نوري جاسم ..
في سجل العلم والقانون أسماء لا تمرّ عابرة، لأنها لا تكتفي بأن تشغل موقعًا أكاديميًا أو تتولى منصبًا إداريًا، وإنما تصنع لنفسها حضورًا يبقى في ذاكرة المؤسسات، وفي وجدان التلاميذ، وفي صفحات الكتب والمراجع. ومن هذه القامات المصرية التي جمعت بين العلم والخبرة، وبين الأكاديمية والعمل العام، وبين التأصيل القانوني والانفتاح على قضايا الدولة والمجتمع، يبرز اسم الأستاذ الدكتور محمد أنس جعفر، أستاذ القانون العام، الذي تمثل مسيرته نموذجًا للعالم الذي جعل من القانون رسالة، ومن المعرفة مسؤولية، ومن الجامعة فضاءً لصناعة الإنسان وبناء الدولة. والحديث عن الدكتور محمد أنس جعفر هو حديث عن مسيرة علمية وأكاديمية وإدارية امتدت عقودًا، حتى غدا واحدًا من الوجوه البارزة في مجال القانون العام في مصر، وصاحب حضور علمي امتد إلى عدد من الجامعات والمؤسسات العربية، فضلًا عن مشاركاته العلمية والتشريعية والحقوقية. وقد جاء حصوله على جائزة الدولة التقديرية في مجال العلوم الاجتماعية لعام 2025 تتويجًا لمسيرة طويلة من العطاء العلمي والأكاديمي، وتقديرًا وطنيًا مستحقًا لما قدمه من إسهامات في مجالات القانون والعلوم الاجتماعية. وبدأت رحلته العلمية من كلية الحقوق بجامعة عين

شمس، حيث حصل على ليسانس الحقوق عام 1964، ثم واصل دراساته العليا في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، فنال دبلوم الدراسات العليا في العلوم الجنائية عام 1966، ثم دبلوم الدراسات العليا في القانون العام عام 1967، قبل أن يتوج هذا المسار بالحصول على دكتوراه الحقوق في القانون العام من كلية الحقوق بجامعة عين شمس في يناير عام 1973. وكان هذا التكوين العلمي المتدرج هو الأساس الذي قامت عليه شخصية قانونية استطاعت أن تجمع بين دقة البحث الأكاديمي، وعمق الفقه القانوني، والخبرة العملية في مؤسسات الدولة والجامعة.
وعلى امتداد هذه الرحلة، لم يكن الدكتور محمد أنس جعفر أستاذًا للقانون العام بالمعنى التقليدي، بل كان حاضرًا في مساحات متعددة من الحياة الأكاديمية والعامة؛ فقد تولى رئاسة قسم القانون العام، ووكالة كلية الحقوق للدراسات العليا والبحوث، ووكالة الكلية لشؤون التعليم والطلاب، ثم عمادة كلية حقوق بني سويف بجامعة القاهرة، كما أشرف على قسم القانون العام بكلية الحقوق بجامعة المنوفية وكلية الحقوق بجامعة حلوان، قبل أن يتولى منصب نائب رئيس جامعة القاهرة لشؤون فرع بني سويف خلال الفترة من 1998 إلى 2004، مع توليه مهام الإشراف على فرع الفيوم فترات عديدة، فضلًا عن توليه نائب رئيس الجامعة لشؤون الدراسات العليا خلال عام 2002. ولم تتوقف مسيرته القيادية عند الجامعة، فقد تولى منصب محافظ بني سويف خلال الفترة من 2004 إلى 2006، ثم تولى رئاسة جامعة النهضة من عام 2006 إلى عام 2010. وهذه التجربة التي انتقل فيها من قاعة الدرس إلى مواقع المسؤولية العامة، ثم عاد منها إلى فضاء الجامعة، منحت تجربته القانونية خصوصية واضحة؛ إذ لم يكن ينظر إلى القانون باعتباره نصوصًا مجردة، وإنما باعتباره أداة لتنظيم الدولة وتحقيق المصلحة العامة وصون الحقوق وتحقيق التوازن بين مقتضيات السلطة ومتطلبات المجتمع. وفي الوقت الراهن يواصل عطاءه العلمي أستاذًا للقانون العام بكلية الحقوق بجامعة بني سويف، وأستاذًا منتدبًا بكلية الدراسات العليا بأكاديمية الشرطة وعضوًا بمجلس الكلية، كما يشغل رئاسة مجلس إدارة المعهد العالي للدراسات الإسلامية منذ عام 2024، إلى