قاليباف في بغداد.. بين النظام الإقليمي الجديد وسيادة العراق

نبيل عبد الأمير الربيعي

لم تكن زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد، في التاسع عشر من آب 2026، زيارة بروتوكولية عابرة، ولا يمكن فصلها عن التحولات العميقة التي تشهدها المنطقة، وعن محاولات إعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات في ظل التوترات المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وما قد تفضي إليه المرحلة المقبلة من ترتيبات إقليمية جديدة.

جاء قاليباف إلى بغداد محمّلاً برسائل سياسية تتجاوز حدود العلاقات البرلمانية. فمن العاصمة العراقية تحدث عن (نظام إقليمي جديد)، ودعا الدول الإسلامية إلى توسيع مجالات التعاون وتعميق العلاقات، ولا سيما في المجال الاقتصادي، مؤكداً أن العلاقات بين طهران وبغداد ذات أهمية أساسية ومحورية في تطورات المنطقة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: هل يحتاج العراق إلى التعاون مع إيران؟ فهذا أمر لا يحتاج إلى كثير من الجدل. وإنما السؤال الأهم: أي نوع من التعاون؟ وفي ظل أي نظام إقليمي جديد؟ ومن يحدد قواعد هذا النظام؟

يقف العراق اليوم في منطقة شديدة التعقيد. فهو جار لإيران، وله معها علاقات تاريخية واقتصادية واجتماعية ودينية واسعة، وفي الوقت نفسه يرتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة ودول عربية وإقليمية أخرى.

ولهذا فإن السياسة العراقية الرشيدة لا ينبغي أن تقوم على اختيار محور ضد محور، وإنما على بناء سياسة وطنية مستقلة تجعل العراق طرفاً في صناعة التوازن، لا ساحة لتصفية صراعات الآخرين.

فبغداد لا تستطيع، ولا ينبغي لها، أن تدير سياستها الخارجية بمنطق (مع إيران أو ضد إيران)، كما لا ينبغي أن تختزل علاقتها بواشنطن في ثنائية (مع أميركا أو ضد أميركا).

العراق بحاجة إلى علاقات متوازنة مع الجميع، وإلى تحويل موقعه الجغرافي والتاريخي من عبء سياسي إلى مصدر قوة دبلوماسية واقتصادية.

حديث قاليباف عن نظام إقليمي جديد يستحق التوقف. فالمنطقة بالفعل أمام مرحلة مختلفة، لكن بناء نظام إقليمي جديد لا يمكن أن يكون قرارًا إيرانيًا أو أميركيًا أو تركيًا أو إسرائيليًا منفرداً.

النظام الإقليمي الحقيقي ينبغي أن تصنعه دول المنطقة مجتمعة، على قاعدة احترام سيادة كل دولة وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

فإذا كان المقصود بالنظام الجديد هو الانتقال من الهيمنة الأجنبية إلى تعاون إقليمي متوازن، فالعراق سيكون من أكثر المستفيدين.

أما إذا كان المقصود إعادة توزيع النفوذ بين القوى الإقليمية، بحيث تنتقل المنطقة من هيمنة إلى هيمنة أخرى، فإن العراق سيكون مرة أخرى أمام المشكلة القديمة نفسها: أن يكون ساحة للصراع بدل أن يكون دولة فاعلة في صياغة الحل.

ومن هنا، فإن العراق معني مباشرة بأي ترتيبات إقليمية مقبلة، لكنه ينبغي ألا يكون مجرد متلقٍ لقواعدها، بل شريكًا في صياغتها.

من اللافت أن قاليباف تحدث في بغداد أيضاً عن المقاومة العراقية، معتبراً أنها تجاوزت حدود البلدين وأصبحت قوة مؤثرة إقليمياً وعالمياً.

وهنا تظهر قضية عراقية شديدة الحساسية: هل يمكن بناء دولة ذات سيادة كاملة مع تعدد مراكز القرار العسكري والسياسي؟

هذا السؤال لا يستهدف فصيلاً بعينه، ولا يعني التنكر لتضحيات من قاتلوا الإرهاب، ولا يمثل بالضرورة دعوة إلى نزع سلاح المقاومة في سياق سياسي محدد، وإنما يتعلق بجوهر الدولة الحديثة: من يمتلك قرار الحرب والسلم؟ ومن يحدد السياسة الخارجية؟ ومن يمثل العراق عندما يدخل في صراع إقليمي أو دولي؟

إن قوة العراق لا ينبغي أن تقاس بعدد الفصائل المسلحة، وإنما بقوة مؤسساته، وتماسك جيشه، واقتصاده، ودبلوماسيته، وسيادته على قراره الوطني.

