مسعود بارزاني وفلسفة جمع الإرادات.. وحدة الصف بوصفها مشروعاً وطنياً

د. نزار الربيعي

حين تُقرأ تجربة الرئيس مسعود بارزاني في سياقها التاريخي والسياسي، فإن أحد المفاتيح الأساسية لفهمها يتمثل في مفهوم وحدة الصف، لا باعتباره شعاراً عاطفياً يُستدعى في المناسبات، وإنما باعتباره رؤية سياسية تتصل بفلسفة القيادة وإدارة الاختلاف وصيانة المصالح العليا. فالمجتمعات التي عاشت عقوداً من الصراعات والتحولات الكبرى لا تحتاج فقط إلى قادة قادرين على التعبير عن مطالبها، بل تحتاج أيضاً إلى قدرة مستمرة على جمع الإرادات المتعددة حول مساحات مشتركة تمنع الاختلاف من التحول إلى قطيعة، وتحول التنوع من مصدر للتنازع إلى عنصر للقوة. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى مسعود بارزاني بوصفه شخصية سياسية ارتبط حضورها بمحاولات متكررة للحفاظ على وحدة البيت الكوردستاني، وفي الوقت نفسه البحث عن صيغ للتفاهم الوطني العراقي تقوم على الحوار والشراكة والاعتراف المتبادل.

إن وحدة الصف في معناها العميق لا تعني إلغاء الاختلاف، لأن المجتمعات الحية لا تتطابق فيها الرؤى والمصالح، كما أن القوى السياسية لا يمكن أن تتحول إلى صوت واحد في كل القضايا. الوحدة الحقيقية هي القدرة على تنظيم الاختلاف بحيث يبقى داخل حدود المصلحة العامة، وهي القدرة على الاتفاق على الثوابت الكبرى مع الإقرار بحق الأطراف في التباين بشأن الوسائل والتفاصيل. وهذا المعنى يظهر بوضوح في التجربة السياسية الكوردستانية التي عرفت مراحل شديدة الصعوبة، وتعرضت لاختبارات داخلية وخارجية كان يمكن أن تؤدي إلى انقسامات أعمق لولا وجود إدراك متزايد بأن حماية الكيان السياسي والاجتماعي تتطلب إبقاء قنوات الحوار مفتوحة.

لقد تشكل وعي مسعود بارزاني السياسي في بيئة كان فيها مفهوم الوحدة مرتبطاً مباشرة بمصير شعب وقضية. فالخبرة التاريخية للحركة الكوردي ة أثبتت أن الانقسام الداخلي كان في أحيان كثيرة مدخلاً لإضعاف الموقف الكوردي ، وأن توحيد الرؤية حول القضايا المصيرية يمنح المجتمع قدرة أكبر على التفاوض والدفاع عن حقوقه. ومن هنا لم تكن الدعوة إلى وحدة الصف منفصلة عن قراءة التاريخ، بل جاءت بوصفها استنتاجاً من تجارب طويلة أكدت أن القوة السياسية لا تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد، وإنما أيضاً بمدى قدرتها على منع التناقضات الداخلية من استنزافها.

وتكتسب هذه الرؤية بعداً فلسفياً عندما ننظر إلى الوحدة باعتبارها انتقالاً من منطق الذات السياسية المغلقة إلى منطق المجال المشترك. فالقائد الذي يريد جمع الإرادات لا يستطيع أن يتعامل مع السياسة بوصفها انتصاراً دائماً لطرف واحد، لأن منطق الغلبة قد يصنع تفوقاً مؤقتاً لكنه لا يصنع استقراراً دائماً. أما التوافق، حتى عندما يكون صعباً وبطيئاً، فإنه يسمح بتكوين شرعية أوسع ويمنح القرارات الكبرى قاعدة اجتماعية وسياسية أكثر رسوخاً. ولذلك فإن فلسفة جمع الإرادات تقوم على الاعتراف بأن الآخر ليس عقبة ينبغي إزاحتها، بل شريكاً ينبغي البحث معه عن نقطة التقاء.

