مصطفى عبد الكريم قایتەوەني
هناك انتماءات لا تبدأ بقرارٍ شخصي، ولا تُكتب في استمارة عضوية، ولا تُقاس بمصلحة أو منفعة. هناك انتماءات تولد مع الإنسان، وتكبر معه، وتصبح جزءًا من ذاكرته ووجدانه وهويته. هكذا كان انتماء عائلتي إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني؛ لم يكن بالنسبة إلينا مجرد انتماء حزبي، بل كان امتدادًا لتاريخ عائلة آمنت بالثورة الكوردية وبقضية شعبها، وعرفت في البارزاني الخالد رمزًا للنضال والكرامة.
لا أستطيع أن أحدد متى بدأ انتمائي إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني، لأنني ببساطة لم أختره في لحظة معينة؛ لقد ورثت هذا الانتماء من أسلافي، كما يرث الإنسان اسمه وذكرياته وتاريخ عائلته. نحن لم نكن عائلة تبحث عن المكاسب أو المناصب، بل كنا عائلة آمنت بالثورة وبطريق البارزاني.
كان الملا مصطفى بارزاني بالنسبة إلى أسلافي أكثر من قائد سياسي وعسكري؛ كان رمزًا للكرامة الوطنية الكوردية، وقائدًا حمل قضية شعبه في أصعب الظروف. كنت طفلًا لا يتجاوز عمري ستة أو سبعة أعوام عندما دفعت عائلتي ثمن هذا الانتماء، في ثمانينيات القرن الماضي، عشنا واحدة من أقسى التجارب التي يمكن أن يعيشها طفل مع أسرته. اعتُقلت عائلتنا بسبب محاولة شقيقي الأكبر، الشهيد عادل عبد الكريم، الهروب والالتحاق بصفوف البيشمركة والثورة الكوردية. أما شقيقي عادل، فقد دفع حياته ثمنًا لانتمائه. قُتل بإطلاق ثماني عشرة رصاصة، ولم يكن ذنبه سوى أنه اختار طريق البيشمركة والحزب الديمقراطي الكوردستاني. كان ثمنًا باهظًا دفعته عائلتنا، لكنه ترك في داخلي منذ الطفولة قناعة راسخة بأن الانتماء إلى قضية وطنية ليس شعارًا يُرفع، وإنما مسؤولية وتضحية وذاكرة لا تنتهي. ومنذ ذلك الوقت، نشأت داخل عائلة كوردية عرفت طريقًا واحدًا لخدمة كوردستان: طريق البارزاني الخالد.
واليوم، حين نذكر السادس عشر من آب، فإننا لا نتذكر مناسبة واحدة، بل مناسبتين ارتبطتا بصورة استثنائية في الذاكرة الكوردية، ففي السادس عشر من آب عام 1946 تأسس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وفي اليوم نفسه وُلد مسعود مصطفى بارزاني في مدينة مهاباد. ولهذا أصبح السادس عشر من آب بالنسبة إلى أنصار الحزب ومؤيدي النهج البارزاني يومًا يحمل رمزية خاصة، ذكرى تأسيس حزب ارتبط بتاريخ الحركة السياسية الكوردية، وذكرى ميلاد رجل أصبح لاحقًا أحد أبرز الوجوه السياسية الكوردية المعاصرة.
من طفلٍ يحمل ذاكرة الثورة إلى رجلٍ يلتقي قائدها
قبل نحو ثلاثين عامًا، كنت شابًا كورديًا يحمل في داخله ذلك الإرث العائلي، وكانت لي فرصة أن ألتقي بالرئيس مسعود بارزاني عن قرب. كانت تلك اللقاءات بالنسبة إليّ مختلفة عن الصورة التي كنت أعرفها من الكتب والصور والخطابات. خلال مراحل عملي، ومنها عملي منسقًا لإقليم كوردستان في محافظتي كركوك وصلاح الدين، أتيحت لي فرص عديدة للقاء الرئيس بارزاني في الاجتماعات العامة واللقاءات الخاصة.
هناك، اكتشفت جانبًا آخر من شخصيته
وجدت أمامي إنسانًا بسيطًا في تعامله، قريبًا من الناس، صاحب قلب حنون، وفي الوقت نفسه يتمتع بشخصية قيادية وهيبة سياسية وأخلاق عالية. وهذا الجمع بين البساطة والقيادة هو أحد الأسباب التي جعلت صورته راسخة في ذاكرة من أبناء شعبه.
بالنسبة إليّ، لم يعد مسعود بارزاني مجرد اسم سياسي أسمعه، بل أصبح شخصية التقيتها ورأيتها وتحدثت معها، ولهذا فإن شهادتي عنه ليست مبنية فقط على ما قرأته، وإنما أيضًا على تجربة شخصية عشتها.
اسم كوردستان في المحافل الدولية
على مدى عقود، أصبح اسم مسعود بارزاني حاضرًا في السياسة الإقليمية والدولية، وارتبط اسمه في كثير من المحطات بالقضية الكوردية وبإقليم كوردستان. ومن واشنطن إلى لندن و موسكو، ومن العواصم الأوروبية إلى دول الشرق الأوسط ودول الجوار وخليج العربي ، أصبح بارزاني شخصية معروفة لدى عدد كبير من القادة والمسؤولين وصناع القرار، وقد شهدت السنوات الماضية لقاءات واتصالات عديدة بينه وبين شخصيات سياسية ودبلوماسية دولية، وهو ما يعكس موقعه المستمر في المشهد السياسي الإقليمي.