والأهم أن أي قوة عراقية، مهما كان عنوانها، ينبغي أن تكون جزءاً من الدولة العراقية وقرارها، لا أن تصبح الدولة جزءًا من مشروعها.

لقد عاش العراق سنوات طويلة في ظل الإرهاب والحروب والتوترات الأمنية، ولذلك فإن الانتقال من منطق التعبئة والحرب إلى منطق الدولة والمؤسسات أصبح ضرورة وطنية.

لا يمكن للعراق أن يتعامل مع إيران باعتبارها دولة عابرة في محيطه. فهناك حدود طويلة، وتداخل اقتصادي، وحركة تجارية وسياحية ودينية واسعة، فضلاً عن روابط اجتماعية وثقافية متراكمة.

لكن عمق العلاقات لا يعني إلغاء الحدود السياسية، كما أن الروابط الدينية والثقافية لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن العلاقات بين الدول.

فالعراق ليس تابعاً لإيران، وإيران ليست مطالبة بأن تكون تابعة للعراق. كلاهما دولتان مستقلتان، ولكل منهما مصالحها الوطنية وحساباتها الاستراتيجية.

ولهذا فإن أفضل صيغة للعلاقة العراقية ـ الإيرانية ليست (الأخوّة السياسية) التي يمكن أن تحمل أكثر من تفسير، وإنما حسن الجوار والمصالح المشتركة والاحترام المتبادل للسيادة.

فالعلاقة الناضجة بين الدول لا تقوم على أن يكون أحدهما (الأخ الأكبر) والآخر (الأخ الأصغر)، وإنما على الندية.

فالجيرة لا تعني الوصاية، والصداقة لا تعني الولاء، والتعاون لا يعني التبعية.

من أخطر ما يمكن أن يحدث أن يتحول العراق إلى ممر للصراع بين طهران وواشنطن، أو إلى ساحة لتبادل الرسائل العسكرية بين القوى المتصارعة.

لقد دفع العراق ثمناً باهظاً خلال العقود الماضية نتيجة تحوله إلى ساحة لصراعات الآخرين.

ومن حق العراقيين اليوم أن يقولوا بوضوح: نريد علاقات جيدة مع إيران، لكننا لا نريد أن تتحول أراضينا إلى منصة لاستهدافها أو إلى ساحة للرد على خصومها.

ونريد علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، لكننا لا نريد أن تكون بلادنا قاعدة لضرب إيران أو أي دولة أخرى.

هذه ليست سياسة رمادية، كما قد يحاول البعض تصويرها، وإنما هي سياسة وطنية مستقلة.

العراق لا يريد أن يكون جسراً لعبور الصراعات، ولا ورقة في المساومات الإقليمية والدولية، وإنما دولة تمتلك قرارها وتحدد مصالحها بنفسها.

إذا كانت زيارة قاليباف تحمل مشروعاً للتعاون الإقليمي الجديد، فإن الاختبار الحقيقي لهذا المشروع لن يكون في الخطب السياسية، وإنما في الاقتصاد.

هل يمكن للعراق وإيران أن يبنيا شراكة اقتصادية متوازنة؟ هل يمكن زيادة التجارة والاستثمار والنقل والسياحة والطاقة، مع احترام المصالح العراقية؟ هل يمكن معالجة ملفات المياه والحدود والأسواق والطاقة وفق اتفاقات واضحة وشفافة؟ وهل تستطيع بغداد أن تحصل على علاقات اقتصادية لا تجعلها أسيرة لأي طرف؟

هذه الأسئلة أكثر أهمية من الشعارات، لأن الشعوب لا تقيس الصداقة بين الدول بعدد الكلمات الجميلة، وإنما بما ينعكس على حياتها اليومية: كهرباء مستقرة، اقتصاد منتج، حدود آمنة، مياه كافية، وظائف، واستثمارات حقيقية.

فإذا كان الحديث عن نظام إقليمي جديد جاداً، فإن الاقتصاد والتنمية ينبغي أن يكونا في مقدمة أولوياته، لا الصراع والتعبئة.

ربما تكون هذه الحقيقة البسيطة هي الأهم في قراءة زيارة قاليباف.