وقد واجه إقليم كوردستان خلال العقود الماضية محطات أثبتت أن الوحدة ليست خياراً ترفياً، بل ضرورة وجودية. فالحروب والصراعات الإقليمية وسياسات النظام السابق وما تعرض له الكورد من حملات الأنفال والقصف الكيميائي والتهجير والتدمير جعلت مفهوم المصير المشترك حاضراً بقوة في الوعي السياسي والاجتماعي. وبعد انتفاضة عام 1991 وقيام تجربة سياسية وإدارية جديدة في الإقليم، انتقلت مسؤولية القوى الكوردستانية من مقاومة السلطة المركزية إلى بناء مؤسسات قادرة على إدارة المجتمع، وهنا أصبح الحفاظ على التماسك الداخلي أكثر تعقيداً لأن السلطة نفسها تخلق تنافساً على الموارد والقرار والنفوذ.

إن إحدى أهم دلالات تجربة مسعود بارزاني تتمثل في إدراك أن الانقسام السياسي الداخلي، مهما كانت أسبابه، لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام في القضايا المصيرية. ولذلك ظل خطاب وحدة البيت الكوردي حاضراً في العديد من المحطات، سواء عند التعامل مع بغداد أو عند مواجهة التحديات الأمنية أو عند بحث مستقبل الإقليم. وهذه الرؤية لا تعني أن الخلافات قد اختفت، فالواقع السياسي الكوردستاني عرف تنافساً حاداً وأزمات متعددة، وإنما تعني أن هناك سعياً مستمراً إلى إعادة إنتاج المساحة المشتركة كلما تعرضت للاهتزاز.

وتبرز أهمية هذا المنهج في أن الوحدة التي تقوم على القسر لا تدوم، بينما الوحدة التي تقوم على الاقتناع بالمصلحة المشتركة تمتلك قدرة أكبر على الاستمرار. ولذلك فإن جمع الإرادات يحتاج إلى ثقافة سياسية تعترف بالشراكة، وإلى مؤسسات تسمح بتمثيل المصالح المختلفة، وإلى قيادة قادرة على التمييز بين الخلاف التكتيكي والتهديد الاستراتيجي. ففي القضايا التكتيكية يمكن للأحزاب أن تختلف وتتفاوض وتتنافس، أما في القضايا التي تمس الأمن والهوية والمصير الدستوري والمصلحة العليا، فإن الحاجة تصبح أكبر إلى صياغة موقف مشترك.

وفي العلاقة مع بغداد، يمكن قراءة جانب مهم من سياسة مسعود بارزاني من خلال مفهوم الشراكة. فالمشكلة العراقية بعد عقود من الحكم المركزي لم تكن مجرد مشكلة توزيع للسلطة، بل كانت أيضاً مشكلة ثقة بين المركز والمكونات والمناطق. وبعد عام 2003 أصبح بناء عراق اتحادي ديمقراطي اختباراً لقدرة الجميع على الانتقال من الدولة التي تحتكر فيها السلطة المركزية القرار إلى دولة تعترف بالتعدد وتوزع الصلاحيات وفق الدستور. وفي هذا الإطار أصبحت وحدة الموقف الكوردستاني ذات أهمية خاصة في التفاوض حول القضايا الدستورية والسياسية والاقتصادية.

لكن وحدة الصف التي تتصل برؤية بارزاني لا ينبغي حصرها في الإطار الكوردي وحده، لأن استقرار كوردستان مرتبط عضوياً باستقرار العراق. فالإقليم لا يعيش في فضاء منفصل، وأي اضطراب عميق في الدولة العراقية ينعكس عليه اقتصادياً وأمنياً وسياسياً. ولهذا فإن مفهوم الشراكة الوطنية يصبح امتداداً لمفهوم الوحدة الداخلية. فكما تحتاج القوى الكوردستانية إلى إدارة خلافاتها بالحوار، تحتاج المكونات والقوى العراقية إلى إدارة اختلافاتها ضمن دولة دستورية لا يشعر فيها طرف بأنه مهمش أو مهدد.

