جورج منصور
تُعدّ رواية “حصار العنكبوت” للروائي العراقي كريم كطافة من الأعمال التي تبرز في المشهد الروائي العراقي المعاصر، ولا سيما في الكتابة التي تسعى إلى استعادة الذاكرة السياسية والإنسانية للعراق الحديث. وقد صدرت الرواية في طبعتها الأولى سنة 2014 عن دار نون، مستندة إلى واحدة من أكثر التجارب قسوة التي عاشها العراقيون في كردستان العراق خلال السنوات الأخيرة من الحرب العراقية ـ الإيرانية، وبخاصة أحداث الأنفال في منطقة بهدينان. غير أن الرواية لا تكتفي باستحضار هذه الوقائع بوصفها أحداثاً تاريخية، وإنما تعمل على إعادة صياغتها في تجربة أدبية وإنسانية تكشف آثار العنف والحصار والملاحقة في حياة الإنسان.
تجري أحداث الرواية في كردستان العراق سنة 1988، في مرحلة اتجه فيها النظام العراقي إلى ملاحقة الأنصار الشيوعيين والقوى المعارضة الموجودة في المناطق الجبلية، بالتزامن مع عمليات عسكرية واسعة لم تقتصر آثارها على المقاتلين، بل امتدت إلى القرى والسكان المدنيين. وتولي الرواية اهتماماً خاصاً بالمرحلة الأخيرة من عمليات الأنفال في منطقة بهدينان، حيث تتقاطع الحرب مع حياة أناس وجدوا أنفسهم في مواجهة مصير بالغ القسوة.
لكن القيمة الحقيقية للرواية لا تنبع من كونها تسجيلاً لحدث تاريخي فحسب، إذ إن كطافة لا يتعامل مع التاريخ بوصفه أرشيفاً من التواريخ والأسماء والوقائع، بل يحوّله إلى تجربة إنسانية نابضة بالحياة. فالحرب هنا لا تظهر كحدث عسكري مجرد، وإنما تتجسد في الخوف والجوع والتشرد والمطاردة، وفي ألم فقدان الأحبة، وفي إحساس الإنسان بالعجز حين يجد نفسه محاصراً بين طبيعة جغرافية قاسية وقوة عسكرية لا تتردد في استخدام أقصى درجات العنف.

ومن هذا المنظور، تقترب الرواية من أن تكون شهادة أدبية على مرحلة شديدة الحساسية، كان الحديث عنها محفوفاً بالخوف والصمت. وقد استطاع الكاتب أن ينقل تجربة الكفاح المسلح وحياة الأنصار من واقعها التاريخي إلى عالم الرواية، مستفيداً من معرفته القريبة بتلك التجربة وما تنطوي عليه من تفاصيل إنسانية ونفسية.
ويحمل عنوان الرواية دلالة مركزية تساعد على فهم بنيتها ومعناها. فـعبارة “حصار العنكبوت” لا تؤدي وظيفة جمالية أو بلاغية فحسب، وإنما تحيل إلى أسلوب عسكري يقوم على إحكام الطوق حول المحاصرين من جهات متعددة، بحيث تتقلص مساحة الحركة تدريجياً ويصبح الإفلات من الحصار أمراً بالغ الصعوبة.
وتتجاوز هذه الصورة معناها العسكري لتأخذ أبعاداً رمزية أوسع. فالعنكبوت لا يعتمد على القوة المباشرة في اصطياد فريسته، وإنما يبني شبكة من الخيوط المتشابكة التي تبدو رقيقة، لكنها تتحول إلى وسيلة يصعب معها الهروب. وعلى هذا الأساس، يصبح الحصار في الرواية رمزاً لعالم متكامل تتداخل فيه السلطة والخوف والموت والجغرافيا، بينما تتضاءل مساحة الإنسان وحريته شيئاً فشيئاً.
