جدلية العوق الفكري

سمير السوره ميري

العوق الفكري هو حالة تتسم بإنخفاض ملحوظ في القدارت العقلية العامة، تؤثر على صورة المجتمع، فهي صورة ضبابية تشوب الفكر الجمعي، خارجة عن الضوابط المهنية للعقل، وهو نتاج تفاعل العقلية الفردية مع العقلية الجماعية وتأثرها بها، وبالتالي يتقاطع فيه البعد الاجتماعي بالبعدين النفسي والتربوية، ويتحول العوق الفكري الفردي إلى حالة بيولوجية بحتة تستوجب العلاج والتأهيل على مستوى الفكر الجمعي، فبدون ذلك تُشلّ القدارت الفكرية الفردية عن أداء وظيفتها، وتصبح الإعاقة حقيقية واقعة، مما يُفسد القدرات العقلية العامة.
العوق الفكري حالة يجب إصلاحها، من خلال معالجة العقدة الضيقة الخارجة عن الإنضباط الفكري، وهذه مهمة أولئك الذين أداروا الفكرة وهمّشوها عن غايتها، وحوّلوها إلى ممارسات لاعقلانية وشجّعوا التطرف ونمّوه بلا حدود، سعيًا للسيطرة على عقلية الجمعية المهيأة للعوق الفكري، فغياب منهجية الرقابة والمساءلة ليس قصورًا عابرًا، بل أداةٌ من أدوات قيادة القطيع.
العوق الفكري من العوائق التي لا ترتبط بعجز جسدي أو نقصٍ في القدرات العقلية الفطرية، بل تظهر خطورته حين تُبرز الموروثات الانتمائية بوصفها حقائق إيمانية غير قابلة لمراجعة العقل، فيستعاض عن المراجعة بالاكتفاء، ليصطدم بذلك مع العقل الناقد، إنَّ فقدان المراجعة يعني الخوف من الاختلاف، وهي مرحلة التوهّم بامتلاك الحقيقة الكاملة، يفقد فيها العقل وسيلته، ويضعف روح العيش المشترك، بسيادة الانغلاق الفكري وتقديس الجمود، وهيمنة الخرافة والتطرف والاستبداد.
وهنا تكمن إحدى أخطر صور التعصب، حين تُستدعى الموروثات الإنتمائية وتُصاغ في قالب حقائق إيمانية لا تقبل المراجعة، بل يُحرّم نقاشها تحت قداسة الجمود ورتابته، ويختلط الإنسان بفكرته إلى الحدّ الذي لا يعود فيه قادرًا على التفريق بين نقد الفكرة وإهانة الشخص، والعوق الفكري صورة ضبابية تصيب الوعي الجمعي عندما تتراجع قيمة العقل النقدي لصالح التلقين والتبعية، فيتحول التفكير من عملية بحثٍ واكتشاف إلى مجرد تكرار لموروث مُثقَّلٌ بالخرافات التي تُقوّض العقول.
إنَّ تجاوز هذا العوق لا يتحقق بمجرد نشر المعرفة وحدها، فالعوق الجماعي داءٌ يضمحل ويزول بتغير الأزمنة وسلطاتها، عاهةٌ غير مستدامة، بل أفةٌ تتآكل وتنهش مجتمعها كوباءٍ يفتك في لحظة من الزمن، إنها معركة يغلب فيها الجهلُ العقل، محاولًا تعطيل دور العقل وتقييد حريته، ولن يسقط هذا العوق إلا بسقوط مَنْ أيقضه من غفوته ليُحكم به قبضته على القطيع.

قد يعجبك ايضا