انس الشيخ مظهر
تتكرر مؤخراً انتقادات موجهة إلى إعلام الحزب الديمقراطي الكوردستاني، يتركز جزء كبير منها حول “عدم الرد” على الاتهامات الموجهة إلى الحزب أو حكومة الإقليم، وكأن وظيفة الإعلام الحزبي الدخول في سجال مفتوح مع كل قناة وكل منشور. هذا النوع من النقد يكشف عدم تمييز بين طبيعة الإعلام المؤسسي الذي يمثل حزباً عريقاً، والإعلام القائم على ردود الأفعال اليومية وصناعة الخصومة لتحقيق المشاهدة.
الإعلام الحزبي ليس حساباً شخصياً.
الإعلام التابع لحزب سياسي ليس حساباً شخصياً على وسائل التواصل. فحين يكتب السياسي أو الصحفي على صفحته الشخصية، يتحدث باسمه ويتحمل وحده مسؤولية ما يكتب. أما حين يظهر على شاشة الحزب، فلم يعد يمثل نفسه، بل يصبح كلامه جزءاً من خطاب المؤسسة وموقفها السياسي. لذلك لا يمكن مطالبته بالتصرف كصاحب صفحة شخصية؛ فما يُقبل من فرد يتحدث باسمه قد لا يُقبل من إعلام يمثل مؤسسة سياسية لها تاريخها وعلاقاتها. فالمذيع لا يستطيع، بعد تصريح انفعالي، أن يصفه بـ”رأي شخصي”، لأن الجمهور يراه في تلك اللحظة جزءاً من مؤسسة ذات هوية سياسية واضحة.
الانضباط الإعلامي مسؤولية لا عدم دراية.
الانضباط في الخطاب ليس ضعفاً أو عجزاً عن الرد، بل من أهم أشكال المسؤولية المهنية والسياسية؛ فكلما رسخت المؤسسة، ازدادت مسؤولية كلمتها، لأن خطأها قد يتحول إلى مشكلة سياسية أو يُستغل من الخصوم. والحزب الديمقراطي الكوردستاني، بتاريخه الطويل وقاعدته الجماهيرية، لا يحتاج لإثبات وجوده بمعركة إعلامية مع كل مهاجم؛ فإعلامه يفترض أن يعكس هذا العمق، لا أن يتحول إلى نسخة حزبية من برامج الصراخ وتبادل الاتهامات.
والمفارقة أن بعض منتقدي هذا الانضباط يعجبون بقنوات جعلت من الخصومة مادة برامجها: استضافة طرف لمهاجمة آخر، ثم الطرف الثاني للرد، ثم البحث عن تصريح جديد لإشعال جولة صراع تالية، وكأن وظيفة الإعلام صناعة النزاع لا نقل المعلومة وتحليلها. وقد تكون هذه الطريقة أجذب للمشاهد، لكنها ليست بالضرورة أكثر مهنية.
من التحريض إلى الانسداد السياسي.
هنا تكمن إحدى أخطر إشكاليات المشهد الإعلامي العراقي: فالإعلام السائد القائم على التحريض وتحويل الخلافات إلى معارك شخصية دائمة لم يعد ظاهرة مهنية فحسب، بل تحوّل إلى أحد الأسباب الفعلية — أو على الأقل أحد العوامل المؤثرة بقوة — في حالة الانسداد السياسي التي يعاني منها العراق. وهذا ما يحذر الرئيس مسعود بارزاني العاملين في اعلام الحزب الديمقراطي الكوردستاني من الوقوع فيه.. فحين تصبح الشاشات ساحة يومية للتخوين، تضيق مساحة التفاوض بين الكتل، ويصبح أي تقارب مكلفاً سياسياً وشعبياً، لأن جمهوراً تشكّل وعيه عبر خطاب الاستقطاب يرى في الحوار مع “الخصم” تفريطاً. هكذا يتحول الإعلام الشعبوي من ناقل للأزمة إلى طرف فاعل في تعميقها وإطالة أمدها.
فالإعلام السياسي لا ينبغي أن يكون أداة لتحريض الأطراف بعضها على بعض؛ الخلافات جزء طبيعي من العملية السياسية، لكن تحويلها إلى عداوات دائمة وإغلاق أبواب الحوار ليس من مسؤولية الإعلام المهني. وقد يحقق التحريض مشاهدة أعلى، لكنه يعقّد المشهد السياسي ويغلق مساحات الحوار في بيئة تحتاج غالباً إلى التفاوض. فالحفاظ على “شعرة معاوية” بين الفرقاء ليس مهمة السياسي وحده؛ فما يبدو خلافاً عميقاً اليوم قد يفرض التفاوض غداً، وخصم اليوم قد يكون شريك غد. وتحويل الخلاف إلى قطيعة إعلامية شاملة يجعل العودة إلى الحوار أصعب، ويخلّف أضراراً تنعكس مباشرة على قدرة الدولة على تشكيل الحكومات وإدارة الأزمات.
كما أن ما يصدر عن الإعلام الحزبي يتجاوز الداخل العراقي والكوردستاني، إذ قد يصل إلى جهات إقليمية ودولية ويُقرأ كمؤشر على توجهات سياسية. فالكلمة البسيطة داخل الاستوديو قد يكون لها معنى مختلف حين تُقرأ في عاصمة أخرى.
الدفاع عن الحزب لا يعني حرق الجسور.
من حق الإعلام الحزبي الدفاع عن موقف الحزب وتوضيح الحقائق والرد على الحملات المضللة، لكن الدفاع لا يعني استخدام أكثر العبارات استفزازاً، ولا تحويل الخصم السياسي إلى عدو دائم، ولا إغلاق كل أبواب الحوار. فالمؤسسة التي تفكر بعيد المدى تحتاج إعلاماً يدافع عنها دون أن يصبح عبئاً على علاقاتها.