إن هذا الفهم يضع الحوار في قلب المشروع السياسي. والحوار في فلسفة القيادة ليس مجرد لقاء بين أطراف متنازعة، بل هو اعتراف بأن الحقيقة السياسية موزعة بين تجارب ومصالح متعددة، وأن الحلول المستدامة لا تنتج من احتكار القرار. وقد برزت أربيل في مراحل مختلفة بوصفها مكاناً للقاءات ومشاورات بين قوى عراقية متعددة، الأمر الذي يعكس محاولة لتوظيف المكانة السياسية الكوردستاني ة في تقريب وجهات النظر. وبصرف النظر عن نجاح كل مبادرة أو تعثرها، فإن القيمة الأساسية تكمن في تثبيت مبدأ أن الأزمات السياسية ينبغي أن تنتهي إلى طاولة الحوار لا إلى منطق القطيعة.

وتظهر فلسفة جمع الإرادات أيضاً في التعامل مع التنوع القومي والديني داخل إقليم كوردستان. فالإقليم يضم جماعات ومكونات متعددة، ووحدة الصف لا يمكن أن تكون مفهوماً قومياً مغلقاً إذا أريد لها أن تتحول إلى مشروع حكم. إن حماية المسيحيين والإيزيديين والتركمان وسائر المكونات، وضمان حضورهم وحقوقهم، تمثل جزءاً من بناء مجتمع يشعر فيه الجميع بأنهم شركاء. فالوحدة التي تستبعد المختلف ليست وحدة، بل هي شكل من أشكال الهيمنة؛ أما الوحدة السياسية الناضجة فهي التي تجعل من التنوع قاعدة للتعايش.

وقد كشفت الحرب ضد تنظيم داعش عن معنى آخر لوحدة الصف. فالتهديد الإرهابي لم يميز بين المكونات، وكانت المواجهة تتطلب تنسيقاً بين البيشمركة والقوات العراقية والتحالف الدولي وقوى المجتمع المختلفة. وفي لحظات الخطر الكبرى تتراجع الحسابات الضيقة أمام أولوية حماية الإنسان والأرض. وقد قدمت قوات البيشمركة تضحيات كبيرة في تلك الحرب، كما قدمت القوات العراقية بمختلف تشكيلاتها تضحيات جسيمة، وأثبتت التجربة أن التعاون الأمني عندما يقوم على الثقة والمصلحة المشتركة يستطيع أن يصنع نتائج تتجاوز قدرة أي طرف منفرد.

ومن المنظور الاستراتيجي، فإن وحدة الصف تؤدي وظيفة تتجاوز البعد المعنوي؛ فهي تزيد القدرة التفاوضية، وتقلل فرص التدخل الخارجي، وتمنع الخصوم من استثمار الانقسامات الداخلية. فكل مجتمع منقسم يصبح أكثر عرضة للضغوط، وكل موقف سياسي مشتت يفقد جزءاً من قدرته على التأثير. ولهذا فإن دعوات بارزاني المتكررة إلى وحدة الموقف يمكن فهمها باعتبارها محاولة لتحويل التعدد الحزبي إلى قوة تفاوضية مشتركة بدلاً من أن يتحول إلى ثغرة استراتيجية.

غير أن الوحدة لا يمكن أن تكون دائمة ما لم تستند إلى العدالة. فالشعور بالإنصاف هو الشرط النفسي والأخلاقي لأي مشروع جامع. وإذا شعرت القوى أو المناطق أو الفئات بأن مصالحها لا تؤخذ في الاعتبار، فإن الخطاب الوحدوي يفقد تأثيره. ولذلك فإن فلسفة جمع الإرادات تحتاج إلى قواعد واضحة لتوزيع المسؤوليات والموارد والفرص، وإلى مؤسسات قادرة على معالجة الخلافات بطريقة قانونية. وهنا تصبح دولة المؤسسات مكملة لوحدة الصف، لأن الاتفاقات الشخصية مهما كانت مهمة تحتاج إلى مؤسسات تحميها وتضمن استمرارها.

وفي هذا السياق، تبدو العلاقة بين الوحدة والديمقراطية علاقة تكامل لا تعارض. فالديمقراطية تسمح بالاختلاف، والوحدة تمنع الاختلاف من تمزيق المجتمع. وإذا تحولت الوحدة إلى ذريعة لمنع المعارضة فقدت مضمونها، وإذا تحولت الديمقراطية إلى صراع بلا قواعد فقدت قدرتها على إنتاج الاستقرار. ومن ثم فإن التحدي هو بناء معادلة يكون فيها التنافس السياسي مشروعاً، بينما تبقى الثوابت والمصالح الكبرى خارج دائرة التدمير المتبادل.

