محمد علي محيي الدين
في مطالع القرن العشرين، حين كانت بغداد تستيقظ على تحولات السياسة وأصداء النهضة الأدبية، ولد أكرم أحمد البغدادي سنة 1906، ليكون واحداً من أولئك الذين جمعوا بين هيبة الوظيفة الرسمية وشفافية الروح الشاعرة. وبين أزقة العاصمة القديمة ومجالسها العامرة بالأدب والعلم، تشكلت شخصيته مبكراً، فشبَّ ميالاً إلى اللغة، مولعاً بالكلمة، يرى في الشعر وطناً آخر لا تقل حدوده اتساعاً عن خرائط المدن التي تنقل بينها في حياته الإدارية الطويلة.
اختلفت الروايات في موضع ولادته؛ فمنهم من قال إنه ولد في بغداد، ومنهم من نسب مولده إلى العشار في البصرة، غير أن المؤكد أن روحه ظلت بغدادية الهوى والملامح، وأنه نشأ في بيئة عراقية أصيلة فتحت له أبواب التراث العربي وعلوم الشريعة والأدب. أكمل دراسته الابتدائية والثانوية، لكنه لم يكتف بالتعليم الرسمي، بل اتجه إلى حلقات العلماء والأدباء، فنهل من علوم العربية والفقه والبيان على أيدي رجال من أعلام بغداد، وفي مقدمتهم عبد الوهاب النائب وقاسم القيسي، كما اتصل بالأوساط الأدبية التي كان يزينها كبار الشعراء والمفكرين أمثال جميل صدقي الزهاوي، فتأثر بهم وأخذ عنهم حرارة الكلمة وجرأة الرأي.
كان أكرم البغدادي من أولئك الذين لا يكتفون بقراءة الشعر، بل يعيشونه. ومنذ شبابه ظهرت موهبته في الارتجال والخطابة، فكان إذا وقف في مجلس أدبي أسر القلوب بعذوبة صوته وسلاسة عبارته وسرعة بديهته. وقد عرف في الأوساط الثقافية بلقب “شاعر الشباب”، لأن الغزل كان ينساب في قصائده عذباً شفيفاً، يحمل شيئاً من رومانسية ذلك العصر وقلق شبابه وأحلامه. لكنه لم يكن شاعر غزل فحسب، بل كان أيضاً صاحب نزعة قومية وروح متوثبة إلى الحرية والتغيير، تتبدى في قصائده الوطنية وتأملاته الفكرية.
وفي الوقت الذي كان يكتب فيه الشعر ويشارك في الندوات والمجالس الأدبية، كانت حياته العملية تمضي في مسار مختلف لا يخلو من المسؤولية والمشقة. فقد التحق بالوظائف الحكومية منذ عام 1926، وتنقل بين مدن العراق متقلداً مناصب إدارية متعددة، من مدير تحريرات إلى مدير ناحية، ثم قائمقاماً ومتصرّفاً. وكانت تلك الوظائف تضعه في تماس مباشر مع حياة الناس اليومية، فيرى العراق بعيون متعددة؛ ريفه ومدنه، فقره وأحلامه، صخبه وهدوءه. ولعل هذا الاحتكاك العميق بالمجتمع أضفى على شعره مسحة واقعية وإنسانية، فلم يكن معزولاً في برج الأدب، بل عاش تفاصيل الحياة العراقية بكل ما فيها من تناقضات وتحولات.
ورغم انشغاله بالأعمال الإدارية، بقي الأدب رفيقه الأثير. كان يحاضر في المجالس البغدادية، وينشر مقالاته وقصائده في صحف ومجلات عراقية معروفة مثل “الحاصد” و”العراق” و”الفلقة” و”اليقظة” و”الوادي”، فصار اسمه مألوفاً في الأوساط الثقافية. وكان شعره يمتاز بالوضوح والعذوبة والمحافظة على عمود الشعر العربي التقليدي، ملتزماً الوزن والقافية، غير أن ذلك لم يمنعه من بث تأملاته الذاتية وأسئلته الوجدانية بين الأبيات، حتى بدا شعره قريباً من الناس، سلساً في لغته، صادقاً في عاطفته.
وحين أُحيل إلى التقاعد سنة 1956، تفرغ للبحث والكتابة، كأنما عاد إلى عشقه الأول بعد سنوات الوظيفة وأعبائها. وهناك انطلقت روحه الأدبية بحرية أكبر، فأخذ يدوّن خواطره وينشر نتاجه ويستعيد ذكريات العمر. ومع ذلك، بقي جانب كبير من شعره مبعثراً في الصحف والمجلات، ولم يُجمع في ديوان شامل، على الرغم من أنه كان يكفي لملء مجلد ضخم. وربما كان ذلك من سمات كثير من أدباء العراق في تلك المرحلة، ممن استهلكتهم الحياة وتقلباتها قبل أن ينالوا ما يستحقونه من جمع وتحقيق واحتفاء.
ومن آثاره المطبوعة ديوانه “وحي الصبا”، الذي حمل شيئاً من وجدانه الرقيق ونبرته العاطفية، إلى جانب قصته “ذكريات المدرسة”، التي تعكس تعلقه المبكر بأيام التكوين الأولى وما فيها من براءة وحنين. وقد ذكره الباحثون والمؤرخون للأدب العراقي بوصفه شاعراً مطبوعاً، يجمع بين فصاحة القديم وروح العصر، وبين جزالة العبارة وعذوبة الإحساس.
وفي عام 1968 أسدل الستار على حياة أكرم البغدادي، فرحل بصمت يشبه صمت كثير من الأدباء الذين أعطوا الكلمة عمرهم كله دون أن يطالبوا بشيء. لكنه ترك وراءه صورة المثقف العراقي الذي عاش بين الإدارة والأدب، بين مسؤوليات الدولة وأحلام القصيدة، وظل يحمل بغداد في صوته أينما ذهب؛ بغداد المجالس الأدبية، ودروب الشعر، والحنين الذي لا يشيخ.