عواد علي
يحمل الجبل في وجدان الشعب الكردي وثقافته مكانةً تتجاوز كونه مجرد تضريس جغرافي أو معلم طبيعي؛ إنه العمود الفقري للهوية، والحارس الأمين للتاريخ، والملاذ الأخير الذي عصم هذا الشعب من الذوبان والاندثار عبر قرون من المحن. وتختصر المقولة الشهيرة “لا أصدقاء للأكراد سوى الجبال” عمق هذه العلاقة الوجودية التي انعكست بشكل راديكالي على نتاجات الأدب الكردي بمختلف فنونه، من الحكاية الشعبية والقصيدة الكلاسيكية، وصولاً إلى الرواية الحديثة وأدب المقاومة.
أحاول، في هذا المقال المكثّف، الحفر عميقاً في رمزية الجبل داخل المتخيّل الأدبي الكردي، وتجلياته التحولية من ملجأ فيزيائي إلى رمز روحي وسياسي معقد.

الجبل كملاذ وجودي وحارس للهوية
تاريخياً، فرضت الجغرافيا الجبلية لكردستان عزلةً طبيعيةً حمت اللغة والثقافة الكردية من سياسات الصهر والتعريب أو التتريك أو الفرسنة. في الأدب الكردي القديم والمحكي، يظهر الجبل كـ”أب حانٍ” أو “قلعة عصية”.
في الملاحم الشعبية القديمة، مثل ملحمة “مم وزين” للشاعر الكلاسيكي أحمد خاني (القرن السابع عشر)، لا يغيب الجبل عن المشهد الخلفي للأحداث؛ إنه فضاء الحرية النقي الذي يتناقض مع فضاء المدينة أو القصر حيث تكثر المؤامرات والقيود. الجبل هنا هو المكان الذي تظل فيه القيم الكردية الأصيلة، كالشجاعة، والضيافة، والارتباط بالأرض، محصنةً ونقيةً.
رمزية الثورة والتحرر: الجبل ومفهوم “البيشمركة”
مع حلول القرن العشرين وتصاعد حركات التحرر الوطني الكردية، تحول الجبل في الأدب من مجرد “ملجأ دفاعي” إلى “منطلق هجومي” وثوري. أصبح الجبل مرادفاً للثورة، وعريناً للمقاتل الكردي (البيشمركة — الذي يواجه الموت).
في الشعر الكردي الحديث، وتحديداً لدى رواد مثل عبد الله كوران، وفائق بيكس، ولاحقاً شيركو بيكس، يصبح الجبل كائناً حياً يشعر، ويتألم، ويقاتل مع الإنسان. يقول الشاعر الكبير شيركو بيكس في إحدى قصائده ما معناه:
“إذا ماتت لغتي سيموت جبل قنديل
وإذا انهار الجبل فلن يتبقى كردي على وجه الأرض.”
هنا يدمج بيكس بين الجبل واللغة والهوية في ثالوث وجودي واحد لا يقبل التجزئة.
الجبل في أدب الثورة الكردية ليس حجراً أصم، بل هو شريك في الخندق، يمد المقاتلين بالماء والكلأ، ويخفيهم بضباب الصباح عن عيون الطائرات والملاحقين.
الجبل في الرواية الكردية الحديثة: من الواقعية إلى الأسطورة

في السرد الروائي الكردي، تعمق حضور الجبل ليتحول إلى فضاء سيكولوجي ممتد. نجد هذا بوضوح في أعمال الروائي الكردي يشار كمال (الذي كتب بالتركية لكنه نقل الروح الكردية). في روايته الملحمية “إنجه ممد” (ممد النحيل)، يهرب البطل إلى الجبل ليتحول من قروي مظلوم إلى متمرد يدافع عن حقوق الفقراء. الجبل عند يشار كمال هو المكان الوحيد الذي يمكن للإنسان فيه أن يستعيد كرامته المسلوبة.
أما في الرواية الكردية المعاصرة، مثل أعمال بختيار علي (رواية “موت الفتى الثاني” أو “غروب الفراشة”)، يتخذ الجبل بعداً صوفياً وفلسفياً. الجبل في عالم بختيار علي السحري هو فضاء العزلة الفكرية، المكان الذي يهرب إليه الفلاسفة والشعراء والعشاق لبناء يوتوبيا (مدن فاضلة) بعيداً عن وحشية الحروب والديكتاتوريات في السهول والمقاطعات. الجبل هنا يرمز إلى السمو الروحي والترفع عن صغائر الصراعات السياسية.
التحول الأنثروبولوجي: ثنائية الجبل/ السهل
يقوم الكثير من الأدب الكردي على ثنائية مكانية حادة: الجبل ضد السهل. الجبل: يمثل الحرية، والأصالة، والمقاومة، والصفاء الأخلاقي، أما السهل فيمثل الخضوع، والتبعية، والوقوع تحت سلطة الآخر (المركز الديكتاتوري)، وظهور الخيانة أو التخاذل (ما يعرف في الأدب السياسي الكردي بظاهرة “الجحوش” أو المتعاونين مع السلطة ضد أبناء جلدتهم).
هذا الاستقطاب الجغرافي- الأدبي يجعل من صعود الجبل في الرواية أو القصيدة الكردية بمثابة “فعل تطهري” أو رحلة بطل أسطورية يُعاد فيها صياغة الإنسان ليكون جديراً بالحرية.
الجبل في أدب الإبادة والأنفال
لم يكن الجبل دائماً رمزاً للنصر، بل كان أيضاً شاهداً على التراجيديا. في الأدب الذي توثق لجرائم “حملات الأنفال” والهجوم الكيميائي على حلبجة عام 1988، يظهر الجبل في صورة “الملاذ المخترق”. وقد كتب العديد من الأدباء الكُرد نصوصاً تقشعر لها الأبدان عن الجبال التي اختنقت أشجارها وينابيعها بالغازات السامة، وعن الممرات الجبلية الوعرة التي كانت تشهد موت الأطفال والشيوخ برداً وجوعاً أثناء الهجرات المليونية الجماعية (النزوح المليوني عام 1991).
في هذا السياق، يتحول الجبل إلى قاضٍ صامت، وشاهد تاريخي على مظلومية شعب، ورماد تذروه الرياح.
إن حضور الجبل في الأدب الكردي ليس مجرد استعارة جمالية أو ترف فني، بل هو شرط وجودي. لقد صهر الأديب الكردي ذاته في ذات الجبل، حتى غدا الجبل كردياً والغناء كردياً صاعداً من قمم إيفرست الروح الكردية.
ويبقى الجبل في هذا الأدب رمزاً يحمل ثنائيةً مدهشةً: هو الحصن الوعر القاسي الذي يرمز للموت والقتال والمشقة، وهو في الوقت نفسه الرمز الأسمى للأمل، والحرية، والحياة التي لا يمكن ترويضها أو كسرها.