مجالس المحافظات بين الإلغاء والتجميد

المحامي/ عرفان الداوودي

حدود السلطة التشريعية وحكم الدستور

عاد الجدل في العراق من جديد بشأن مستقبل مجالس المحافظات، بين من يطالب بتجميد أعمالها وموازناتها، ومن يطالب بإلغائها نهائياً، في ظل انتقادات واسعة لأدائها وما يترتب على وجودها من أعباء مالية وإدارية وسياسية.

وهنا لا بد من الفصل بين الموقف السياسي من أداء مجالس المحافظات وبين الحكم الدستوري والقانوني لوجودها؛ فضعف الأداء أو الفساد أو سوء الإدارة يمكن أن يكون سبباً للمساءلة والمحاسبة والحل وفق القانون، لكنه لا يعني تلقائياً إمكانية إلغاء مؤسسة نص الدستور على تنظيم انتخابها.

أولاً: هل وجود مجالس المحافظات دستوري؟ الإجابة الواضحة هي: نعم. فالدستور العراقي جعل المحافظات غير المنتظمة في إقليم جزءاً من النظام الاتحادي القائم على اللامركزية الإدارية. وتنص المادة (116) على أن النظام الاتحادي يتكون من العاصمة والأقاليم والمحافظات اللامركزية والإدارات المحلية.

أما المادة (122)، فقد منحت المحافظات صلاحيات إدارية ومالية واسعة وفق مبدأ اللامركزية، ونصت صراحة في فقرتها الرابعة على أن انتخاب مجلس المحافظة والمحافظ وصلاحياتهما ينظم بقانون، كما قررت الفقرة الخامسة استقلال مجلس المحافظة عن سيطرة أو إشراف الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة، وتمتعه بمالية مستقلة. (البرلمان العراقي⁠)

وهذا يعني أن مجلس المحافظة ليس مؤسسة أنشأها قانون عادي فقط حتى يستطيع المشرع إلغاءها بقانون عادي متى شاء، وإنما إن وجودها له أساس دستوري مباشر، بينما ترك الدستور للقانون مهمة تنظيم انتخابها وصلاحياتها ومدتها وآليات عملها.

وقد أكدت المحكمة الاتحادية العليا هذه المسألة بصورة صريحة في قرارها المتعلق بالدعوى 155/اتحادية/2019 وموحداتها، إذ قررت أن أصل وجود مجالس المحافظات هو الدستور، وأنها حقيقة دستورية لا يمكن تجاوزها، وأن إلغاءها بقانون يتعارض مع الدستور ومبادئ الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.

ثانياً: ماذا حدث عام 2019؟ لا يجوز الخلط بين ما حصل عام 2019 وبين إلغاء المؤسسة الدستورية نفسها. فقد شهد العراق احتجاجات شعبية واسعة طالبت بإصلاح النظام السياسي والإداري ومكافحة الفساد وتحسين الخدمات، وارتبطت المطالب كذلك بإنهاء عمل مجالس المحافظات آنذاك.

وقد تدخل المشرع بتعديل قانون انتخاب مجالس المحافظات والأقضية، وانتهى الأمر إلى وقف استمرار عمل المجالس التي كانت قد تجاوزت المدة المحددة لها، تمهيداً لانتخابات جديدة.

والمهم هنا أن المحكمة الاتحادية العليا فسرت تلك الواقعة بأنها لم تكن إلغاءً لوجود مجالس المحافظات كهيئة دستورية محلية، وإنما وقفاً لاستمرار المجالس التي انتهت مدتها الانتخابية، والعودة إلى إرادة الشعب عبر الانتخابات. (العراق FSC⁠)

وهذا التفريق جوهري جداً عند مناقشة أي مقترح جديد في عام 2026. فالمجلس المنتخب الذي انتهت مدته يختلف قانوناً ودستورياً عن مجلس منتخب جديد ما زالت مدته قائمة.