جانب أدواره العلمية والتشريعية، ومنها مقرّر اللجنة التشريعية بالمجلس القومي لحقوق الإنسان منذ عام 2021، وعضويته في لجنة قطاع الدراسات القانونية، والمجمع العلمي المصري، ومشاركته في العديد من لجان التحكيم الخاصة بالفصل في المنازعات، فضلًا عن عضويته في اللجان العلمية الدائمة لترقية الأساتذة والأساتذة المساعدين في القانون العام عبر سنوات طويلة. وإذا كانت المناصب تكشف جانبًا من شخصية العالم، فإن مؤلفاته تكشف عالمه الفكري الحقيقي. وقد أثرى الدكتور محمد أنس جعفر المكتبة القانونية العربية بإنتاج علمي واسع ومتنوّع، تناول موضوعات جوهرية في القانون الإداري والدستوري والوظيفة العامة والقضاء الإداري والعقود الإدارية والحقوق والحريات العامة. فمن مؤلفاته «نظم الترقية في الوظيفة العامة»، و«التنظيم المحلي والديمقراطية»، و«الموظف العام وممارسة الحق النقابي»، و«العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية»، و«الحقوق السياسية للمرأة في الإسلام والتشريعات الوضعية»، و«ولاية المظالم في الإسلام وتطبيقاتها في المملكة العربية السعودية»، فضلًا عن سلسلة «الوسيط في القانون العام»، التي صدر منها «أسس وأصول القانون الإداري»، و«أصول القضاء الإداري»، و«النظم السياسية والقانون الدستوري».
وتتواصل هذه المسيرة العلمية في مؤلفات أخرى تناولت «الإدارة العامة»، و«استقلال المحاماة في الدول العربية»، و«الرقابة على دستورية القوانين»، و«الدعاوى الإدارية»، و«القرارات الإدارية»، و«المرافعات الإدارية»، و«الوظيفة العامة»، و«القانون الدستوري»، و«الحقوق والحريات العامة في ظل الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان»، فضلًا عن كتابه المهم في «العقود الإدارية ودراسة قانون التعاقدات الحكومية في مصر»، الذي صدرت منه طبعات متعددة، وهو ما يعكس القيمة العلمية والتطبيقية التي اكتسبها في مجال الدراسات القانونية. ولم يكن هذا الإنتاج التأليفي منفصلًا عن البحث العلمي؛ فقد قدم الدكتور محمد أنس جعفر دراسات وبحوثًا تناولت موضوعات دقيقة ومتقدمة، من بينها نظام الأمبودسمان السويدي ومقارنته بناظر المظالم والمحتسب في الإسلام، وسرية الاتصالات الشخصية، والصعوبات المادية غير المتوقعة وأثرها في العقود الإدارية، والعلاقة بين الجريمة التأديبية والجريمة الجنائية، والانتخاب ومشاركة المرأة، وعقود البوت والمشاركة، والعدالة الناجزة، والعدالة المنصفة. وقد توج هذا العطاء بحصول بحثه حول «مبادئ الوظيفة العامة في الإسلام وتطبيقاتها في المملكة العربية السعودية» على جائزة جامعة الملك سعود لأفضل البحوث الإدارية عام 1989، كما حاز أحد بحوثه المتعلقة بتقارير الكفاية على جائزة الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة.
وتكشف هذه الأعمال عن شخصية قانونية لم تتوقف عند حدود القواعد التقليدية، بل ظلت تتابع التحولات التي طرأت على الدولة والمجتمع، وتبحث في قضايا الدستور والإدارة العامة والحقوق والحريات والعدالة والعقود الحكومية والحوكمة وغيرها من الموضوعات التي تقع في قلب الدولة الحديثة. ولذلك لم يكن غريبًا أن يمتد حضوره العلمي إلى المؤتمرات والندوات والبرامج التدريبية داخل مصر وخارجها، وأن يشارك في فعاليات علمية في المملكة العربية السعودية والجزائر والكويت وغيرها، وأن يمثل جامعة القاهرة في اجتماعات اتحاد الجامعات العربية ورابطة اتحاد الجامعات الإسلامية خلال سنوات توليه المسؤوليات الجامعية.