ومن الجوانب اللافتة في الرواية أيضاً طريقة بناء الشخصيات. فكطافة لا يقدم شخصياته باعتبارها مجرد مقاتلين أو مناضلين يمثلون موقفاً سياسياً محدداً، بل يمنحها حضوراً إنسانياً مركباً. إنهم، قبل كل شيء، بشر لهم مخاوفهم ومشاعرهم وذكرياتهم وأحلامهم، ويبحثون رغم ظروف الحرب عن معنى للحياة وعن إمكانية لمستقبل مختلف. ولذلك فإن القارئ لا يتعامل معهم بوصفهم رموزاً سياسية فقط، وإنما يقترب منهم بوصفهم ذوات إنسانية تواجه الخوف والفقد والموت.
ومن هنا تطرح الرواية سؤالاً أساسياً حول علاقة الأدب بالتاريخ: كيف يمكن للروائي أن يتناول حدثاً تاريخياً حقيقياً من دون أن يتحول عمله إلى كتاب في التاريخ؟
يبدو أن كريم كطافة اختار لنفسه موقعاً بين التوثيق والتخييل. فهو ينطلق من أحداث ووقائع تاريخية حقيقية، لكنه يعيد بناءها أدبياً من خلال الشخصيات والحوار والذاكرة والانفعالات الإنسانية. وبذلك لا تصبح أهمية “حصار العنكبوت” مرتبطة فقط بما تقدمه من معلومات عن أحداث الأنفال، وإنما بما تنجح في إيصاله من أثر تلك الأحداث في الإنسان، وفي قدرته على الاحتمال والتذكر ومواجهة الخوف.
إن أكثر ما استوقفني في الرواية هو الفصل المعنون “أخبار موسكو مقلقة”. إذ ليس من السهل أن نقرأ النص بوصفه حكاية عن مقاتلين في الجبل وحسب. فالمكان الجبلي، والمفرزة، والحرب، والاختباء، والعلاقة مع السلطة، ليست سوى الإطار الخارجي لأزمة أعمق تتشكل في الداخل: أزمة الإنسان حين يبدأ اليقين الذي عاش عليه طويلاً بالتصدع. ومن هذه الزاوية، يبدو النص أقرب إلى مساءلة داخلية للذات المقاتلة منه إلى سرد حدث سياسي أو عسكري.
تبدأ الحكاية من عزلة حاتم تحت صخرة بعيدة عن القاعدة. في هذا المكان المنعزل يجد الرجل، للمرة الأولى تقريباً، فسحة ليكون مع نفسه. الكتب والدفاتر والشاي والتبغ والنار الصغيرة تصبح جميعاً عناصر في طقس شخصي لاستعادة الذات. حتى أصوات القاعدة تصل إليه خافتة، بينما يتحول هدير الجدول إلى “همس العشاق”. الطبيعة هنا ليست مجرد خلفية للمشهد؛ إنها فضاء مضاد لعالم الجماعة، وشرط ضروري لكي تبدأ الأسئلة التي لا يستطيع الإنسان طرحها وسط الآخرين.
ومن هذه الخلوة يعود حاتم إلى حديثه السابق مع دلير، مساعده السياسي. لكن أهمية دلير في النص لا تنبع من كونه شخصية قررت الاستسلام، بل من كونه الشخص الذي نقل الشك من منطقة الشعور الغامض إلى منطقة السؤال الصريح. يبدأ الأمر بسؤال يبدو بسيطاً: “هل ما زلت مؤمناً بأفكارنا؟”. غير أن السؤال يفتح دفعة واحدة ملفات العقيدة كلها: الاشتراكية، والماركسية، والصراع الطبقي، وقدرة الفقراء على تحرير أنفسهم، وطبيعة النظام السياسي، بل وطبيعة الصراع ذاته.
هنا ينتقل النص من الحرب بوصفها فعلاً خارجياً إلى الحرب بوصفها صراعاً داخل الوعي.
