوط النظام السابق، عملت تركيا على توثيق علاقاتها مع القيادة الجديدة في دمشق، ودعم مؤسساتها العسكرية والأمنية، والمساهمة في تدريب القوات السورية وإعادة بناء قدراتها. وقد أصبح الوجود التركي في سوريا جزءا من تصور أوسع لدور أنقرة في تشكيل الدولة السورية الجديدة.
أما إسرائيل فتنظر إلى سوريا من زاوية مختلفة تماما. بالنسبة إلى تل أبيب، انهيار النفوذ الإيراني في سوريا لا يعني أن الفراغ أصبح آمنا؛ بل يعني أن قوة إقليمية أخرى تستطيع أن تملأه. ولذلك فإن صعود تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي وصاحبة الجيش الكبير والطموح الإقليمي، يفرض على إسرائيل معادلة أمنية جديدة لم تكن مضطرة إلى التعامل معها في السنوات التي كان فيها النفوذ الإيراني هو الخصم الرئيسي.
وهنا تكمن المفارقة: الحرب التي أرادت إسرائيل من خلالها تقليص نفوذ إيران في المنطقة ساهمت، بصورة غير مباشرة، في فتح المجال أمام منافس آخر أكثر قربا جغرافيا وأكبر قدرة على الحركة.
تركيا ليست إيران، وهذا فارق أساسي. لكنها أيضا ليست دولة يمكن لإسرائيل التعامل معها بالطريقة التي تعاملت بها مع الشبكات المسلحة التابعة لطهران. تركيا دولة عضو في الناتو، ولها جيش نظامي كبير، وعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، وحدود مباشرة مع سوريا، وقدرة على التأثير في السياسة السورية والاقتصاد الإقليمي. لذلك فإن محاولة احتواء النفوذ التركي بالقوة العسكرية تحمل مخاطر تختلف جذريا عن عمليات استهداف النفوذ الإيراني السابق.
وهذا يفسر لماذا تبدو واشنطن في موقف بالغ الحساسية.
فالولايات المتحدة لا تستطيع ببساطة أن تختار بين إسرائيل وتركيا. إسرائيل هي الحليف الأمني الأقرب لواشنطن في الشرق الأوسط، وتركيا عضو في الناتو وتملك موقعا استراتيجيا لا يمكن للولايات المتحدة تجاهله. وإذا تحولت سوريا إلى ساحة مواجهة مباشرة بينهما، فلن يكون السؤال عندئذ من الذي تؤيده واشنطن، بل كيف تمنع انهيار التوازن بين حليفين من حلفائها.
الأكثر إثارة للقلق أن الخلاف لم يعد محصورا في التصريحات السياسية. إسرائيل وجهت تحذيرات مباشرة إلى أنقرة بشأن توسع وجودها العسكري في سوريا، فيما حذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من أن الضربات الإسرائيلية في سوريا ولبنان باتت تمس الأمن التركي نفسه. ومع ارتفاع مستوى الخطاب، يصبح خطر سوء التقدير أكبر من خطر القرار المتعمد بالذهاب إلى الحرب.
وهنا تظهر أهمية الدور الأميركي.
واشنطن تحاول إنشاء قناة لمنع الاحتكاك العسكري، وهي خطوة تبدو للوهلة الأولى تقنية، لكنها في الحقيقة اعتراف سياسي بأن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على افتراض أن مصالح حلفائها في المنطقة متطابقة. فآليات فض الاشتباك لا تنشأ عادة بين أطراف تجمعها الثقة، وإنما بين أطراف يمكن أن تتحول عملياتها المنفصلة إلى مواجهة غير مقصودة. وقد دفعت المخاوف من التصعيد واشنطن بالفعل إلى محاولة بناء آلية اتصال بين الأطراف الثلاثة.
لكن السؤال الأصعب هو: هل تستطيع واشنطن أن تمنع الصراع من دون معالجة أسبابه؟
ذلك يبدو أكثر صعوبة.