إن مسعود بارزاني، بما يحمله من تجربة طويلة تمتد من مرحلة الثورة والعمل المسلح إلى مرحلة المؤسسات والعلاقات الدولية، يمثل نموذجاً لتحول مفهوم القيادة نفسه. ففي زمن الثورة كانت القيادة مرتبطة بحماية القضية والمحافظة على تماسك الحركة، أما في زمن الحكم فأصبحت مرتبطة ببناء المؤسسات وإدارة العلاقات المعقدة مع بغداد ودول الجوار والمجتمع الدولي. وهذا الانتقال يفرض على القائد أن يجمع بين الذاكرة التاريخية والواقعية السياسية، وبين الوفاء للمبادئ والقدرة على التفاوض.

ومن أبرز التحديات التي تواجه مشروع وحدة الصف أن المصالح الحزبية قد تتعارض أحياناً مع ضرورات الموقف المشترك. وهنا تظهر الحاجة إلى ما يمكن تسميته بالوعي فوق الحزبي، أي القدرة على التمييز بين ما يخص الحزب وما يخص المجتمع بأكمله. فالأحزاب تتنافس على السلطة، لكن المجتمع يحتاج إلى استقرار يتجاوز عمر الحكومات والدورات الانتخابية. وإذا استطاعت القوى السياسية أن تحدد مساحة للمصالح العليا التي لا تخضع للمزايدات اليومية، فإنها تكون قد وضعت الأساس الحقيقي لوحدة مستدامة.

وتتجلى أهمية هذه الفكرة في الملفات التي ترتبط بالعلاقة بين أربيل وبغداد، مثل الموازنة والطاقة والرواتب والصلاحيات الدستورية والمناطق المتنازع عليها. فهذه القضايا لا يمكن حلها عبر التصعيد الدائم، لأنها تمس حياة المواطنين وتؤثر في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. ومن هنا يصبح الموقف الموحد المبني على رؤية قانونية ودستورية أداة أكثر فعالية من الخطابات المتفرقة. وفي المقابل، فإن التوصل إلى تسويات عادلة مع الحكومة الاتحادية يحتاج إلى الاعتراف بأن العراق الاتحادي لا يمكن أن يستقر إذا بقيت العلاقة بين المركز والإقليم أسيرة الأزمات الدورية.

إن فلسفة جمع الإرادات تكتسب أهمية أكبر في زمن التحولات الإقليمية. فالشرق الأوسط يعيش تغيرات متسارعة في موازين القوى والتحالفات، وتزداد أهمية الاقتصاد والطاقة والممرات التجارية والأمن المائي والتكنولوجيا. وفي مثل هذه البيئة يصبح الانقسام الداخلي مكلفاً بصورة مضاعفة، لأن القوى الخارجية تتعامل عادة مع المجتمعات المتماسكة بصورة مختلفة عن تعاملها مع المجتمعات المنقسمة. ولذلك فإن وحدة الصف ليست فقط قضية داخلية، بل عنصر من عناصر الأمن القومي والقدرة على حماية القرار السياسي.

ومن جهة أخرى، فإن تجربة بارزاني في العلاقات الإقليمية تكشف أهمية التوازن. فإقليم كوردستان يرتبط جغرافياً وسياسياً واقتصادياً بدول الجوار، ولا يستطيع أن يبني مستقبله بمنطق العداء الدائم مع محيطه. وفي الوقت نفسه يحتاج إلى حماية خصوصيته ومصالحه. وهذه المعادلة تتطلب سياسة تقوم على الحوار وعدم تحويل أرض كوردستان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وعلى بناء علاقات اقتصادية وسياسية تجعل الاستقرار مصلحة مشتركة للجميع.

إن وحدة الصف التي يمكن استخلاصها من هذه التجربة ليست دعوة إلى الانغلاق، بل إلى بناء الداخل من أجل الانفتاح على الخارج بثقة أكبر. فكلما كان البيت الداخلي متماسكاً، أصبحت العلاقات الخارجية أكثر توازناً. وكلما كانت المؤسسات السياسية قادرة على إنتاج موقف مشترك، أصبح من الصعب على القوى الخارجية استخدام الخلافات الداخلية لتحقيق مصالحها. ومن هنا فإن الوحدة تتحول من قيمة أخلاقية إلى مورد استراتيجي.