فالذي يهدد دلير وحاتم لم يعد العدو وحده، وإنما احتمال أن يكون تفسيرهما للعالم نفسه ناقصاً أو خاطئاً. ولهذا تأتي “أنباء موسكو” بوصفها لحظة فاصلة. فالمجلة لا تحمل إليهم أخباراً جديدة عن بلد بعيد فقط، بل تحمل إليهم صورة مختلفة عن النموذج الذي تشكل وعيهم عليه. والحديث عن الفساد والاستبداد والجرائم وغياب الحريات، ثم ظهور مفاهيم مثل “البيروسترويكا” و”الغلاسنوست”، يجعل المقاتلين أمام سؤال لم يكن سهلاً عليهم مواجهته: ماذا يبقى من الإيمان حين تتصدع صورة المثال؟
ولا يكتفي دلير بنقد الأخطاء في التطبيق، بل يذهب إلى أصل النظرية، متسائلاً إن كانت المشكلة كامنة في النظرية الماركسية نفسها. وهنا تكمن جرأة الشخصية؛ فهو لا يريد استبدال خطأ بخطأ، وإنما يحاول إعادة النظر في المنظومة التي صنعت يقينه طوال سنوات. وفي المقابل، يبدو حاتم أقل استعداداً للذهاب إلى النهاية التي ذهب إليها رفيقه. إنه يفهم بعض الأسئلة، وربما تراوده بعض الشكوك نفسها، لكنه لا يستطيع تحويل الشك إلى موقف.
وهذه المنطقة تحديداً تمنح علاقة الرجلين بعدها المأساوي. فحاتم لا يواجه دلير باعتباره خصماً فكرياً؛ إنه يرى في كلامه شيئاً من نفسه. لذلك يكون خوفه عليه أكبر من خوفه من أفكاره. إنه يخشى أن يكون دلير مقبلاً على فعل يعرض حياته للخطر، وفي الوقت نفسه يشعر أن ما يقوله رفيقه قد يكون صحيحاً في بعض جوانبه. ومن هنا يبدأ التمزق الحقيقي.
إن أخطر ما يحدث في النص هو أن الأسئلة السياسية تتحول تدريجياً إلى أسئلة أخلاقية ووجودية. لماذا تقاتل الحكومة بالسلاح السوفييتي؟ لماذا تقف قوى مختلفة مع صدام؟ ما طبيعة العلاقة مع إيران؟ هل يمكن أن يتحول المقاتل، من حيث لا يريد، إلى جزء من مشروع يخالف ما يعتقده؟ وما معنى التحالف حين يصبح السكوت عن الخلافات جزءاً من شروطه؟
هذه الأسئلة لا تبحث فقط عن معلومات، وإنما تبحث عن معنى الفعل. فالمقاتل يستطيع أن يواصل القتال ما دام يعرف من يقاتل ولماذا يقاتل. أما عندما يصبح “لماذا” موضع شك، فإن السلاح نفسه يفقد جزءاً من يقينه.
من هنا يمكن فهم قرار دلير بالاستسلام بعيداً عن القراءة السطحية التي تختزله في الجبن أو الخوف. فالنص لا يقدم الرجل بهذه الصورة. على العكس، يترك لنا شخصاً مثقفاً وقادراً ومخلصاً لما يراه حقيقة، ثم يدفعه الصراع الداخلي إلى اتخاذ قرار بالغ الخطورة. والأهم أن الرسالة التي يتركها لحاتم لا يقول فيها إنه انتصر أو إنه وجد الحقيقة النهائية، وإنما يكتب: “لا تخافوا مني سأبقى إنساناً”.
هذه الجملة القصيرة هي إحدى أكثر عبارات النص كثافة. فهي تضع “الإنسان” في مواجهة “المقاتل”، وتطرح سؤالاً ضمنياً: هل يصبح الإنسان أقل إنسانية إذا تراجع عن القتال؟ أم أن الإنسان قد يحتاج أحياناً إلى التراجع لكي يحافظ على ما تبقى من إنسانيته؟
النص لا يجيب. وهذه إحدى نقاط قوته.
