الباحث الحقوقي رنج باراوي
في نظم القضاء والإدارة المعاصرة، تُعد سيادة القانون الركيزة الأساسية للحكم الرشيد، ويشكل الممثلون القانونيون في المؤسسات العامة الحصن المنيع الذي يحمي المصالح العامة وأموال الدولة. ومع ذلك، ففي إقليم كردستان، وتحديداً في نطاق وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، تم تجريد الممثلين القانونيين (القانونيين في الجامعات والمعاهد) عن جوهر رسالتهم المهنية؛ ليجدوا أنفسهم غارقين في أتون بيروقراطية إدارية هدمت الحدود الفاصلة بين «العقل المهني القانوني» و«الموظف التقليدي». إن هذه المقالة بصفتي قانونياً واقتصادياً تُعد قراءة كلاسيكية حديثة تفكك أعماق الغبن القانوني والمهني والمادي الذي يطال هذه الشريحة، مع مقارنة ذلك بالنصوص الدستورية وتجارب الدوائر القانونية في الجامعات والمعاهد الحكومية بكل من جمهورية مصر العربية (استناداً إلى معايشتي الواقعية لها طيلة عامين) والجمهورية التونسية.
بدايةً، أود أن أوضح بجلية دور القانونيين في الجامعات والمعاهد في حكومة اقلیم كوردستان العراق، ومدى اختلافهم عن سائر الموظفين العادیین
فالممثلون القانونيون في الجامعات والمعاهد ليسوا مجرد موظفين عاديين لتسيير المعاملات الإدارية، بل هم ممثلون قانونيون ورمز للسلطة العامة والدولة أمام المحاكم بمختلف درجاتها وأنواعها في حدود ماخولهم القانون والتعلیمات، وهم بحكم القوانين والتعليمات والتوكيل المخولين به یعتبرون من حماة للدولة مجازياً. وتتمثل مهامهم الأساسية في:
حماية الأموال والممتلكات العامة، والدفاع عن القرارات الإدارية للجامعة عند الطعن فيها أمام القضاء الإداري، وصياغة وتدقيق العقود المحلية والدولية بدقة متناهية، فضلاً عن صون هيبة مؤسساتهم وتكريس سيادة القانون ودفاعهم عن رؤؤساء الجامعات والمسؤولین اضافات الی وظیفتهم.
وإذا ما دققنا النظر في الاختلاف الجوهرى بينهم وبين الموظفين العاديين، فإنه يتجسد في النقاط التالية:
ٲولا:المسؤولية المدنية والجزائية والمهنية: إن الخطأ الإداري للموظف العادي غالباً ما يكون محدود الأثر، بينما تؤدي التبعية المهنية أو الزلة القانونية للممثل القانوني أمام المحاكم إلى ضياع حقوق مالية طائلة أو إهدار أموال عامة جسيمة، مما يُعرضه لمساءلة قانونية وإدارية صارمة.
ثانیا:خصوصية العقل القانوني: ترتكز مهامهم على الفهم، والاستنباط، والتفسير، والمقارنة القانونية، وتطبيق النصوص الدستورية والقانونية والإجراءات القضائية، لا لمجرد تنفيذ شكلي جاف لإجراءات المعاملات.
وفي المقابل، فإن طمس الدور المهني وهيمنة الطابع الإداري على العمل القانوني ينعكس بوضوح في أغلب الدوائر والشُعب القانونية التابعة لوزارة التعليم العالي، حيث باتت الاستشارات القانونية مجرد أداة ثانوية وشكلية. فالمسؤولون الإداريون (الذين غالباً ما تكون اختصاصاتهم بمنأى عن علم القانون) لا ينظرون إلى القانونيين إلا باعتبارهم «أدوات للتنفيذ وختم الأوراق»، ولا يستدعونهم إلا وقت وقوع الأزمات والمشكلات طارئة، متغافلين عن أهمية دورهم عمداً.وینعكس هذا سلبا علی المصلحة العامة.