وقد اتسعت دائرة تجربته الأكاديمية لتشمل التدريس في جامعات ومؤسسات علمية متعددة داخل مصر وخارجها؛ فإلى جانب جامعة القاهرة وبني سويف وعين شمس وحلوان والمنوفية وكلية الدراسات العليا بأكاديمية الشرطة، حاضر في جامعة الملك سعود بالرياض، وجامعة باتنة، وجامعة الجزائر، وجامعة قسنطينة في الجزائر، ومعهد الإدارة العامة بالمملكة العربية السعودية، وكلية الحقوق بجامعة القاهرة فرع الخرطوم بالسودان. وهو حضور يعكس امتداد التجربة المصرية في القانون العام إلى فضاءات أكاديمية عربية واسعة.
غير أن القيمة الأعمق في مسيرة الأستاذ الدكتور محمد أنس جعفر ربما تكمن في الأثر الذي تركه في أجيال الباحثين. فقد أشرف وشارك في مناقشة مئات رسائل الماجستير والدكتوراه لباحثين من مصر ودول عربية وأجنبية، في جامعات وكليات ومعاهد علمية عديدة، من جامعة القاهرة وعين شمس وبني سويف وأسيوط والزقازيق والمنوفية وطنطا وحلوان والمنيا، إلى كلية الشريعة والقانون بالأزهر، ومعهد الإدارة العامة بالرياض، والمعهد العالي للدراسات والبحوث العربية بجامعة الدول العربية، وجامعتي الجزائر وقسنطينة، وكلية الدراسات العليا بأكاديمية الشرطة. وهنا تتجلى حقيقة الأستاذ الذي لا يكتفي بأن يكتب العلم، وإنما يسهم في صناعة حَمَلَته؛ فكل رسالة أشرف عليها، وكل باحث ناقشه، وكل طالب تلقى عنه العلم، يمثل امتدادًا من امتدادات تجربته العلمية.
ومن هذا الموقع العلمي الرفيع، أصبح الدكتور محمد أنس جعفر موضع ثقة واستشارة لدى كثير من المختصين في القانون العام والقانون الدستوري، في مسائل ذات طبيعة تشريعية ودستورية دقيقة، ولا سيما ما يتصل بإعداد القوانين وصياغتها ومراجعة أطرها القانونية في عدد من البلدان. وهذه المكانة لم تأت من منصب عابر، وإنما تشكلت عبر عقود من التخصص والبحث والتدريس والممارسة والاستشارة القانونية، حتى أصبح رأيه القانوني يستند إلى تراكم علمي وخبرة واسعة في شؤون الدولة والتشريع والإدارة.
وقد تولى خلال مسيرته كذلك عددًا من المهام الاستشارية، فكان مستشارًا قانونيًا لرئيس مجلس الشعب، ورئيس جامعة القاهرة، ورئيس جامعة المنيا، ومحافظ الغربية، ومحافظ الجيزة، كما شارك في لجان علمية وتشريعية عديدة، منها لجان معادلات المجلس الأعلى للجامعات، واللجنة العليا للتعليم المفتوح، ولجنة وضع قانون جديد لتنظيم الجامعات ومؤسسات التعليم العالي، واللجنة العليا للتنمية البشرية بوزارة التنمية المحلية، إلى جانب عضويته في عدد من المجالس والهيئات العلمية والمهنية. ولعل هذه الخبرة المتراكمة هي التي جعلت شخصيته تجمع بين ثلاثة أبعاد نادرًا ما تجتمع بهذا الاتساع في شخصية أكاديمية واحدة: الأستاذ العالم، ورجل الدولة، والخبرة القانونية والتشريعية. فهو الذي عرف الجامعة من داخل مدرجاتها ومجالسها، وعرف الإدارة العامة من مواقع المسؤولية، وعرف التشريع والقانون من خلال البحث والتأليف والاستشارة والممارسة. وفي عام 2025، جاءت جائزة الدولة التقديرية في مجال العلوم الاجتماعية لتضع علامة مضيئة على هذه المسيرة الممتدة، وتؤكد أن الدولة المصرية