وفي المستوى الاجتماعي، لا يمكن بناء الوحدة السياسية من دون وحدة مجتمعية. فالأحزاب قد تتفق في القمة، لكن الاستقرار الحقيقي يحتاج إلى ثقافة قبول الآخر في القاعدة. وهذا يتطلب دوراً للتعليم والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية ومنظمات المجتمع المدني في نشر قيم التسامح والعيش المشترك. إن خطاب الكراهية قادر على هدم ما تبنيه السياسة، بينما يستطيع الخطاب المسؤول أن يهيئ المجتمع لتقبل التسويات والحلول الوسط.

وتكتسب المصالحة الداخلية أهمية خاصة في هذا الإطار. فالتاريخ الكوردي الحديث لم يكن خالياً من الصراعات الداخلية المؤلمة، ولذلك فإن تجاوز آثارها يحتاج إلى ذاكرة مسؤولة لا تنكر الماضي ولا تسمح له بأن يحكم المستقبل. إن الاعتراف بالألم والتعلم منه وتحويله إلى التزام بعدم تكراره يمثل أحد أعمق أشكال الوحدة. فالمجتمعات لا تتصالح عندما تنسى تاريخها، بل عندما تتذكره بطريقة تمنعها من إعادة إنتاج مآسيه.

كما أن وحدة الصف ترتبط بمسألة الأجيال. فالأجيال الجديدة في كوردستان والعراق لم تعش كثيراً من الأحداث التي صنعت القيادات التاريخية، وهي تنظر إلى السياسة من زاوية مختلفة تركز على فرص العمل والتعليم والخدمات والشفافية والعدالة والمشاركة. ولذلك فإن المحافظة على وحدة المجتمع تحتاج إلى تجديد الخطاب السياسي بحيث يربط التاريخ بالمستقبل. فالتضحيات تمنح الشرعية الأخلاقية، لكن الإنجاز هو الذي يجدد الشرعية السياسية.

ومن هنا فإن مشروع جمع الإرادات في المرحلة المقبلة ينبغي أن يضع الشباب في قلبه. فالوحدة لا تُبنى فقط بين الأحزاب، بل بين الأجيال أيضاً. وإذا شعر الشباب بأنهم خارج صناعة القرار، فإن الفجوة بينهم وبين المؤسسات السياسية ستتسع. أما إذا أُعطيت لهم مساحات حقيقية للمشاركة والإبداع والقيادة، فإنهم يصبحون قوة لتجديد المشروع السياسي وحمايته من الجمود.

وتبرز المرأة كذلك بوصفها شريكاً أساسياً في بناء المجتمع ووحدته. إن توسيع مشاركة النساء في السياسة والإدارة والاقتصاد ليس مجرد استجابة لمبدأ المساواة، بل هو توسيع لقاعدة القرار وإدخال خبرات اجتماعية مختلفة إلى المؤسسات. وكل مشروع وطني يريد أن يجمع الإرادات لا يستطيع أن يترك نصف المجتمع خارج مساحات التأثير الفعلي.

وفي قراءة أعمق، يمكن القول إن فلسفة مسعود بارزاني في وحدة الصف ترتبط بمفهوم الكرامة السياسية. فالإنسان والجماعة لا يقبلان بالشراكة الحقيقية إذا كانت تقوم على الإذلال أو الإنكار. ولذلك فإن الاعتراف بالحقوق والهوية يمثل مقدمة للتوافق، وليس نتيجة له فقط. وعندما يشعر كل طرف بأن وجوده وخصوصيته مصانان يصبح أكثر استعداداً للدخول في شراكة مع الآخرين. ومن هنا فإن الاعتراف المتبادل يشكل أساساً نفسياً وسياسياً لأي وحدة قابلة للاستمرار.