على سبيل المثال: حين يصدر قرار إداري مخالف للقانون ويدون الممثل القانوني ملاحظاته واعتراضاته بشأنه، كثيراً ما تتجاهل السلطة الإدارية رأيه وتأمره بتنفيذ القرار رغم مخالفته للقانون ومن هنا یبداء خروقات قانونیة وتحجیم دورهم في المؤسسات بشكل عام ولاینظر الیهم كعمداء قانونین لترسیخ مبادیء القانون ومن جدیر بالذكر هذا يتنافى كلياً مع القاعدة الإدارية المستقرة القائلة: «لا صحة لأي قرار إداري إن لم يتفق مع المبادئ القانونية».
علاوة علی ذلك ٲن الغبن المادي في حرمان القانونيين من مخصصات الخطورة والتمييز المجحف
تُعد إحدى أصرخ مظاهر الظلم وأشدها فجاجةً، حرمان الممثلين القانونيين تعسفياً من مخصصات الخطورة (۳۰٪)، في حين تُصرف هذه المخصصات قانوناً واستناداً إلى التشريعات والتعليمات السارية في نطاق الحكومة الاتحادية العراقية لكافة الشرائح القانونية؛ فوفقاً لقانون رواتب موظفي الدولة والقطاع العام رقم (۲۲) لسنة ۲۰۰۸، وقرار مجلس الوزراء رقم (۲۳۰) لسنة ۲۰۱۹ (المعروف بقانون تشجيع القانونيين)، إلى جانب تعليمات وزارة المالية رقم (۱) لسنة ۲۰۲۰، تُصرف هذه المخصصات رسمياً للموظفين القانونيين في الجامعات، نظراً لأن عملهم الميداني مع قضايا الفساد الحساسة، والدعاوى القضائية، والنزاعات الجامعية يعرضهم لمخاطر وضغوط نفسية ومهنية جسيمة ینعكس سلبا علی حیاتهم وامنهم النفسي وشغفهم للعمل.
ومن جهة أخرى، يثير الدهشة والاستغراب حقاً أن نرى في ذات قطاع التعليم العالي، أن الفئات العلمية كـ (الفيزيائيين، الكيميائيين، الجيولوجيين، البيولوجيين، الأطباء البيطريين، والمهندسين)، فضلاً عن تمتعهم بمخصصات التفرغ الجامعي، قد أُحتسبت لهم مخصصات الخطورة أيضاً، رغم أن بعضهم لا يعملون في مجالات اختصاصهم الدقيق؛ بينما يُحرم القانونيون من هذا الحق المشروع، رغم انغماسهم المباشر في أتون النزاعات القانونية الطاحنة. وهذا التمييز الصارخ يعد انتهاكاً سافراً لصريح المادة (١٤) من دستور جمهورية العراق الاتحادية لسنة٢٠٠٥، والتي تكفل المساواة بين المواطنين والموظفين في الحقوق والواجبات دون تمييز.
واذا ننظر من زاویة الاخری إطلالة على تجربة جمهورية مصر العربيةإذا ألقينا نظرة موجزة على تجربة جمهورية مصر العربية، فسنرى جلياً مدى محورية ومكانة الدور القانوني والقضائي للممثلين القانونيين في الجامعات الحكومية، حيث يُنظر إليهم بمنظور رفيع ومتميز یتمثل في الارتباط المباشر بـ «هيئة قضايا الدولة» (State Lawsuits Authority):
في مصر، ترتبط الإدارات القانونية داخل الجامعات الحكومية فنياً ومهنياً بـ «هيئة قضايا الدولة» استناداً إلى القانون رقم (۷٥) لسنة ۱۹٦۳. وهذا ما يجعلهم، بدلاً من أن يكونوا مجرد موظفين تابعين لرئاسة الجامعة، ممثلين حقيقيين لسيادة الدولة والخزينة العامة داخل حرم الجامعات.
