إذا أردتَ أن يتقدم البلد، فاهتم بالتعليم أولًا

الاستاذ المساعد الدكتور حيدر فاروق سلمان

إذا كنا نريد لبلدنا أن يتقدم، فعلينا أن نهتم بالتعليم، وأن نضع المدرسة في مقدمة أولوياتنا؛ لأن بناء الإنسان يبدأ من المدرسة.

ومن المؤسف أن عددًا كبيرًا من مدارسنا ما زال يفتقر إلى أبسط مقومات البيئة التعليمية المناسبة، ولا سيما من الناحية اللوجستية، مثل وسائل التبريد، والمرافق الصحية الملائمة، والرحلات المدرسية، والتجهيزات الأساسية التي تجعل المدرسة مكانًا صالحًا لتعليم أبنائنا.

ومن هنا أطرح مقترحًا قد يتعرض، كما أتوقع، إلى انتقادات أو هجوم، لكن مستقبل أطفالنا أهم من أي انتقاد. وأرى أن انتظار الدولة وحدها لترميم جميع المدارس وتطويرها قد يستغرق سنوات طويلة، ولذلك يمكن أن نبحث عن آلية مساندة تقوم على توفير موارد ذاتية للمدرسة، ضمن إطار قانوني ورقابي واضح وشفاف، ومن دون أن تتحول إلى عبء على العوائل الفقيرة.

المقترح

1- رسم تسجيل رمزي للطالب

يدفع كل طالب رسم تسجيل سنويًا قدره 25 ألف دينار، على أن تُراعى الحالات الاجتماعية والاقتصادية، وأن يكون الرسم للأسرة وليس لكل طالب؛ فإذا كان لديها أكثر من ابن في المدرسة نفسها، فلا تستوفى أكثر من 25 ألف دينار عن الأسرة.

2- معالجة ظاهرة الرسوب

يمكن بحث وضع نظام يحفّز الطالب على الاجتهاد، بحيث يُفرض رسم إضافي على حالات الرسوب الناتجة عن الإهمال المتعمد، وبمبلغ مقترح قدره 100 ألف دينار، مع استثناء الحالات المرضية والظروف القهرية والحالات التي يثبت فيها عدم قدرة الطالب أو وجود أسباب خارجة عن إرادته.

والهدف هنا ليس معاقبة الطالب، وإنما خلق حافز إضافي للالتزام بالدراسة، مع ضرورة أن يكون تطبيق هذا البند وفق ضوابط دقيقة وعادلة.

3- إنشاء مكتبة وحانوت مدرسي

تُفتتح في كل مدرسة مكتبة مدرسية وحانوت، وتكون عائداتهما لصندوق المدرسة، على أن تتم إدارة هذه الموارد وفق ضوابط قانونية ومالية واضحة.

4- تشكيل لجنة مالية للمشتريات

تُشكّل لجنة مالية داخل المدرسة تتولى دراسة احتياجات المدرسة والمشتريات، وتضم مثلًا:

– معاون المدرسة.
– أقدم معلم أو مدرس في المدرسة.
– أحدث معلم أو مدرس فيها.

ويكون الهدف هو تحقيق التوازن والخبرة والمشاركة في اتخاذ القرار.

5- تشكيل لجنة لمراقبة الصرف

تُشكّل لجنة رقابية تضم مدير المدرسة وعددًا من أعضاء الكادر التدريسي، تكون مهمتها متابعة أوجه صرف الأموال والتأكد من أنها ذهبت إلى الاحتياجات الفعلية للمدرسة، مع اعتماد سجل مالي واضح وإتاحة الاطلاع عليه.

6- إقامة مهرجان سنوي لمنتجات الطلبة

يمكن إقامة مهرجان سنوي تعرض فيه منتجات وأعمال الطلبة، وتباع لأولياء الأمور والمجتمع المحلي القادر على المساهمة، على أن تكون الفكرة ذات طابع خيري، وتعود العائدات إلى المدرسة.

وهذا النوع من المبادرات موجود بأشكال مختلفة في العديد من الأنظمة التعليمية حول العالم، ويمكن تكييفه بما يتناسب مع مجتمعنا وإمكانات مدارسنا.

7- تخصيص واردات وثائق التخرج

يمكن أن تُخصص رسوم إصدار وثائق التخرج، مثل مبلغ 25 ألف دينار، لصندوق المدرسة، وفق آلية قانونية واضحة.