وعلى المستوى العراقي، يمكن لهذا المنهج أن يقدم درساً مهماً في إدارة التعدد. فالعراق لا يحتاج إلى صهر مكوناته في هوية أحادية، بل إلى بناء هوية وطنية جامعة تحترم الهويات الفرعية. إن قوة العراق يمكن أن تنبع من تنوعه إذا أُدير دستورياً وعدلاً، ويمكن أن يتحول التنوع نفسه إلى مصدر صراع إذا حاول طرف فرض رؤيته على الجميع. ومن هنا فإن وحدة الصف الوطني ليست توحيداً للألوان، بل جمع للألوان المختلفة في إطار دولة مشتركة.

إن دور مسعود بارزاني في هذا السياق يمكن فهمه من خلال محاولته الدائمة الربط بين الحقوق القومية الكوردية وبين فكرة الشراكة في العراق. فالدفاع عن الحقوق لا يعني بالضرورة القطيعة مع الآخر، كما أن الشراكة لا ينبغي أن تعني التنازل عن الهوية. وهذه المعادلة الدقيقة هي جوهر كثير من الأزمات السياسية: كيف يمكن للخصوصية أن تعيش داخل الوحدة، وكيف يمكن للوحدة أن تحمي الخصوصية بدلاً من أن تلغيها؟

وتحتاج هذه الفلسفة إلى ترجمة مؤسسية دائمة. فالقادة يستطيعون فتح الأبواب وصناعة التفاهمات، لكن استمرارها يحتاج إلى قوانين ومؤسسات وآليات دستورية. ولذلك فإن ترسيخ وحدة الصف يتطلب تقوية البرلمان والقضاء والمؤسسات التنفيذية، وتعزيز ثقافة الاحتكام إلى القانون، وتطوير آليات حل النزاعات بين الحكومتين الاتحادية والإقليمية. فالمؤسسات هي الذاكرة العملية للتوافقات السياسية.

إن المرحلة المقبلة تفرض أيضاً الانتقال من وحدة رد الفعل إلى وحدة الرؤية. فكثيراً ما تتوحد القوى عندما تواجه خطراً مباشراً، ثم تعود الخلافات بعد زواله. أما الوحدة الاستراتيجية فهي التي تُبنى قبل الأزمات حول رؤية مشتركة للمستقبل: كيف سيكون الاقتصاد؟ كيف تُدار الموارد؟ كيف تُحمى البيئة والمياه؟ كيف يُطور التعليم؟ كيف تُبنى علاقات متوازنة مع الجوار؟ وكيف تُحمى الهوية في عالم سريع التغير؟ الإجابة المشتركة عن هذه الأسئلة أكثر أهمية من الاتفاق المؤقت في لحظة الخطر.

ومن هذا المنظور، فإن القيمة الكبرى لتجربة مسعود بارزاني لا تكمن فقط في عدد السنوات التي قضاها في العمل السياسي، بل في الخبرة المتراكمة في التعامل مع التحولات. فالقيادة التاريخية تصبح أكثر قيمة عندما تتحول خبرتها إلى مؤسسة وذاكرة سياسية متاحة للأجيال، وعندما تستخدم مكانتها في تقريب وجهات النظر لا في تعميق المسافات. وهنا يمكن لوحدة الصف أن تتحول من موقف سياسي إلى ثقافة سياسية مستدامة.

إن العراق وكوردستان في حاجة اليوم إلى خطاب يخفف من لغة المنتصر والمهزوم ويعيد الاعتبار لفكرة الشريك. فالدولة التي يشعر فيها جزء من مواطنيها بأنهم مهزومون بصورة دائمة لا تستطيع أن تبني استقراراً عميقاً. أما الدولة التي تتيح للجميع أن يروا أنفسهم في مؤسساتها وقوانينها ومستقبلها، فإنها تستطيع تحويل التنوع إلى ولاء مشترك. وفي هذا المعنى تصبح وحدة الصف مشروعاً لبناء الدولة نفسها.

وتتضح هنا العلاقة بين السلام والوحدة. فالسلام ليس مجرد غياب الحرب، بل وجود منظومة من الثقة والعدالة والمؤسسات تمنع العودة إلى الصراع. ووحدة الصف ليست مجرد اجتماع سياسي، بل بناء لهذه المنظومة على مستوى المجتمع والقيادة. وكلما زادت الثقة بين القوى والمكونات، انخفضت تكلفة إدارة الخلاف وازدادت قدرة الدولة على توجيه مواردها نحو التنمية بدلاً من الصراع.