ثالثاً: هل يستطيع مجلس النواب إلغاء مجالس المحافظات نهائياً؟ من الناحية الدستورية، لا يستطيع مجلس النواب إلغاء أصل وجود مجالس المحافظات بقانون عادي.

فالسلطة التشريعية تستطيع تنظيم المؤسسة، وتعديل صلاحياتها وآليات انتخابها، ووضع الضوابط التي تمنع الفساد وسوء الإدارة، لكنها لا تستطيع أن تتجاوز النص الدستوري الذي جعل انتخاب مجلس المحافظة جزءاً من نظام اللامركزية الإدارية.

كما أن المادة (13) من الدستور تؤكد أن الدستور هو القانون الأعلى في العراق، وأن أي نص قانوني يتعارض معه يكون باطلاً. (البرلمان العراقي⁠) وبالتالي فإن الإلغاء النهائي يحتاج إلى معالجة دستورية، وليس مجرد تعديل عادي لقانون المحافظات. بل إن المحكمة الاتحادية العليا قالت بوضوح إن إلغاء تلك المجالس بقانون يتعارض مع الدستور ومبادئ الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة. (العراق)

رابعاً: وماذا عن تجميد أعمال مجالس المحافظات؟ هنا تكمن المسألة الأكثر تعقيداً. التجميد ليس هو الإلغاء، ولكن مجرد إطلاق تسمية “تجميد” لا يجعل الإجراء دستورياً تلقائياً.

فإذا كان المقصود بالتجميد تعطيل مجلس منتخب ومنعه من ممارسة اختصاصاته طوال مدة دورته الانتخابية، فإن ذلك قد يثير إشكالية دستورية جدية، لأن المجلس يستمد شرعيته من الانتخاب، والانتخاب هو أحد مظاهر ممارسة الشعب لسلطته.

أما إذا كان المقصود حل مجلس معين بسبب إخلال جسيم بواجباته أو مخالفته للدستور والقوانين، فهذه حالة مختلفة تماماً، لأن قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم رقم (21) لسنة 2008 المعدل وضع آلية قانونية للحل.

خامساً: ماذا يقول قانون المحافظات رقم 21 لسنة 2008؟ المادة (20) من القانون حددت حالات حل مجلس المحافظة، ومن بينها:

1. الإخلال الجسيم بالأعمال والمهام الموكلة إليه.
2. مخالفة الدستور والقوانين.
3. فقدان ثلث الأعضاء شروط العضوية.

كما أجاز القانون لمجلس النواب حل مجلس المحافظة بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، بناءً على طلب المحافظ أو طلب ثلث أعضاء المجلس، متى تحقق أحد الأسباب القانونية المحددة. كما منح المجلس المنحل أو ثلث أعضائه حق الاعتراض أمام المحكمة الاتحادية العليا. (دليل القوانين العراقية)

إذن، القانون لا يمنح سلطة مطلقة لحل مجلس المحافظة لمجرد وجود انتقادات سياسية أو شعبية، وإنما يشترط وجود أسباب قانونية محددة وإجراءات محددة وضمانة قضائية.

وهنا يجب التأكيد على قاعدة مهمة: المساءلة شيء، والحل شيء آخر، والتجميد الشامل شيء ثالث. لا يجوز تحويل النقد السياسي إلى عقوبة قانونية من دون سند تشريعي ودستوري واضح.

سادساً: هل الأزمة المالية تبرر تجميد المجالس؟ الأزمة المالية يمكن أن تكون سبباً لإعادة النظر في حجم الإنفاق الحكومي، لكنها وحدها لا تكفي بالضرورة لتعطيل مؤسسة دستورية منتخبة. فإذا كانت المشكلة هي كلفة مجالس المحافظات، فإن المعالجة القانونية يمكن أن تبدأ من:

* تخفيض النفقات غير الضرورية.
* تقليص المخصصات والمصاريف التشغيلية.
* ضبط الإنفاق المحلي.
* تشديد الرقابة المالية.
* منع استغلال المناصب.
* تفعيل هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية.
* محاسبة كل من يثبت ارتكابه فساداً أو هدراً للمال العام.