إسرائيل تريد سوريا ضعيفة عسكريا، محدودة القدرات، وغير قادرة على استضافة قوى تعتبرها تهديدا لها. وتركيا تريد سوريا مستقرة، لكنها تريد أيضا أن تكون لها فيها قدرة أمنية وعسكرية وسياسية تسمح لها بالتأثير في مستقبلها. أما دمشق الجديدة فتريد استعادة السيادة على أراضيها وبناء جيش قادر على حماية الدولة، في وقت لا تزال فيه تعتمد على دعم خارجي لإعادة بناء مؤسساتها.
هذه الأهداف لا تتطابق.
بل إن التناقض بينها قد يصبح أكثر وضوحا كلما أصبحت سوريا أكثر استقرارا.
ففي سنوات الحرب، كان ضعف الدولة السورية يسمح لكل طرف بأن يحدد منطقة نفوذه ويبرر وجوده بالأمن ومحاربة الإرهاب. أما عندما تبدأ دمشق في بناء مؤسسات الدولة والجيش، فإن السؤال الذي سيطرح نفسه حتما هو: من سيقرر طبيعة الجيش السوري الجديد؟ ومن سيزوده بالسلاح والتدريب؟ ومن سيحدد مناطق انتشاره؟ وما حدود النفوذ التركي والإسرائيلي والأميركي في الدولة السورية؟
وهذه الأسئلة هي التي تجعل الصراع التركي – الإسرائيلي في سوريا صراعا على المستقبل، لا على الحاضر فقط.
ثمة بعد آخر لا يقل أهمية: الخلاف بين أنقرة وتل أبيب يعيد تشكيل موقع تركيا داخل الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط. فواشنطن تحتاج إلى تركيا في ملفات عديدة، من سوريا إلى البحر الأسود والناتو وأمن أوروبا، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول أنقرة إلى قوة إقليمية تستطيع فرض وقائع تتعارض مع المصالح الإسرائيلية أو الأميركية.
وبالمقابل، تحتاج إسرائيل إلى الولايات المتحدة أكثر من أي وقت مضى لمنع تحول المنافسة مع تركيا إلى مواجهة مفتوحة. لكن كلما ازداد اعتماد إسرائيل على القوة العسكرية لفرض حدود النفوذ التركي، ازدادت احتمالات أن تجد واشنطن نفسها مضطرة إلى احتواء حليفها الإسرائيلي بدلا من دعمه.
وهنا تكمن إحدى أكبر التحولات في الشرق الأوسط الجديد: الولايات المتحدة لم تعد تواجه خصما واحدا يمكن احتواؤه بسياسة واحدة. إنها تواجه شبكة من القوى الإقليمية التي تتنافس فيما بينها، وبعضها حليف لواشنطن أو شريك لها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس حربا تركية – إسرائيلية تقررها القيادتان مسبقا، بل سلسلة من الخطوات المتبادلة التي تجعل التراجع أصعب في كل مرة. قاعدة عسكرية تستهدفها إسرائيل، انتشار تركي جديد، رد سياسي، تحرك عسكري احترازي، ثم حادث في الجو أو على الأرض. وفي بيئة إقليمية مشبعة بالسلاح والشكوك، قد يكون حادث واحد كافيا لتحويل التنافس إلى أزمة استراتيجية.
ولهذا فإن سوريا قد تصبح الاختبار الأصعب لإدارة ترامب في الشرق الأوسط.
فإذا نجحت واشنطن في وضع قواعد واضحة للحركة العسكرية التركية والإسرائيلية داخل سوريا، ومنعت تحول التنافس إلى مواجهة، فإنها تكون قد حافظت على موقعها كقوة موازنة لا غنى عنها.
أما إذا فشلت، فقد تكشف الأزمة شيئا أعمق: أن النظام الإقليمي الذي كانت الولايات المتحدة تديره لعقود بدأ يفقد قدرته على ضبط حلفائه قبل خصومه.
عندها لن تكون القضية من يملك قاعدة أبو الظهور أو أي قاعدة أخرى. ستكون القضية من يملك حق رسم خريطة النفوذ في سوريا، ومن يملك القدرة على فرضها.
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل واشنطن: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تمنع تركيا وإسرائيل من تحويل سوريا إلى ساحة صراع بين حليفين، أم أن الشرق الأوسط الجديد بدأ يتشكل بقواعد لا تستطيع القوة الأميركية وحدها فرضها؟