مصداقية المصدر قبل سرعة النشر.
من أكثر النقاط كشفاً للفرق بين الإعلام المؤسسي وإعلام السرعة والسبق مسألة مصادر الأخبار. فليس كل ما يُنشر على وسائل التواصل خبراً، وليس كل تسريب حقيقة مكتملة. الإعلام المسؤول يسأل عن مصدر المعلومة وموثوقيتها وسياقها قبل نشرها، وقد يبدو التحقق أبطأ من النشر الفوري، لكنه أكثر احتراماً للجمهور وحفاظاً على مصداقية المؤسسة؛ فخطأ الصفحة الشخصية يبقى فردياً، بينما خطأ المؤسسة الحزبية يُنسب إلى الحزب كله.
لماذا لا يجب الرد على كل اتهام.
مطالبة الإعلام الحزبي بالرد على كل اتهام مطالبة غير منطقية، لأنها تجعله أسيراً لأجندة الآخرين: فإن رد أصبح الاتهام قضية رئيسية، وإن لم يرد اتُّهم بالضعف. الإعلام المؤسسي الناجح يحدد بنفسه ما يستحق الاهتمام وما يكفي فيه التجاهل، دون أن يعني ذلك تجاهل النقد الجدي. فحين يكون هناك اتهام خطير أو حملة منظمة، يصبح الرد واجباً، لكن رداً مبنياً على المعلومات والحجج لا على الانفعال والشتائم، لأن الثقة بالموقف تسمح بتقديم الرواية بهدوء بدل التنافس على رفع الصوت.
قوة الإعلام ليست في عدد معاركه.
نجاح الإعلام لا يُقاس بعدد معاركه اليومية أو اتهاماته، فهذا النمط هو الأسهل إدارة: فتح الميكروفون وترك الضيوف يتصارعون. أما الإعلام المؤسسي الذي يوازن بين سرعة الخبر ودقته، وبين الدفاع السياسي والمسؤولية المهنية، فهو أصعب بكثير. لذلك فمقارنة إعلام الحزب بقنوات الإعلام الشعبوي مقارنة غير عادلة أصلاً، لأن الطرفين لا يعملان بالهدف نفسه: أحدهما يريد إبقاء الخلاف مشتعلاً لجذب المشاهد، والآخر يفترض أن يعمل ضمن استراتيجية مؤسساتية أوسع.
الشاشة الحزبية ليست صفحة شخصية.
للصحفي خارج المؤسسة الحق في آرائه، لكن حين يظهر على شاشة الحزب تتراجع مساحته الشخصية لمصلحة المسؤولية المؤسسية، لأن المشاهد يرى مؤسسة سياسية تتحدث من خلاله، لا فرداً. وما يُقال في منشور شخصي قد لا يناسب شاشة حزبية. هذا لا يعني أن يكون الإعلام الحزبي بلا موقف؛ فالمطلوب أن يكون واضح الهوية معبراً عن خط الحزب دون أن يتحول إلى مساحة انفعال شخصي، لأن الالتزام المؤسسي يمنحه قيمته بوصفه لسان حال الحزب لا مجموعة آراء متناثرة. كما أن دوره ليس فرض ما يجب أن يفكر فيه الناس، بل تقديم المعلومات والسياق بما يمكّن الجمهور من تكوين موقفه؛ فالإفراط في التلقين والتخوين يُضعف إقناع الرسالة السياسية، بينما تمنحها المعلومات الموثقة مصداقية أكبر.
المطلوب من إعلام الحزب ليس أن يصبح أكثر صخباً، بل أكثر مؤسسية ودقة في التحقق من مصادره، وأكثر وعياً بتأثير كلمته على العلاقات الداخلية والخارجية. وليس من مصلحة الحزب أن تتحول شاشته إلى نسخة من منابر تتغذى على الصراع، وتسهم — كما يفعل جزء كبير من الإعلام الشعبوي السائد في العراق اليوم — في إدامة الانسداد السياسي بدل الإسهام في تجاوزه. فقوة الإعلام ليست في إشعال المعارك، بل في الدفاع عن موقف المؤسسة دون أن يتحول هو نفسه إلى مشكلة سياسية إضافية.
فالحزب الذي يملك هذا التاريخ لا يحتاج إعلاماً يثبت قوته بالصراخ، بل إعلاماً يدرك أن كلمته تُحسب على الحزب بأكمله. فضبط الخطاب، والتحقق من المصادر، وعدم الانجرار وراء الاستفزاز، والحفاظ على جسور التواصل، وعدم تحويل الخلاف إلى عداوة دائمة، ليست علامات ضعف، بل مؤشرات على إدراك حجم مسؤولية تتجاوز صورة الحزب لتلامس، ولو جزئياً، مستقبل الاستقرار السياسي في العراق ككل.
ومن يريد أن يرى إعلام الحزب يتصرف كالصفحات الشخصية أو كقنوات التحريض من أجل المشاهدة، فهو لا يطالب بتطوير هذا الإعلام، بل بالتخلي عن جزء من طبيعته المؤسسية. أما الإعلام الذي يدرك أنه يمثل حزباً عريقاً، فمن الطبيعي أن يكون أكثر هدوءاً وحذراً في مصادره وانتقائية في معاركه، حريصاً على إبقاء أبواب الحوار مفتوحة حتى مع أشد الخصوم — وهذا ليس ضعفاً، بل الفارق بين مؤسسة تعرف لمن تتحدث وباسم من، وبين شاشة لا تعرف من مهمتها سوى رفع الضجيج كلما ارتفع الخلاف السياسي.