أما تعطيل مجلس منتخب لمجرد تقليل النفقات، فيحتاج إلى أساس دستوري وقانوني واضح، وإلا فإن القرار قد يكون عرضة للطعن أمام المحكمة الاتحادية العليا.

سابعاً: هل مجالس المحافظات فوق القانون؟ بالتأكيد لا. كون مجلس المحافظة مؤسسة ذات أساس دستوري لا يعني أنه فوق الرقابة والمحاسبة. بل إن قانون المحافظات جعل المجلس خاضعاً لرقابة مجلس النواب، كما أن قراراته وأعماله يجب أن تكون منسجمة مع الدستور والقوانين النافذة. (دليل القوانين العراقية⁠)

واللامركزية الإدارية لا تعني الانفصال عن الدولة، وإنما تعني توزيع الاختصاصات الإدارية والمالية بين السلطة الاتحادية والوحدات المحلية، مع بقاء الرقابة القانونية والإدارية والمالية.

وقد أكدت المحكمة الاتحادية أن الرقابة ركن أساسي من أركان اللامركزية الإدارية، وأن الاستقلال المحلي لا يعني الاستقلال المطلق عن الدولة. (العراق FSC⁠)

ومن هنا، فإن المجلس الذي يثبت ارتكابه مخالفة دستورية أو قانونية أو إخلالاً جسيماً بمهامه يجب أن يخضع للمساءلة وفق الإجراءات القانونية، لا أن يتحول إلى مؤسسة محصنة بحجة أنه منتخب.

ثامناً: الحل القانوني ليس بالضرورة الإلغاء إذا كان هناك إجماع سياسي وشعبي على أن تجربة مجالس المحافظات بصيغتها الحالية لم تحقق النتائج المطلوبة، فإن الطريق الصحيح ليس تجاوز الدستور، وإنما إصلاح النظام وفق الدستور.

يمكن لمجلس النواب إعادة النظر في قانون المحافظات، وتحديد الصلاحيات بصورة أكثر دقة، ومنع تداخل الاختصاصات بين المحافظ والمجلس، وتشديد قواعد الشفافية والإفصاح المالي، ووضع معايير صارمة للمساءلة، وتقليص النفقات، وإعادة تنظيم العلاقة بين المجلس والمحافظ والسلطة الاتحادية.

أما إذا كان الهدف هو إلغاء مجلس المحافظة من النظام السياسي العراقي بصورة نهائية، فالمسألة تتجاوز تعديل قانون عادي، لأنها تمس نصاً دستورياً يتعلق بانتخاب مجلس المحافظة، وبالتالي تحتاج إلى تعديل دستوري وفق الإجراءات المنصوص عليها في المادة (126) من الدستور. (البرلمان العراقي⁠)

تاسعاً: التجميد المؤقت قد يكون أخطر من الحل القانوني المفارقة أن التجميد غير المنضبط قانونياً قد يكون أكثر إشكالية من الحل الذي يتم وفق الأسباب والإجراءات التي حددها القانون.

فالحل، عندما تتوافر أسبابه القانونية، له طريق وإجراءات وحق في الاعتراض والاحتكام إلى القضاء، ثم تجرى انتخابات جديدة وفق القانون. أما التجميد الذي يعني إبقاء المجلس قائماً من الناحية الشكلية، ومنعه في الوقت نفسه من ممارسة صلاحياته، فقد يؤدي إلى خلق حالة قانونية غير واضحة: مجلس منتخب موجود، لكنه لا يمارس اختصاصاته، ومحافظ يمارس صلاحياته من دون الرقابة المحلية التي رسمها نظام اللامركزية.