العراق اليوم يقف أمام مرحلة مختلفة، ولم يعد المواطن العراقي يبحث عن المزيد من الشعارات والخطابات التي تستعيد أجواء الحرب والمواجهة، بقدر ما يبحث عن دولة مستقرة، واقتصاد منتج، وفرصة عمل، وخدمات، وأمن، ومستقبل واضح.

احترام تضحيات من قاتلوا الإرهاب لا يعني تحويل الماضي إلى مشروع دائم للمستقبل. فقاسم سليماني وأبو مهدي المهندس جزء من ذاكرة مرحلة معقدة عاشها العراق، لكن العراق لا يستطيع أن يبقى أسير تلك المرحلة إلى ما لا نهاية.

لقد تغير المشهد الإقليمي والدولي، وتغيرت معه أولويات العراقيين. فالشاب الذي يبحث عن وظيفة، والموظف الذي يقلقه راتبه، والعائلة التي تعاني من ارتفاع الأسعار وتردي الخدمات، لا يجد في خطاب التصعيد إجابة عن أسئلته اليومية.

العراق يحتاج اليوم إلى دولة قوية تحتكر قرار السلاح والحرب والسلم، وعلاقات خارجية متوازنة، واقتصاد قادر على حماية المواطن، ومؤسسات تستعيد ثقة الناس.

ومن هنا فإن الحديث عن المقاومة ينبغي أن يخضع أيضاً لسؤال الدولة: متى تتحول المقاومة إلى مؤسسة وطنية ضمن القرار السيادي؟ ومتى يصبح استمرار السلاح خارج مؤسسات الدولة عبئاً على الدولة بدل أن يكون حماية لها؟

العراقيون تعبوا من الحروب، ومن الإرهاب، ومن اقتصاد الأزمات، ومن تحويل بلدهم إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريع الآخرين.

ولهذا فإن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تسمع اليوم هي: انتهى زمن الصخب، وحان زمن الدولة.

العراق لا يحتاج إلى مزيد من التعبئة بقدر حاجته إلى البناء، ولا إلى استعادة لغة الماضي بقدر حاجته إلى صناعة المستقبل.

وهذا ليس تخلياً عن المقاومة، ولا تنكرًا للتضحيات، بل هو انتقال طبيعي من مرحلة الحرب إلى مرحلة الدولة؛ ومن ثقافة الخنادق إلى ثقافة المؤسسات؛ ومن سؤال (من نقاوم؟) إلى السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف نبني عراقاً لا يحتاج أبناؤه إلى الحرب كي يشعروا بأن لهم وطنًا؟

إن زيارة قاليباف إلى بغداد تأتي في لحظة إقليمية استثنائية، وقد تكون فرصة حقيقية لإعادة صياغة العلاقات العراقية ـ الإيرانية على أسس أكثر وضوحاً ونضجاً.

فإذا أرادت طهران علاقة استراتيجية ومستدامة مع بغداد، فإن أفضل ما يمكن أن تقدمه هو احترام سيادة العراق واستقلال قراره.

وإذا أرادت بغداد شراكة حقيقية مع طهران، فعليها أن تدخلها من موقع الدولة المستقلة، لا من موقع الطرف التابع.

ذلك وحده يمكن أن يحول (النظام الإقليمي الجديد) من شعار سياسي إلى مشروع حقيقي للسلام والتنمية والتعاون.

العراق لا يريد عداوة مع إيران، ولا يريد قطيعة مع الولايات المتحدة، ولا يريد الدخول في محاور مغلقة.

إنه يريد ببساطة أن يكون العراق أولًا. يريد أن تكون بغداد صاحبة القرار في بغداد، وأن تكون علاقاتها الخارجية امتدادًا لمصالحها الوطنية، لا انعكاسًا لصراعات الآخرين.

فالعراق لا يبحث عن أخٍ أكبر، ولا عن خصمٍ أكبر؛ إنه يبحث عن مكانه الطبيعي بين الدول: دولة مستقلة، ذات سيادة، متوازنة في علاقاتها، تحترم جيرانها ويحترم جيرانها سيادتها، وقادرة على أن تقول للجميع: نحن أصدقاء، ولكن قرارنا عراقي.

وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم مستقبل العراق: لا عداوة ولا تبعية، لا قطيعة ولا وصاية، بل حسن جوار ومصالح متبادلة وسيادة وطنية كاملة.

قد يعجبك ايضا