محمد الكعبي
تُعدّ العلاقات بين الدول المتجاورة من أكثر
العلاقات الدولية تعقيدا وحساسية؛ فالجغرافيا تفرض على هذه الدول نوعا من التفاعل
الدائم، فلا تستطيع دولة أن تغيّر موقعها، ولا
تستطيع أن تختار جيرانها، ولذلك يصبح حسن إدارة العلاقة مع الدول المحيطة بها
ضرورة استراتيجية، وليس مجرد خيار سياسي.
الدول المتجاورة قد تجمعها المصالح
والتاريخ والثقافة، والدين، واللغة، والروابط الاجتماعية، كما قد تفصل بينها
الخلافاتً السياسية، والتنافس الاقتصادي
والمصالح المتعارضة، والحدود، والمياه، والأمن، واختلاف الرؤى والأيديولوجيات، ومن هنا
فإن نجاح العلاقات بين الدول لا يقوم على التشابه الكامل، وإنما على القدرة على إدارة
الاختلاف وتحويل المصالح المتعارضة إلى مساحات للتفاهم والتعاون من خلال.
أولا: الجغرافيا أساس العلاقة: الجوار الجغرافي
عامل لا يمكن تجاهله في العلاقات الدولية, فالدولة التي تشترك مع دولة أخرى في
حدود طويلة، أو في أنهار وممرات ومنافذ تجارية، ستكون مضطرة إلى بناء علاقة معها،
سواء كانت هذه العلاقة إيجابية ام سلبية، ولهذا فإن الجغرافيا قد تكون مصدر قوة
إذا احسن الطرفان استثمارها، وقد تتحول إلى
مصدر توتر اذا غابت الحكمة السياسية، فالدول المتجاورة تستطيع أن تحول الحدود من خطوط
للفصل إلى جسور للتجارة والاستثمار والسياحة
والتواصل الإنساني، كما تستطيع أن تجعل من موقعها الجغرافي عاملا للتكامل
الاقتصادي بدل أن يكون سببا للصراع.
ثانيا: المصالح المشتركة: المصلحة هي إحدى
اكثرالقواعد ثباتا في العلاقات بين الدول، فحتى الدول التي تختلف في الثقافة أو النظام
السياسي أو التوجهات الفكرية يمكن أن تتعاون عندما تجد أن هناك مصالح مشتركة، وقد
تكون هذه المصالح اقتصادية، مثل التجارة والاستثمار والطاقة والنقل، أو أمنية، مثل
مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وحماية الحدود، أو اجتماعية، مثل تنظيم حركة
المواطنين وحماية الجاليات، والعلاقات الناضجة لا تقوم على السؤال: ماذا أريد أنا
فقط؟، وإنما على سؤال أكثر عقلانية: ماذا نريد معا؟ فالمصلحة المشتركة عندما تصبح
اكبر من نقاط الخلاف، تتحول إلى قاعدة للاستقرار.
ثالثا: الثقافة والتاريخ: الثقافة والتاريخ
عنصران مهمان في بناء العلاقات بين الشعوب والدول، فالروابط الثقافية والدينية
واللغوية والاجتماعية تستطيع أن تصنع جسورا عميقة بين الشعوب، لكنها في الوقت نفسه
قد تتحول إلى مصدر للتوتر إذا استُخدمت سياسيا لتبرير التدخل في شؤون الآخرين، ولهذا
ينبغي التمييز بين التواصل الثقافي والتوظيف السياسي للثقافة، فمن حق الدول أن
تعتز بتاريخها وثقافتها وهويتها، لكن ليس من حقها أن تستخدم هذه الروابط ذريعة
للهيمنة أو التدخل في القرار الوطني لدولة أخرى.
إن احترام هوية الآخر لا يعني التخلي عن
الهوية الوطنية، كما أن الاعتزاز بالخصوصية الثقافية لا ينبغي أن يتحول إلى عداء للآخر.
