نبيل عبد الأمير الربيعي
لم يعد استهداف إقليم كردستان العراق بالطائرات المسيرة والصواريخ حدثاً عابراً يمكن وضعه في خانة التوترات الحدودية أو الخلافات السياسية المعتادة. فالهجوم الذي استهدف، فجر يوم 17 آب 2026، مكتب رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني ومقر إقامة رئيس جهاز الأمن في بيرمام بأربيل، بحسب السلطات الأمنية في الإقليم، يمثل تصعيداً بالغ الخطورة، ولا سيما أن السلطات الكردية قالت إن المسيرات انطلقت من الأراضي الإيرانية. ولم تسجل خسائر بشرية في الهجوم.
وقد أدان السيد مسرور بارزاني الهجمات، واعتبرها (تصعيداً خطيراً) و(تهديداً مباشراً لأمن الإقليم واستقراره)، مؤكداً أن مثل هذه الاعتداءات لن تثني حكومة الإقليم عن أداء مهامها وحماية مواطنيها.
إن خطورة ما يجري لا تكمن في حجم الأضرار المادية التي تخلفها المسيرات فحسب، بل في الرسالة السياسية التي تحملها. فحين تستهدف عاصمة الإقليم ومؤسساته ورموزه السياسية والأمنية، فإن المسألة تتجاوز مطاردة جماعات معارضة أو معالجة هواجس أمنية، لتلامس بصورة مباشرة مفهوم السيادة العراقية وحدود استخدام القوة في العلاقات بين الدول.
لماذا أربيل؟
ليس من الصعب فهم أن إقليم كردستان يقع في منطقة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها المصالح الإيرانية والتركية والأميركية والعراقية. لكن تحويل هذه الحساسية الجيوسياسية إلى مبرر لاستهداف مدن عراقية يفتح باباً خطيراً، لأن العراق ليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.
إن كانت لدى إيران اعتراضات أمنية تتعلق بوجود جماعات إيرانية معارضة داخل الإقليم، فإن الطريق الطبيعي لمعالجة ذلك هو الحوار مع بغداد وأربيل، واللجوء إلى القنوات السياسية والأمنية، لا إرسال المسيرات عبر الحدود. فالسيادة لا تتجزأ، وأي انتهاك للحدود العراقية ينبغي أن يعني الدولة العراقية بأكملها، لا حكومة الإقليم وحدها.
الوقوف ضد الاعتداء الخارجي لا يعني منح حكومة إقليم كردستان صكاً على بياض، ولا يعني تجاهل المشكلات السياسية والاقتصادية والإدارية التي يعاني منها الإقليم.
وهنا تكمن المفارقة: قد يكون الخطر الخارجي واضحاً، لكن الخطر الداخلي أكثر تعقيداً.
فكردستان تحتاج، بالتوازي مع حماية أمنها، إلى تعزيز البيت الداخلي، وتوسيع المشاركة السياسية، وترسيخ الشراكة بين القوى الكردية، ومعالجة الملفات العالقة بالحوار والمؤسسات، والاستماع إلى المواطنين بعيداً عن لغة التخوين أو المجاملة. إن قوة أي تجربة سياسية لا تقاس بعدد الصواريخ التي تستطيع اعتراضها، بل بمدى قدرتها على بناء مجتمع متماسك يشعر أفراده بأن الدولة ومؤسساتها تمثلهم جميعاً.
لقد أثبتت تجربة إقليم كردستان، رغم ما يحيط بها من ملاحظات وانتقادات، أنها أصبحت لاعباً سياسياً واقتصادياً مهماً في العراق والمنطقة. ولهذا فإن الحفاظ على هذه التجربة لا يكون فقط بالرد على المسيرات، وإنما بتحصينها من الانقسامات الداخلية التي يمكن أن تتحول إلى ثغرات تستغلها القوى الخارجية.
لكن المسؤولية لا تقع على أربيل وحدها. بغداد مطالبة بموقف واضح، لأن الاعتداء على إقليم كردستان هو اعتداء على الأراضي العراقية. والصمت الرسمي أو الاكتفاء ببيانات الإدانة لا يكفي إذا تكررت الهجمات.
العراق بحاجة إلى سياسة خارجية متوازنة تحفظ علاقاته مع دول الجوار، من دون أن تتحول تلك العلاقات إلى تنازل عن السيادة. فالعراق الذي يريد أن يكون دولة كاملة السيادة لا يستطيع أن يسمح لأي قوة إقليمية بأن تجعل من أراضيه ساحة رسائل متبادلة أو منصة لتصفية الحسابات.
كما أن القوى السياسية العراقية مطالبة بالخروج من الحسابات الحزبية الضيقة: أمن أربيل ليس قضية كردية فقط، كما أن أمن البصرة أو بغداد أو الموصل ليس قضية تخص سكانها وحدهم. إنها جميعاً قضايا عراقية.
المسيرات لا تهزم التجارب وحدها
قد تستطيع المسيرات إحداث انفجار، وقد تستطيع الصواريخ تدمير مبنى، لكنها لا تستطيع وحدها إسقاط تجربة سياسية. التجارب تسقط عندما تفقد ثقة الناس، وعندما يتحول الاختلاف السياسي إلى انقسام دائم، وعندما يصبح الخارج أكثر تأثيراً من الداخل.
ولهذا فإن أفضل رد على الاستهداف الإيراني ليس فقط إسقاط المسيرات، بل إسقاط الذرائع التي تسمح للآخرين بالتدخل: دولة عراقية قوية، وإقليم مستقر، وبيت كردي أكثر تماسكاً، ومؤسسات أكثر شفافية، وعلاقات متوازنة مع الجوار، وموقف وطني عراقي لا يساوم على السيادة.
إن أربيل اليوم لا تحتاج إلى التضامن بالكلمات وحدها، وإنما تحتاج إلى موقف عراقي واضح يقول إن الخلافات الإقليمية لا تمنح أحداً حق انتهاك الأراضي العراقية.
فالسيادة ليست شعاراً يرفع عندما يناسبنا، ولا ورقة سياسية نستخدمها ضد خصومنا؛ إنها مبدأ واحد ينبغي أن يحمي بغداد وأربيل والبصرة والنجف والموصل وكل شبر من أرض العراق.
العراق – الحلة
17 آب/أغسطس 2026