بل إن السؤال ينتقل من دلير إلى حاتم بعد رحيله. وهنا تبدأ الرحلة الداخلية الأهم في المقطع. يحاول حاتم إعادة ترتيب الواقع: يغير الكهف، ويلغي الشحنات، ويوقف خطط الاستطلاع، وكأنه يستطيع أن يعيد العالم إلى ما كان عليه قبل حادثة دلير. لكنه يكتشف أن الأمر لم يعد ممكناً. فالمكان يمكن تغييره، والخطط يمكن إلغاؤها، لكن السؤال الذي زرعه دلير في داخله لا يمكن إلغاؤه.
لذلك يلجأ حاتم إلى دفتره. الكتابة هنا ليست نشاطاً أدبياً عابراً، بل تصبح وسيلة لاكتشاف الذات. هو يكتب لكي “يفك ذلك التشابك الحاصل في رأسه”، وكأن الورقة تتحول إلى مساحة لممارسة التفكيك النفسي الذي لا يستطيع ممارسته في الواقع.
وهنا يصل النص إلى أكثر مناطقه عمقاً: الخوف من الموت.
كان حاتم خائفاً من الموت طوال حياته، لكنه كان قادراً على التعامل مع هذا الخوف. كان الخوف جزءاً من تجربة القتال، بل كان يؤدي وظيفة معينة: يحذره، ثم ينسحب حين تبدأ المعركة. يقول إنه ما إن تطلق الرصاصة الأولى حتى ينسى خوفه وينسى نفسه وكل شيء إلا الهدف.
لكن الخوف بعد حادثة دلير أصبح مختلفاً. لم يعد خوفاً يساعده على القتال، بل صار خوفاً يواجهه بذاته. الموت الذي كان موجوداً دائماً لكنه مهمش، “كالحاضر الغائب”، أصبح فجأة مرئياً وماثلاً أمامه.
وهنا تأتي صورة الكلب الأبلق بوصفها واحدة من أقوى الصور الرمزية في النص. فالموت يتحول إلى كائن يجلس قبالته، يحدق فيه، وينتظر منه أن يفهم شيئاً لا يزال عاجزاً عن فهمه. لقد انتقل الموت من هامش الوعي إلى مركزه.
والأهم أن حاتم لا يخاف الموت وحده؛ إنه يخاف المعنى الذي صار يحمله الموت.
فحين يستدعي حكمة الساموراي عن أن الشجاعة ليست مجرد الاندفاع إلى الموت، بل معرفة متى يكون الصواب أن تحيا ومتى يكون الصواب أن تموت، يجد نفسه أمام سؤال أكثر صعوبة: كيف يعرف الإنسان الصواب أصلاً؟ ومن يمنحه القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ؟
هنا ينهار آخر يقين بسيط.
لقد كان حاتم يعرف طوال سنوات أن الشجاعة تعني الإقدام، وأن الصلابة تعني الاستمرار، وأن المقاتل الحقيقي لا يتراجع. لكنه الآن يكتشف أن هذه المفاهيم قد تكون في جانب منها مجرد قناع. يقول بوضوح: “البسالة، الصلابة، الاقدام، الشجاعة”. هذه هي ملامح قناعي. قناعنا جميعاً.
والقناع في النص ليس نفاقاً بالضرورة. إنه هوية صنعها الإنسان لكي يستطيع الاستمرار. لقد شكل الجبل قناع المقاتلين، كما شكلته الحرب والعدو والقصص والأساطير التي نسجوها حول أنفسهم. لكن المشكلة تبدأ عندما ينسى الإنسان أن القناع ليس وجهه الحقيقي.
ولهذا تأتي العبارة: “وأنا.. أين أنا. من أنا..؟” بوصفها الذروة الفلسفية للنص. فالسؤال لم يعد عن الاشتراكية ولا عن الحزب ولا عن الحرب ولا عن البعث ولا عن إيران. إنه سؤال الذات بعد سقوط المرجعيات التي كانت تمنحها تعريفها.
ومن هذه الزاوية يصبح دلير، حتى بعد غيابه، الشخصية الأكثر حضوراً في النص. لقد ذهب جسدياً، لكنه بقي داخل حاتم كسؤال مفتوح. لقد اختار قناعه الخاص، بينما اكتشف حاتم أن قناعه كان جماعياً. ولذلك فإن حادثة دلير لا تنتهي باستسلامه، بل تبدأ عند حاتم من تلك اللحظة.
