الباحث الحقوقي ره نج باراوی
في هذا العصر المليء بالاضطرابات والتحولات الفكرية والاستقطابات الحادة التي تمر بها الإنسانية في العالم المعاصر، فإن إيجاد زاوية هادئة تتنفس فيها قيمة الإنسان والتسامح الحقيقي، يحتاج إلى دقة تاريخية عميقة وتأمل فكري دؤوب. ففي هذه الجغرافيا المعقدة والمبتلاة في الشرق الأوسط، برز إقليم كوردستان العراق دوماً كواحة مضيئة للتعايش السلمي، والتسامح، والتعددية الثقافية والدينية كشعلة أمل في الظلام. هذه المكانة الخاصة ليست مجرد وصف سطحي أو قرار مؤقت ومصطنع، بل هي خريطة طريق فكرية وسياسية وذات جذور تاريخية عميقة أُسست على الثوابت الإنسانية العابرة وقيم العيش المشترك.
إن تاريخ التعايش الأخوي بين مختلف المكونات؛ بدءاً من الإخوة المسيحيين مروراً بالمسلمين، والإزيديين، والكاكائيين، والزرادشتيين، وصولاً إلى كافة الأديان والقوميات الأخرى في كوردستان، هو قصة ثرية لحياة يعبر فيها الجميع بلغة وطنية واحدة وتحت مظلة هادئة. لم تبقَ هذه التعددية محصورة في نطاق التقاليد الاجتماعية فحسب، بل حُميت كأصالة من قِبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في حكومة إقليم كوردستان، ووُفرت لها البيئة الكاملة لكي يمارس كل طرف طقوسه الدينية والثقافية بحرية تامة ودون أي تمييز.
وفي مدن وبلدات هذا الإقليم، تتشارك الكنائس والجوامع في إضفاء معالم الإعمار، وتُدار المناسبات الدينية دائماً بعطل رسمية ومشاركة فاعلة من جميع المكونات. وعلى الصعيد الإداري والسياسي، كان ممثلو هذه المكونات الأصيلة دائماً في طليعة السلطة التشريعية، التنفيذية، وصنع القرار، وقدموا خدمات جليلة لعملية الحكم والمجتمع.
أما في الحياة اليومية والواقع الميداني للمجتمع، فقد أُسست علاقات المواطنين على أساس الجوار النموذجي، والاحترام المتبادل، والشراكة في المصير. هذا التوازن الاجتماعي العميق هو انعكاس لتلك الأصول والمبادئ المقدسة التي أُكد عليها في النصوص السماوية:
فعلى سبيل المثال، يجسد المنهج القرآني الحكيم أسس التسامح، والعدالة، وحسن الجوار، فرساً قواعد التعامل الإنساني النبيل القائم على البر والإنصاف مع كل من يعيش بسلام ولا يرفع سلاح العدوان.
وفي الشرائع الإلهية والمواريث الروحية، طالما عُدت كرامة الإنسان، والرحمة، والعون، وإغاثة المنكوبين معياراً أسمى للإيمان والأخلاق الإنسانية العالية.
وقد غدت هذه القيم العليا في النظام الاجتماعي والفكري الكوردي درعاً واقياً ضد العنف والفكر المتطرف، وهو ما يعد دليلاً ساطعاً على الوعي والنضج العالي للمجتمع.
وإذا ما تطرقنا إلى فلسفة منطقة بارزان والدور التاريخي للرئيس مسعود بارزاني، فسنجد بوضوح وجلاء أن التاريخ يشهد بأن هذا النموذج النادر والمميز لم يُخلق من فراغ، بل انطلق من تراب منطقة بارزان الطاهر؛ تلك المنطقة التي كانت عبر التاريخ سباقة في حماية القيمة الإنسانية والكرامة البشرية وجعلها مبدأً ثابتاً.
لقد نظر الرئيس مسعود بارزاني دوماً كمرجعية وقائد وطني إلى حماية المكونات باعتباره واجباً أخلاقياً، قومياً، ووجدانياً، وعمل في الأيام العصيبة والحساسة على ترسيخ درع الحماية لكافة المكونات.
وفي مجال الدبلوماسية الناعمة والتواصل مع الفاتيكان، كان دور الرئيس بارزاني في مد جسور الثقة والتفاهم مع (سلطة الفاتيكان) والمراكز العالمية العليا عاملاً حاسماً لإيصال صوت السلام لشعب كوردستان إلى مراكز صنع القرار في العالم.
وعندما تعرض المسيحيون في سهل نينوى والموصل لخطر الإبادة والمحو عام ٢٠١٤، فإن الموقف الإنساني والقرار السريع من قِبل الرئيس بارزاني بفتح أبواب الإقليم أمام النازحين وتوفير كافة متطلباتهم، قد أظهر للعالم صورة حية لهذه الفلسفة وأثار دهشته العميقة.
