انس الشيخ مظهر
تخيّل شخصًا يقود سيارته بلا رخصة ولا لوحات ولا فحص فني، ثم يقف عند نقطة تفتيش ليطالب سائقًا مرخصًا بتسليم مفاتيح سيارته لأنها “خطر على الطريق”. هذا بالضبط المنطق الذي انطلقت منه كتائب حزب الله حين اشترطت، ضمن شروطها لمناقشة سلاحها، أن تنزع البيشمركة سلاحها هي. طرف لا يملك رخصة ولا لوحة ولا فحصًا – لا هيكلية معلنة، ولا قيادة واضحة، ولا خضوعًا فعليًا لقرار الدولة – يطلب من مؤسسة مرخصة ومعترف بها أن تتخلى عن سلاحها. المفارقة ليست تفصيلًا هامشيًا في الموضوع، هي كل الموضوع.
والمشكلة هنا ليست مع كتائب حزب الله وحدها، فهي مجرد من رفع الصوت بهذا الشرط أخيرًا. المشكلة أعمق وأوسع، وتشمل منظومة الفصائل المسلحة في العراق ككل، التي تشترك جميعها في المنطق نفسه: كل سلاح خارج جسدها هو سلاح يستحق النزع، وكل سلاح بيدها هو “ضرورة وطنية” لا تُناقش. فحين تتحول هذه الفصائل من طرف يُطالَب بتسليم سلاحه إلى طرف يُصدر الأحكام على سلاح غيره، فإننا لم نعد أمام نقاش حول فوضى السلاح في العراق، بل أمام قلب كامل للأدوار ومشهد منفلت مفاده ان من يفترض أن يكون موضوع مساءلة وحساب يتحول إلى قاضٍ يوزّع صكوك الشرعية على الآخرين.
ولكي نفهم حجم تفاهة هذه المطالبة، يكفي أن نعرض الأسباب التي تجعلها لا تصمد أمام أي اختبار منطقي:-
1. البيشمركة وزارة رسمية بمقرات معلنة وقيادات معروفة وموازنة يمكن تتبعها، بينما تتحرك أغلب الفصائل المسلحة في الظلام بهيكلية شبه سرية، لا يُعرف بدقة حجمها الحقيقي ولا مصادر تمويلها ولا من يصدر لها الأوامر فعليًا…لذلك فأن مطالبة من يرفض الكشف عن نفسه بأن يتعرى غيره من سلاحه، ليس موقفًا، بل وقاحة سياسية.
2. كردستان ليست شارعًا صغيرًا يمكن إخلاؤه من الحراسة يومًا ثم العودة إليه لاحقًا، بل حدود طويلة ووعرة مع دول الجوار، ومناطق كانت حتى الأمس القريب ملعبًا لتنظيم داعش. من يطالب بنزع سلاح القوة الموجودة فعليًا على هذه الجغرافيا، مطالب أولًا أن يقول من سيحل محلها، لا أن يكتفي بشعار جميل عن “حصر السلاح بيد الدولة” بينما يترك فراغًا أمنيًا حقيقيًا خلفه.
3. البيشمركة قوة دفاعية محلية، مهمتها محصورة بحماية أرضها وحدودها، ولم تُعرف يومًا بالقتال خارج العراق. بينما تتبنى غالبية الفصائل المسلحة عقائد تتجاوز الحدود العراقية بوضوح، وترتبط بأجندات إقليمية أبعد بكثير من الدفاع عن الوطن. فكيف تتحول القوة التي لا تغادر حدودها إلى “مشكلة”، بينما يُصوَّر من يقاتل خارج بلده لاجندات خارجية على أنه بريء من التهمة نفسها؟
4. البيشمركة لم تُنشأ بقرار خارجي مثل الفصائل المسلحة ولا بقرار حزبي أو حكومي عابر، بل تشكّلت قبل عقود طويلة كتعبير عن إرادة شعب كردستان بأكمله في الدفاع عن وجوده، قبل أن يكون هناك دستور عراقي دائم أو إقليم فيدرالي معترف به أصلًا. هذا يمنحها ثلاث طبقات من الشرعية دفعة واحدة: شرعية شعبية نابعة من إرادة جماعية امتدت لأجيال، وشرعية ثورية بوصفها استمرارًا لتاريخ طويل من مقاومة الأنظمة الاستبدادية، وشرعية دستورية لأن الدستور العراقي نفسه نصّ صراحة على وجودها كقوة أمنية للإقليم. أي فصيل وُلد لاحقًا وفي ظرف مختلف تمامًا، لا يملك أن يطلب من هذه القوة أن تحل نفسها.
5. البيشمركة تتعامل مع التحالف الدولي وحلف الناتو كشريك ميداني موثوق في الحرب على داعش، ولا تزال قنوات التدريب والتنسيق بينه وبين جيوش عالمية عدة قائمة حتى اليوم. وقبل ايام كانت وزارة البيشمركة حاضرة في اجتماع امني اقليمي في الاردن مع وزارات الدفاع العراقية والسورية والاردنية، بصفتها طرفًا رسميًا معترفًا به دوليًا، لا فصيلًا يحتاج إلى شهادة حسن سلوك من أحد.
6. إذا كان هناك فعلًا إشكال دستوري أو قانوني في وضع البيشمركة، فهناك حكومة وبرلمان ومحكمة اتحادية، وهذه هي الجهات المخوّلة بالنظر في الأمر – لا فصيل مسلح يقرر بمفرده مصير قوة أخرى. فمن يملك السلاح ويتصرف وكأنه يملك سلطة الدولة أيضًا، لا يدافع عن سيادة الدولة، بل يستولي عليها بصمت.
7. لا توجد دولة تحترم نفسها تجعل السلاح مشروعًا حين يحمله حلفاؤها وخطرًا حين يحمله من يخالفها الرأي. إما أن يكون المعيار واحدًا للجميع، أو أن كل الحديث عن “حصر السلاح بيد الدولة” مجرد شعار فارغ يُرفع وقت الحاجة ويُطوى بعدها.
8. النتيجة العملية لهذه المطالبة ليست حل أزمة السلاح، بل فتح جبهة جديدة نحن في غنى عنها سواء بغداد او اربيل , وهذا ديدن هذه الفصائل المنفلتة والتي تعتاش على اثارة المشاكل داخل العراق لاجندات اقليمية تصب في مصلحة الطرف الاقليمي الذي يدعم هذه الفصائل.
9. لو كان المبدأ حقيقيًا، لكان الموقف بسيطًا , فالدولة هي من تقرر من يمتلك السلاح ومن ينزعه . أما أن تضع الفصائل شروطًا مسبقة لنزع سلاحها، وتطالب في الوقت نفسه بنزع سلاح غيرها، فهذا ليس تسليمًا للدولة، بل تفاوضا معها من موقع القوة – وهو بالضبط ما يعاني منه العراق ازاء هذه الفصائل .
ان رفض الفصائل لنزع سلاحها لا يمكن اعتباره موقفا ذاتيا نابعا منها , بل هو ضرورة تفرضها تداعيات الصراع القائم بين امريكا واسرائيل من ناحية وايران واذرعها من ناحية اخرى … اذا ليس فقط نشوء هذه الفصائل كانت باوامر خارجية بل حتى الاصرار على بقائها هو باوامر خارجية لا علاقة له بالمصلحة العراقية الداخلية بل ويتعارض معها , مما يجعل نزع سلاحها ضرورة وطنية لا بد منها.