يتمتع الممثل القانوني في الجامعات الحكومية المصرية بمرتبة قضائية خاصة وحصانة مهنية. وليس من حق أي رئيس جامعة حكومية فرض قرار غير قانوني على الممثل القانوني، إذ يحظى رأيه القانوني داخل الجامعة بقيمة قضائية حاسمة في الذود عن المال العام وحقوق الأساتذة والباحثين.
واذا ننظر الی تجارب مقارنة كسلطة «الفيتو» واستقلالية القانونيين في الجامعات التونسية:
تحظى تجربة الجمهورية التونسية بأهمية بالغة في تكريس استقلالية وحصانة الممثلين القانونيين للجامعات الحكومية، حيث ينظم عملهم تحت مسمى «مكلفو نزاعات الدولة» (Chargés du Contentieux de l’État) وفقاً للقانون رقم (۱۳) لسنة ۱۹۹۱:
سلطة النقض والفيتو القانوني (Refus de Visa)
تتجلى أبرز ميزات القانونيين في الجامعات التونسية في امتلاكهم لسلطة الفيتو القانوني. فأي قرار إداري، أو عقد محلي أو دولي، أو نفقة مالية تصدر عن الجامعات والمعاهد الحكومية، إن لم يحظ بتأشيرة القبول ويتم اعتماده من قبل الممثل القانوني (أي في حال صدور رفض تأشيرة – Refus de Visa)، فلا يمتلك أي طرف كان صلاحية تنفيذه أو وضعه موضع التطبيق بأي شكل من الأشكال.
من ناحیةالحصانة والاستقلالية التامةيُعد الممثل القانوني في الجامعات الحكومية التونسية جزءاً لا يتجزأ من «الهيئة العامة لنزاعات الدولة». وهم مستقلون إدارياً ولا يخضعون في مسؤوليتهم إلا للقانون، الأمر الذي يجهض جذرياً أي تدخل حزبي أو إداري مجحف في صميم أعمالهم.
ولابد ٲن لانخفي دور المرجع للحقوقین في اقلیم كوردستان العراق من ناحیة المهنیة اذن هناك سؤال یطرح نفسه، لماذأخفق ٲتحاد حقوقي كوردستان في أن يكون حصناً للدفاع؟لا يسعنا في مثل هذا المقال إلا أن نستحضر «اتحاد حقوقيي كوردستان» ونتساءل بعمق ودقة بالغة الاهمیة بٲستغراب لماذا أخفق الاتحاد في أن يكون درعاً للدفاع؟
إن أسباب هذا التراخي والصمت من وجهة نظري وبكل صراح تلخصها النقاط الآتية:
ٲولا:التدخل الحزبي والسياسي: استحواذ المحاصصة الحزبية على المناصب القيادية في الاتحاد بعيداً عن الكفاءة المهنية، مما أفضى إلى صمتهم المطبق عن الانتهاكات بدلاً من الدفاع عن الحقوق المهنية للقانونيين وتشكیل مكتب تنظیمات الحقوقین في الحزب افسد عملهم وسلطتهم المهنیة واضعفهم ٲمام الامر الواقع.
ثانیا:ضُعف الضغط المدني والقانوني: الافتقار إلى استراتيجية ممنهجة لطرح مشاريع قوانين خاصة بحقوق ومكتسبات القانونيين أمام برلمان كوردستان.
ولذلك، عجزوا عن تقديم الدعم لإنشاء مكاتب استشارية ومحاماة تابعة للدولة تكفل استعادة الهيبة المهنية للقانونيين.
إذ لا توجد في إقليم كوردستان ونظرا لغياب خارطة طريق تشريعية قياسية لغاية اليوم مؤسسة رسمية تحمل مسمى «محامي الدولة» داخل الجامعات الحكومية، ولم يُسمح للممثلين القانونيين بتأسيس مكاتب استشارات قانونية مستقلة لتقديم الخدمات القانونية وتعزيز الإيرادات العامة للمؤسسة.