لذا، يجب أن ندرك كيف أن المعاني الدبلوماسية لتكريم الفاتيكان ودهشة العالم إزاء هذا النموذج قد استطاعت أن تركز وتدقق رؤية الفاتيكان بشكل يجسد تقدير بابا الفاتيكان للرئيس مسعود بارزاني؛ وهو اعتراف عظيم وتاريخي بذلك التعايش الأصيل لشعب كوردستان الذي يدافع بلا حدود عن حقوق الأقليات ويبني في الوقت ذاته جسوراً دبلوماسية قوية ومؤثرة مع العالم الخارجي. هذا الانعكاس يضع إقليم كوردستان في مكانة استراتيجية وموثوقة دولياً.
وخلاصة القول؛ إنه بغض النظر عن كون المسيحيين يوصفون بأصدق الناس داخل المجتمع الكوردي وهم محل الاحترام والمحبة،وتجربة معاشرتي داخل وخارج البلاد مع الاخوة المسیحیین لمست منهم المصداقیة والمباديء الانسانیة .اظافة الی ذلك وجود التعایش الدیني وتمهید انساني لخارطة احترام الادیان من قبل السید مسعود البارزانی مما رسخ للفرد الكوردي إيماناً عميقاً بالإنسانية وحماية كرامة الأقليات، فإن التعايش الديني هو تلك القوة الدافعة التي جعلت إقليم كوردستان وقيادته بمثابة منارة في منطقة تعج بالاضطرابات.
[8/23/2026 10:19 AM] جواد كاظم: إن تكريم الفاتيكان ليس مجرد تقدير للماضي، بل هو خريطة طريق لمستقبل يصبح فيه السلام والتعايش الفيدرالي والديني المعيار الرئيسي للتقييم الدولي. فليفهم العالم هذا النموذج الفريد، لأن طمأنينة التعايش تكمن في تنمية ثقافة التسامح هذه.
المصادر والمراجع المعتمدة:
١. ]حكومة إقليم كوردستان – البوابة الرسمي](https://gov.krd) (٢٠٢٥) – بيانات وتقارير رسمية حول التعددية الدينية والقومية في الإقليم.
٢. [معهد الإصلاح الجنائي في كوردستان](https://gov.krd) (٢٠٢٦) – تقارير ميدانية حول حماية حقوق الإنسان وثقافة التسامح.
٣. د. عبد الله محمود، تاريخ التعايش والتعددية في كوردستان، مركز الدراسات الاستراتيجية، أربيل، ٢٠٢٣.
٤. [وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في حكومة إقليم كوردستان](https://www.google.com/search?q=https://gov.krd/moaw) (٢٠٢٥) – إحصاءات رسمية خاصة بترخيص الكنائس والجوامع والعطل الدينية الرسمية.
٥. التقرير السنوي لدائرة المنظمات غير الحكومية وحقوق الإنسان في إقليم كوردستان، ٢٠٢٤.
٦. القرآن الكريم، سورة الممتحنة، الآية ٨ (أسس العدالة وحسن الجوار مع من يعيشون في سلام).
٧. تقارير المجلس البابوي للحوار بين الأديان في الفاتيكان (Pontifical Council for Interreligious Dialogue)، حول التعاون المشترك مع المراكز الإسلامية، ٢٠٢٢.
٨. Prof. Dr. Martin Kramer, Religious Pluralism and Minorities in the Middle East, Oxford University Press, ٢٠٢١.
٩. مسعود بارزانی، بارزانی والحركة التحررية الكوردية، المجلد الرابع، قسم المواقف الوطنية، ٢٠٢١.
١٠. مركز الدراسات السياسية والبرلمانية في كوردستان، دور المرجعية السياسية في حماية المكونات، المجلة الأكاديمية، العدد ٤٥، ٢٠٢٣.
١١. [موقع رئاسة إقليم كوردستان الرسمي](https://www.google.com/search?q=https://presidency.krd) (٢٠٢٥) – أرشيف الزيارات والخطابات الرسمية المتعلقة بالتعايش.
١٢. [(الفاتيكان – الكرسي الرسولي)](https://www.vatican.va) (٢٠٢٤) – الأخبار والبيانات الرسمية المرتبطة باستقبال القادة العالميين وتكريم الشخصيات الداعية للسلام.
١٣. Ambassador Dr. Fred Hof, Soft Diplomacy and Religious Coexistence in Kurdistan, Middle East Institute Journal, ٢٠٢٣.
١٤. تقرير الأمم المتحدة (UNAMI) بشأن استقبال إقليم كوردستان لنازحي عام ٢٠١٤ وتوفير ملاذ آمن لهم، ٢٠١٥.
١٥. [L’Osservatore Romano (الصحيفة الرسمية للفاتيكان)](https://www.vatican.va) (٢٠٢٣) – تقرير حول نموذج التعايش الديني في إقليم كوردستان وتكريم القادة.
١٦. Dr. Thomas Schirrmacher, Global Ethics and Interfaith Dialogue, Vatican Publishing House, ٢٠٢٢.
١٧. [الاتحاد الأوروبي – العلاقات الخارجية وحقوق الإنسان](https://european-union.europa.eu) (٢٠٢٤) – التقرير السنوي حول الاستقرار والأمن الإقليمي في العراق وإقليم كوردستان.
١٨. International Crisis Group (ICG), Kurdistan’s Model of Coexistence: Lessons for the Middle East, Middle East Report N°٢١٠, ٢٠٢٤.