ماذا يمكن أن تحقق هذه الموارد؟

لو افترضنا أن المدرسة تضم 1000 طالب، فإن بعض هذه الموارد، إلى جانب عائدات المكتبة والحانوت والأنشطة المدرسية والمساهمات الخيرية، يمكن أن توفر موردًا سنويًا مهمًا. يقدر اب ٣٥ مليون

وبحسب حجم الإيرادات الفعلية وآلية احتسابها، قد تصل الموارد إلى عشرات الملايين من الدنانير سنويًا، ويمكن توجيهها وفق الأولويات.

فقد تكون أولوية السنة الأولى مثلًا:

– إنشاء حمامات صحية تليق بالطلبة.
– توفير وسائل تبريد مناسبة.
– صيانة شبكة الكهرباء.
– تجهيز المدرسة بمنظومة كاميرات وحماية.
– صيانة المقاعد والأبواب والنوافذ.

وفي السنوات اللاحقة يمكن الانتقال إلى مشاريع أكبر، مثل ترميم الأبنية، وإنشاء صفوف إضافية، وتطوير المختبرات والمكتبة والمرافق الرياضية.

وبذلك، إذا استُثمرت الموارد بصورة صحيحة وشفافة، فقد يتغير شكل المدرسة خلال 5 إلى 10 سنوات بصورة كبيرة.

والأهم: أين تذهب الأموال؟

هذه النقطة هي أساس نجاح الفكرة.

لا بد أن تكون هناك رقابة مالية حقيقية وشفافية كاملة، وأن تكون جميع الإيرادات والمصروفات مسجلة رسميًا، مع منع أي مدير أو مسؤول من التصرف بالأموال بصورة منفردة.

كما يمكن اعتماد نظام إلكتروني يظهر فيه لأولياء الأمور:

كم دخل إلى صندوق المدرسة؟
وكم تم صرفه؟
وعلى ماذا صُرف؟
وما المشاريع التي أُنجزت؟

وهذا سيجعل ولي الأمر شريكًا في مراقبة أموال المدرسة، ويحد من احتمالات الفساد أو سوء الإدارة.

هل هذه مسؤولية الدولة أم المجتمع؟

أعرف أن البعض سيقول: “تطوير المدارس مسؤولية الدولة، وليس من حقها تحميل المواطن هذه التكاليف.”

وأنا أتفق تمامًا مع أن الدولة تتحمل المسؤولية الأساسية عن التعليم والبنية التحتية للمدارس، ولا ينبغي أن تكون هذه المقترحات ذريعة لتخلي الدولة عن واجباتها.

لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه أيضًا هو:

هل ننتظر عشر سنوات أخرى حتى تُرمم جميع المدارس؟ أم نبحث عن حلول مساندة، منظمة وقانونية، تساعد أبناءنا في الوقت الحاضر؟

الفكرة ليست تحميل المواطن الفقير أعباء جديدة، وإنما إيجاد موارد إضافية اختيارية أو رمزية، مع إعفاء غير القادرين، وتوجيهها مباشرة إلى المدرسة وتحت رقابة المجتمع والدولة.

وأخيرًا…

قد تتعرض هذه الفكرة إلى هجوم شرس، وقد يقول البعض إنها غير قابلة للتطبيق، وقد يرفضها آخرون من حيث المبدأ.

لكنني أعتقد أن مستقبل أطفالنا يستحق أن نناقش كل فكرة يمكن أن تسهم في تحسين مدارسنا.

والسؤال الذي أطرحه هنا ليس: هل هذه الفكرة كاملة؟

بل:

كيف نستطيع أن نخلق موارد إضافية لمدارسنا، من دون إرهاق العوائل، ومن دون المساس بمسؤولية الدولة، وبأعلى درجات الشفافية والرقابة؟

ولهذا أرحب بكل الأفكار والمقترحات التي يمكن أن تضيف موارد جديدة لصندوق المدرسة، أو تقلل من النفقات، أو تساعد في تطوير الأبنية والتجهيزات.

فإذا كان لدينا طفل يقضي نصف يومه في المدرسة، فأقل ما نستطيع أن نقدمه له هو مدرسة تليق بإنسانيته.

قد يعجبك ايضا