وهنا قد تظهر مشكلة في مبدأ الفصل بين السلطات وتوازن الاختصاصات، فضلاً عن سؤال جوهري: ما السند الدستوري الذي يسمح بتعطيل مؤسسة منتخبة طوال مدة دورتها من دون إنهاء ولايتها وفق آلية قانونية محددة؟

عاشراً: الشعب هو الفيصل من أهم ما أكدته المحكمة الاتحادية العليا أن الانتخابات ليست مجرد إجراء شكلي، وإنما وسيلة لتجديد شرعية ممثلي الشعب، وأن استمرار المجالس المنتخبة بعد انتهاء مدتها يتعارض مع حق الناخب في اختيار ممثليه من جديد. (العراق FSC⁠) وهذا المبدأ يجب أن ينطبق في الاتجاهين:

فكما لا يجوز إبقاء مجلس انتهت مدته رغماً عن إرادة الناخبين، لا يجوز أيضاً تعطيل مجلس منتخب قبل انتهاء مدته إلا وفق سند دستوري وقانوني واضح.

فالانتخاب يمنح الشرعية، والقانون يحدد حدود ممارسة السلطة، والقضاء يحمي الدستور.

الخلاصة القانونية

إن الدعوة إلى إصلاح مجالس المحافظات أو تقليص نفقاتها أو محاسبة المقصرين حق مشروع ومطلب يمكن مناقشته سياسياً وشعبياً وقانونياً. لكن إلغاء مجالس المحافظات نهائياً بقانون عادي يبدو متعارضاً مع الاتجاه الصريح لقرار المحكمة الاتحادية العليا بشأن أصل وجود هذه المجالس دستورياً.

أما حل مجلس محافظة معين، فهو ممكن في الحالات والإجراءات التي حددها قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم، مع خضوع القرار للضمانات والطعون القانونية.

أما تجميد مجالس المحافظات المنتخبة للدورة الحالية بصورة جماعية، فهو المسألة الأكثر حساسية؛ لأنه ليس مرادفاً للحل، ولا توجد في النصوص التي تحكم المجالس صيغة عامة واضحة تجعل “التجميد” بديلاً مفتوحاً عن الولاية الانتخابية. ولذلك فإن أي قانون أو قرار بهذا الاتجاه سيكون قابلاً للنقاش والطعن الدستوري، خصوصاً إذا أدى عملياً إلى تعطيل مؤسسة منتخبة دون انتهاء مدتها أو تحقق أسباب الحل القانونية.

والحل الأكثر أماناً من الناحية الدستورية ليس كسر الدستور، وإنما إصلاح القانون:

إما مجالس محافظة قوية، منتخبة، رقابية، شفافة، محددة الصلاحيات، ومحاسبة على أدائها؛ وإما إصلاح دستوري وقانوني شامل يعيد تصميم نظام الحكم المحلي من أساسه.

أما إبقاء الوضع الحالي مع استمرار الفساد والإنفاق والتداخل في الصلاحيات، أو تجميد المجالس بقرار سياسي غير محصن دستورياً، فسيبقي الأزمة قائمة ولن يعالج أصل المشكلة. فالدستور لا يُطبّق عندما يناسب السلطة فقط؛ بل يُحترم عندما يكون الالتزام به صعباً أيضاً. والقاعدة التي يجب أن تحكم هذا الملف هي:

لا إلغاء لمؤسسة دستورية بقانون عادي، ولا تجميد لمجلس منتخب بلا سند دستوري وقانوني، ولا حصانة لمجلس أو عضو مجلس من المحاسبة عندما تثبت المخالفة.
وهكذا يكون الإصلاح الحقيقي: محاسبة الفاسد، وإيقاف الهدر، وتصحيح الخلل، واحترام إرادة الناخب، والاحتكام إلى الدستور والقانون والقضاء

قد يعجبك ايضا