تنظر إلى هذا العطاء العلمي بعين التقدير والاعتراف. والجائزة في حقيقتها ليست بداية التكريم، وإنما هي تتويج لمسار طويل من العمل والبحث والتدريس وخدمة العلم والمجتمع. فهي تختصر في لحظتها الرسمية عقودًا من المثابرة، لكنها لا تختصر قيمة التجربة ولا حجم الأثر الذي تركه صاحبها. إن الدكتور محمد أنس جعفر يمثل نموذجًا للعالم الذي لم يفصل يومًا بين العلم والمسؤولية. فالقانون عنده ليس مجموعة مواد جامدة، وإنما منظومة متكاملة تقوم على حماية الحقوق، وتنظيم السلطات، وتحقيق التوازن، وترسيخ دولة المؤسسات، وربط النص القانوني بواقع المجتمع وتطلعاته. ومن هنا جاءت اهتماماته المتنوعة بالقانون الدستوري والإداري والحقوق والحريات والوظيفة العامة والقضاء الإداري والعقود الحكومية وحقوق الإنسان. وحين ننظر اليوم إلى هذه المسيرة الطويلة، فإننا لا نرى فقط أستاذًا مرموقًا في القانون العام، ولا مجرد مسؤول جامعي أو رجل دولة سابق، وإنما نرى مدرسة علمية متكاملة ساهمت في تكوين أجيال من الباحثين، وإثراء المكتبة القانونية، والمشاركة في الحوار التشريعي والحقوقي، ومد جسور المعرفة بين المؤسسات الأكاديمية المصرية والعربية.
ومن هنا يمكن القول إن الأستاذ الدكتور محمد أنس جعفر هو بحق قامة علمية وقانونية مصرية بحضور عربي ودولي؛ قامة صنعتها المعرفة، ورسخها العطاء، وأكدتها التجربة، وشهد لها التكريم الوطني. وهو أحد رجالات القانون العام الذين تركوا أثرًا يتجاوز حدود الوظيفة والمنصب إلى فضاء أرحب؛ فضاء العلم الذي يبقى، والفكر الذي يتوارثه الباحثون، والأثر الذي لا ينتهي بانتهاء المناصب. وإذا كانت الأوطان تفخر برجالها الذين خدموها في مواقع المسؤولية، فإنها تفخر أكثر بمن جمعوا بين المسؤولية والعلم، وبين الإدارة والفكر، وبين الخبرة والتجرد، وبين الحضور الوطني والامتداد العربي. وفي هذه المساحة تحديدًا تبرز تجربة الدكتور محمد أنس جعفر، بوصفها صفحة مضيئة من صفحات القانون والعلم في مصر المحروسة، ومسيرة تستحق أن تُروى للأجيال باعتبارها نموذجًا للعطاء الذي لا يطلب من العلم إلا أن يظل نافعًا، ومن القانون إلا أن يظل عادلًا، ومن المسؤولية إلا أن تكون في خدمة الوطن والإنسان. وهكذا يبقى اسم الأستاذ الدكتور محمد أنس جعفر حاضرًا في سجل القانون العام المصري، لا بما تولاه من مناصب فحسب، ولا بما ألفه من كتب وبحوث فقط، وإنما بما تركه من أثر في العقول، وحضور في المؤسسات، وإسهام في الفكر القانوني، وأجيال من الباحثين حملوا شيئًا من علمه ومنهجه إلى المستقبل. وتبقى جائزة الدولة التقديرية لعام 2025 شهادة وطنية رفيعة على مسيرة استحقت التقدير، فيما تبقى شهادات تلاميذه وزملائه وطلابه والباحثين الذين تتلمذوا على يديه شهادة إنسانية وعلمية أعمق: أن العالم الحقيقي لا يُقاس بما وصل إليه وحده، وإنما بما يتركه بعده من علم، وأثر، ورسالة. إنها سيرة رجل من رجالات القانون العام في مصر، وقامة علمية تجاوز صداها حدود الوطن، واستطاعت أن تجعل من العلم خدمة، ومن القانون رسالة، ومن الأستاذية أثرًا ممتدًا في أجيال وأوطان.