رابعا: اختلاف الأفكار والأنظمة السياسية: قد
تتجاور دولتان تجمعهما الحدود، لكن تختلفان في النظام السياسي أو الرؤيةالاقتصادية او
التوجهات الفكرية، وهذا الاختلاف ليس
بالضرورة سببا للحرب، إن المشكلة لا تكمن في
وجود الاختلاف، وإنما في طريقة التعامل معه، فالعلاقات الدولية لا تحتاج إلى تطابق
الأفكار بقدر حاجتها إلى احترام السيادة، وعدم التدخل، والاعتراف بالمصالح المتبادلة
، واللجوء إلى الحوار عند ظهور الخلافات، فالدولة القوية ليست التي تفرض افكارها على جيرانها، وإنما التي تستطيع حماية مصالحها وبناء علاقات متوازنة دون الدخول
في صراعات غير ضرورية.
خامسا: التنازع والمصالح المتعارضة: ليس من
الواقعي الاعتقاد بأن الدول المتجاورة يمكن أن تتفق في كل شيء، فهناك دائما ملفات
قابلة للخلاف: الحدود، المياه، الطاقة، التجارة، الأمن، النفوذ الإقليمي، والمصالح
الاقتصادية، والخلاف في حد ذاته ليس مشكلة؛ فالمشكلة تبدأ عندما يتحول الخلاف إلى
عداء دائمً وهنا تظهر أهمية الدبلوماسية والتفاوض والوساطة والاتفاقيات الثنائية والإقليمية، فالدولة التي تمتلك مؤسسات تفاوضية قوية تستطيع إدارة خلافاتهادون
تحويلها إلى أزمات مفتوحة.
إن السياسة الحكيمة لا تعني غياب المصالح
المتعارضة، وإنما تعني إدارة هذه المصالح بطريقة تمنع تحولها إلى صراع.
سادسا: مبدأ عدم التدخل واحترام السيادة: من
اهم أسس العلاقات السليمة بين الدول المتجاورة احترام سيادة كل دولة واستقلال
قرارهاالوطني، فالدولة تستطيع أن تدافع عن مصالحها، وأن تبني تحالفاتها، وأن تتعاون مع
الآخرين، لكنها عندما تتدخل في الشؤون الداخلية لجيرانها، فإنها تفتح الباب أمام
ردود أفعال مقابلة، وقد تتحول العلاقة من التعاون إلى الصراع، لذلك فإن احترام
السيادة ليس مجرد مبدأ قانوني، بل هو أيضا مصلحة متبادلة؛ لأن الدولة التي تطالب
الآخرين باحترام سيادتها ينبغي أن تحترم سيادةالآخرين.
سابعا: الأمن المتبادل: الأمن بين الدول
المتجاورة لا يمكن أن يكون منفصلا تماما؛ فاضطراب دولة ما غالبا ما ينعكس على
جيرانها عبر الحدود والهجرة والاقتصاد والجريمة والسلاح والإرهاب، ومن هنا فإن
الأمن الحقيقي لا يتحقق دائما من خلال زيادة القوة العسكرية فقط، وإنما من خلال
بناء منظومة أمنية مشتركة تقوم على تبادل المعلومات، وضبط الحدود، ومكافحة
الجريمة، وحل الأزمات قبل تفاقمها، فالجار المستقر يمثل مصلحة لجاره، والجار
المضطرب قد يتحول إلى مصدر تهديد له.
ثامنا: الاقتصاد بوصفه أداة للسلام: من أقوى
الأدوات التي يمكن أن تستخدمها الدول المتجاورة لتقليل التوتر توسيع المصالح
الاقتصادية المشتركة، فكلما أصبحت هناك مشاريع مشتركة، وطرق وموانئ وخطوط نقل
وطاقة واستثمارات وتبادل تجاري، أصبحت تكلفة الصراع أعلى على الطرفين، وهنا يتحول
الاقتصاد من مجرد وسيلة لتحقيق الأرباح إلى أداة لبناء الاستقرار السياسي،
فالمصلحة الاقتصادية المتبادلة لا تمنع الخلافات تماما، لكنها تجعل الحوار أكثر
فائدة من القطيعة والصراع.