المفارقة الكبرى أن حاتم، بعد كل هذا الاضطراب، ينتهي إلى جملة تبدو حاسمة: “دلير سلم نفسه لأعدائه. لا أغفر له”.
لكن هذه الجملة لا تعيد اليقين الذي كان موجوداً قبل رحيل دلير. إنها تبدو أشبه بمحاولة أخيرة لإغلاق الباب الذي فتحه السؤال. فحاتم قد لا يستطيع أن يرفض كل ما قاله دلير، لكنه يستطيع أن يرفض نتيجته. يستطيع أن يقول: أخطأتَ حين سلمت نفسك، حتى لو كانت بعض أسئلتك صحيحة.
وهنا تكمن مأساة الشخصية: العقل بدا بالشك، لكن الولاء لم يسمح له بالوصول إلى نهايات الشك.
لذلك فإن “أخبار موسكو مقلقة” ليست، في جوهرها، حكاية عن الاستسلام بقدر ما هي حكاية عن سقوط اليقين. وهي لا تسأل فقط: لماذا استسلم دلير؟ بل تسأل سؤالاً أشد قسوة: ماذا يحدث للإنسان الذي يكتشف أن القضية التي منحها شبابه وحياته ليست بالوضوح الذي ظنها عليه؟
يضع النص الإنسان بين خيارين كلاهما مؤلم: أن يستمر في ارتداء القناع كي يستطيع مواصلة الطريق، أو أن ينزعه ويواجه نفسه، وربما يواجه الموت أيضاً. وبين الخيارين يقف حاتم، لا منتصراً ولا منهزماً، وإنما إنساناً بدأ يرى الشقوق في القناع.
ومن هنا تأتي قوة النص الأدبية: إنه لا يمنح القارئ حكماً جاهزاً على دلير، ولا يحوّل حاتم إلى بطل يقيني في مواجهة الخائن، ولا يحسم الأسئلة السياسية التي أثارتها “أنباء موسكو”. إنه يتركها مفتوحة، لأن القضية في النهاية ليست العثور على جواب سريع، وإنما تصوير اللحظة التي يتحول فيها السؤال نفسه إلى عبء لا يستطيع الإنسان التخلص منه.
وإذا كان دلير قد قال: “سأبقى إنساناً”، فإن حاتم ينتهي إلى سؤال: “من أنا؟”. وبين العبارتين تتشكل المسافة المأساوية كلها: مسافة بين الإنسان والقناع، وبين الشجاعة والخوف، وبين الموت والحياة، وبين الإيمان الذي يصنع المقاتل والشك الذي يعيده، للمرة الأولى، إلى إنسانيته الفردية.
إن الرواية، في نهاية المطاف، لا تستعيد الماضي من أجل الماضي، بل تجعل من الذاكرة وسيلة لفهم الإنسان الذي عاش الحرب، ومن الأدب مساحة لاستعادة الأصوات التي كادت أن تضيع وسط العنف والتاريخ. ومن خلال هذا المزج بين الواقعة التاريخية والرؤية الإنسانية، تتحول “حصار العنكبوت” إلى عمل روائي يتجاوز حدود التسجيل، ليصبح مساءلة للذاكرة، وللعنف، ولقدرة الأدب على منح التجربة الإنسانية ما تستحقه من حضور وبقاء.
وفي النهاية، تطرح رواية “حصار العنكبوت” سؤالًا يتجاوز زمن أحداثها: ماذا يفعل الإنسان عندما تضيق حوله الدوائر حتى لا يبقى أمامه سوى خيط رفيع بين الحياة والموت؟ وربما هنا تحديداً تكمن قوة عنوانها؛ فالعنكبوت لا يمثل الحصار وحده، بل يمثل شبكة التاريخ التي تظل عالقة بالإنسان حتى بعد انتهاء الحرب.