ولاستعادة هيبة القانونيين ووقارهم، يلزم اتخاذ الخطوات التالية بٲقصی سرعة الممكنة:
إصدار قرار وزاري أو تشريع برلماني يكرس التسمية الرسمية لـ «محامي الجامعة» (State University Counsel) بذات شروط وامتيازات المحامين العموميين، مع منحهم صلاحية الفيتو القانوني أسوة بالتجربة التونسية.إتباع الإدارات القانونية في الجامعات الحكومية مركزياً بديوان وزارة التعليم العالي لا برئاسة الجامعات فحسب، لحمايتها من التدخلات الإدارية المحلية وعدم ٱلاعتراف بقدراتهم القانونیة .وٲن تصرف كافة المخصصات القانونية المستحقة، لاسيما مخصصات الخطورة (۳۰٪) طبقاً للأسس القانونية السارية باعتبارها حقاً مساوياً لما هو معمول به في الوزارات العدلية والقضائية الأخرى.وعدم صرفه لهم یعتبر ٲجحاف بحقهم الدستوري والمهني والوظیفیة.
الخاتمة والتوصيات (باعتبارها واجباً ومقترحات قانونية)بناءا علی خدمتي الجامعیة لعقودین ٲقترح:
أولاً: تقدم رئاسة مجلس الوزراء ووزارة التعليم العالي بمشروع قانون مشترك لاعتماد تسمية «الممثل القانوني» رسيماً وتعديلها إلى «محامي الدولة في جامعات ومعاهد وهيئات التعليم العالي بالإقليم» أسوة بمصر، مع ترسيخ سلطة الفيتو القانوني على العقود والقرارات الإدارية كما هو مطبق في تونس.
ثانياً: المراجعة الفورية للمستحقات المالية للممثلين القانونيين في الجامعات الحكومية، وصرف مخصصات الخطورة (۳۰٪) تيمناً بما هو معتمد في العراق الفدرالي باعتبارها حقاً قانونياً مشروعاً.
ثالثاً: تعزيز الاستقلالية المهنية للقانونيين عبر بمنع إقحامهم في القرارات الإدارية المخالفة للقانون، والاعتراف بهم كمستشارين حقيقيين لرؤساء الجامعات وعمداء الكليات.
رابعاً: تنظيم دورات تدريبية تخصصية مستمرة بالتنسيق مع معهد القضاء في إقليم كوردستان لرفع الكفاءة المهنية للممثلين القانونيين أمام ساحات القضاء.
المصادر والمراجع:
۱.دستور جمهورية العراق الاتحادية لسنة ۲۰۰٥، المادة (۱٤) الخاصة بالمساواة والعدالة الاجتماعية.
۲.قانون رواتب موظفي الدولة والقطاع العام العراقي رقم (۲۲) لسنة ۲۰۰۸، المادة (۱٥) الخاصة بمخصصات المخاطر المهنية.
۳.قرار مجلس الوزراء العراقي الاتحادي رقم (۲۳۰) لسنة ۲۰۱۹ بشأن صرف مخصصات الخطورة للموظفين القانونيين والتعليمات المالية رقم (۱) لسنة ۲۰۲۰.
٤.دستور جمهورية مصر العربية لسنة ۲۰۱٤، المادة (۱۹٦) والقانون رقم (۷٥) لسنة ۱۹٦۳ الخاص بقضايا الدولة والتمثيل القانوني للجامعات الحكومية.
٥.قانون الجمهورية التونسية رقم (۱۳) لسنة ۱۹۹۱ الخاص بتنظيم نزاعات الدولة وسلطة النقض القانوني (Refus de Visa) في المؤسسات والجامعات الحكومية.
٦.قانون الخدمة المدنية العراقي رقم (۲٤) لسنة ۱۹٦۰ وتعديلاتها المعمول بها في إقليم كوردستان.