تاسعا: القوة والحكمة: لا يمكن للدول أن تبني
علاقاتها على حسن النوايا وحدها، كما لا تستطيع أن تبنيها على القوة وحدها, فالقوة
ضرورية لحماية المصالح والسيادة، لكن الحكمة ضرورية لاستخدام القوة في المكان
والزمان المناسبين، والدولة التي تمتلك القوة ولا تمتلك الحكمة قد تدخل في صراعات
تستنزف مواردها، أما الدولة التي تجمع بين القوة والحكمة، فتستطيع أن تجعل من
قوتها وسيلة للردع وحماية المصالح، لا وسيلة لإنتاج الأزمات.
عاشرا: منطق الجوار الصعب إلى شراكة الجوار:
ان الدول المتجاورة أمام خيارين: إما أن تنظر إلى الجغرافيا بوصفها مصدرا دائما
للخطر، وإما أن تحولها إلى فرصة للتعاون.
والخيار الثاني هو الأكثر عقلانية: فبدل أن
تكون الحدود مناطق عسكرية مغلقة، يمكن أن تتحول إلى مناطق اقتصادية وتنموية، وبدل
أن يكون الاختلاف الثقافي سببا للتنازع، يمكن أن يصبح وسيلة للتبادل والتكامل،
وبدل أن تكون المصالح المتعارضة مقدمة
للصراع، يمكن إدارتها عبر التفاوض
والأتفاقات ،وهذا يحتاج إلى رجال دولة يمتلكون رؤية بعيدة المدى، فلا ينظرون إلى
العلاقات الدولية بمنطق ردود الأفعال الآنية، ولا يجعلون الخلاف السياسي المؤقت ينسف مصالح الشعوب الممتدة لعقود.
العراق وجيرانه:
وفي الحالة العراقية تحديدا، تكتسب هذه
المبادئ أهمية استثنائية؛ فالعراق يقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية
متعددة وله حدود مع عدد من الدول، كما يمتلك موقعا جغرافيا مهما وموارد طبيعية وبشرية كبيرة،
ومن مصلحة العراق أن يبني علاقاته مع دول الجوار على قاعدة واضحة تقوم على:
احترام السيادة، وعدم التدخل، والمصالح
المتبادلة، والتعاون الاقتصادي، والشراكة المنضبطة وحماية الحدود، وحل الخلافات
بالحوار وعدم تحويل العراق إلى ساحة للصراع بين الآخرين، وفي المقابل، فإن على دول
الجوار ان تدرك أن العراق المستقر والقوي اقتصاديا وأمنيا يمثل مصلحة لها، وليس تهديدا لها.
ان استقرار العراق ينعكس على استقرار
المنطقة،وازدهاره يمكن أن يفتح أسواقا وممرات تجارية وفرصا استثمارية واسعة أمام جيرانه.
إن العلاقات بين الدول المتجاورة ليست علاقة
حب أو كراهية، وليست قائمة على التشابه أو الاختلاف وحدهما، وإنما هي إدارة ذكية
للمصالح والاختلافات التي تفرضها الجغرافيا والتاريخ والثقافة والسياسة، وقد تختلف
الدول في الأفكار، وتتباين في الأنظمة، وتتعارض في بعض المصالح، لكنها تستطيع أن
تتفق على قواعد تمنع الخلاف من التحول إلى صراع.
والقاعدة الذهبية في العلاقات بين الجيران ان
نعي انه لا يمكن تغيير الجغرافيا، لكن يمكن تغيير طريقة التعامل معها، فالدول الحكيمة
لا تبحث عن جار مطابق لها في الفكر والثقافة والمصالح، بل تبحث عن علاقة متوازنة
تجعل الاختلاف قابلا للإدارة، والمصلحة قابلة للتشارك، والخلاف قابلا للحل.
إن قوة العلاقات بين الدول لا تقاس بعدد
الاتفاقيات الموقعة فقط، وإنما بقدرتها على منع التنازع، وحماية المصالح، واحترام
السيادة، وصناعة السلام، وتحويل الجوار من
مصدر للقلق إلى فرصة للتنمية والاستقرار.