كما أن موقعه الرسمي ينشر بصورة متواصلة لقاءاته ومواقفه واتصالاته بشأن قضايا العراق وكوردستان والمنطقة. لكن قيمة الإنسان القيادي لا تُقاس فقط بعدد اللقاءات أو الصور مع الرؤساء والملوك، وإنما بما يتركه من أثر في ذاكرة شعبه، وهنا تكمن أهمية مسعود بارزاني بالنسبة إلى انسان الكوردي: فهو بالنسبة لهم امتداد لمسار بدأه والده الرئيس الراحل مصطفى بارزاني، واستمر عبر أجيال من البيشمركة والمناضلين والشهداء.
من ولادةٍ تزامنت مع ولادة حزب إلى رمزٍ في الذاكرة الكوردية، ومن المفارقات التاريخية اللافتة أن يولد الإنسان في اليوم الذي يولد فيه حزب سياسي أصبح لاحقًا جزءًا أساسيًا من تاريخ شعبه، لكن التاريخ لا يصنع الرموز في يوم الولادة، وإنما تصنعها السنوات، والتجارب، والتضحيات، والمواقف، ولهذا، فإن قصة مسعود بارزاني بالنسبة إليّ ليست قصة رجل سياسي فقط، بل هي جزء من قصة جيل كامل، جيل عاش الخوف والاعتقال والنفي والحرب، وشهد استشهاد أبنائه وأشقائه وأقاربه، ثم رأى القضية الكوردية تنتقل من الجبال إلى المؤسسات، ومن ساحات القتال إلى المحافل السياسية الدولية.
تكريم يتجاوز السياسة
يكرّم الفاتيكان الرئيس مسعود بارزاني بوسام بابوي رفيع، تقديرًا لدوره الكبير في إرساء قيم السلام والتعايش المشترك والاحترام المتبادل بين الأديان والشعوب المختلفة، ومن المحطات التي تستحق التوقف عندها التكريمات التي تُمنح للرئيس بارزاني تقديرًا لدوره في دعم الحوار والتعايش والسلام. فهذه التكريمات لا تعبّر فقط عن مكانته الشخصية، وإنما تعكس أيضًا تقديرًا لدور إقليم كوردستان في تعزيز الحوار والتقارب بين مختلف المكونات الدينية والقومية.
ومن المنتظر أن يتسلّم الرئيس مسعود بارزاني وسامًا تاريخيًا يحمل اسم GREGORIUS XVI PONT. MAX.، في خطوة تُعد تقديرًا لجهوده في ترسيخ مبادئ التعايش السلمي، والدفاع عن قيم الحرية، وتعزيز الحوار بين الأديان والمكونات القومية، فضلًا عن إسهاماته في دعم الاستقرار والسلام في العراق والمنطقة.
وجاء منح هذا التكريم بناءً على طلبٍ رفعه الكاردينال لويس روفائيل ساكو إلى قداسة البابا، متضمنًا ترشيح الرئيس مسعود بارزاني لهذا التكريم، تقديرًا لمواقفه في دعم التعايش، وحماية التنوع الديني والقومي، وإسهاماته في ترسيخ الاستقرار، ويعكس هذا التكريم المكانة التي يحظى بها الرئيس مسعود بارزاني على الصعيد الدولي، كما يجسّد تقديرًا لجهوده في نشر ثقافة الحوار والتسامح، وخدمة السلام، والدفاع عن الكرامة الإنسانية.
ويُنظر إلى هذا الحدث بوصفه محطة مهمة في مسار العلاقات بين إقليم كوردستان والكرسي الرسولي، كما يعكس الاهتمام بالجهود الرامية إلى تعزيز الاستقرار والتفاهم بين مختلف المكونات الدينية والقومية في المنطقة.
تحية في يومين يحملان ذاكرة واحدة
في السادس عشر من آب، أتوقف أمام تاريخ عائلتي وتاريخ الحزب الذي ارتبطت به منذ طفولتي، وأتذكر شقيقي الشهيد عادل عبد الكريم وكل من دفع حياته ثمنًا لقضية آمن بها، وأتذكر كذلك أولئك الذين عاشوا في الجبال، وحملوا راية كوردستان، وتركوا خلفهم عائلاتهم وأطفالهم، لأنهم آمنوا بأن الكرامة لا تُمنح، وإنما تُنتزع بالتضحيات، ومن هنا، أتقدم بأجمل التهاني إلى الرئيس مسعود بارزاني بمناسبة عيد ميلاده، وإلى قيادة وكوادر وأنصار الحزب الديمقراطي الكوردستاني بمناسبة ذكرى تأسيس الحزب.
إنها بالنسبة إليّ ليست مجرد مناسبة سياسية، بل مناسبة تختصر جزءًا كبيرًا من تاريخ عائلتي وذاكرتي الشخصية، لقد ولدتُ داخل عائلة عرفت البارزاني الخالد رمزًا للثورة، وكبرت وأنا أرى مسعود بارزاني امتدادًا لذلك الطريق. وقد كان لي شرف أن ألتقي به عن قرب، وأن أراه بعيدًا عن الصور والخطابات: إنسانًا بسيطًا، صاحب أخلاق، وقائدًا يحمل هموم شعبه.
من ظلال الجبل بدأت الحكاية، ومن ذاكرة الشهداء بقيت القضية، ومن إرث البارزاني الخالد استمر الطريق، أما مسعود بارزاني، فقد أصبح بالنسبة إلى جيل كامل أكثر من اسم سياسي؛ أصبح رمزًا حاضرًا في الذاكرة الوطنية الكوردية.
كل عام والرئيس مسعود بارزاني بخير، وكل عام والحزب الديمقراطي الكوردستاني وشعب كوردستان بألف خير، 16 آب.. يومٌ يجتمع فيه ميلاد رجل وذكرى ولادة حزب، وتبقى فيه ذاكرة شعب تبحث عن مستقبل يليق بتضحياته.