إن التأمل في مسيرة مسعود بارزاني يبين أن مفهوم الوحدة لديه ارتبط كثيراً بفكرة المسؤولية التاريخية. فالقائد الذي يحمل ذاكرة شعب عانى من المآسي يدرك أن الانقسام قد تكون كلفته أكبر من الخلاف الذي أنتجه. ولهذا فإن التسوية ليست دائماً تنازلاً، بل قد تكون شكلاً من أشكال حماية المستقبل. والمرونة ليست ضعفاً إذا كانت تحفظ الثوابت وتمنع خسائر أكبر، كما أن الصلابة ليست قوة إذا أدت إلى عزلة المجتمع واستنزافه.

وفي النهاية، فإن مسعود بارزاني وفلسفة جمع الإرادات يمثلان موضوعاً يتجاوز حدود السيرة السياسية لشخصية بارزة إلى سؤال أوسع عن معنى القيادة في المجتمعات المتعددة. القيادة ليست القدرة على أن يسير الآخرون خلف القائد فقط، بل القدرة على أن يجعل المختلفين يسيرون معاً نحو هدف مشترك. إنها فن اكتشاف المساحات التي تجمع الناس حين تبدو نقاط الخلاف أكبر، وفن تحويل التاريخ من ذاكرة للصراع إلى مدرسة للتعايش، وتحويل الهوية من جدار للعزلة إلى أساس للثقة بالنفس والانفتاح على الآخرين.

ومن هنا يمكن القول إن وحدة الصف بوصفها مشروعاً وطنياً تظل واحدة من أكثر الأفكار إلحاحاً في العراق وكوردستان. فهي تحتاج إلى إرادة سياسية، لكنها تحتاج أيضاً إلى عدالة ومؤسسات وثقافة مجتمعية ورؤية للمستقبل. وتجربة مسعود بارزاني بما فيها من مراحل الثورة والتفاوض والحكم والأزمات والحوار توفر مادة غنية لفهم كيف يمكن للقيادة أن تحاول جمع الإرادات في بيئة شديدة التعقيد. والرهان الحقيقي في المستقبل هو أن تتحول هذه الفكرة من دعوة مرتبطة بالأزمات إلى منهج دائم في العمل السياسي، بحيث يصبح الاختلاف حقاً، والشراكة قاعدة، والدستور مرجعاً، والحوار طريقاً، والمصلحة العامة سقفاً يعلو فوق الحسابات الضيقة. وعندئذ فقط تصبح وحدة الصف أكثر من شعار؛ تصبح مشروعاً لبناء مجتمع يعرف أن قوته ليست في تطابق أبنائه، بل في قدرتهم على الاختلاف من دون انقسام، وعلى التنافس من دون قطيعة، وعلى الدفاع عن خصوصياتهم من دون التخلي عن مسؤوليتهم المشتركة في صناعة مستقبل أكثر أمناً وعدلاً واستقراراً. ويزداد هذا المشروع أهمية حين ننظر إلى وحدة الصف باعتبارها مسؤولية أخلاقية تجاه المستقبل، لا مجرد استجابة لمتطلبات الحاضر. فكل جيل سياسي يترك للأجيال التالية إما مؤسسات قادرة على استيعاب الاختلاف، وإما أزمات مؤجلة تعود بصورة أكثر تعقيداً. ومن هنا فإن القيادة التي تعمل على جمع الإرادات لا تبحث فقط عن تسوية آنية، بل تسعى إلى تأسيس تقاليد سياسية تجعل الحوار ممارسة طبيعية، وتمنح المجتمع مناعة ضد العودة إلى الصدام. وفي هذا الإطار يمكن أن تؤدي المرجعيات السياسية التاريخية دوراً مهماً في حماية التوازنات، شرط أن تُوظف مكانتها في تقريب المسافات وتشجيع التفاهم وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة.

كما أن مستقبل وحدة الصف الكوردستاني يرتبط بقدرة القوى السياسية على بناء رؤية اقتصادية واجتماعية مشتركة. فالخلاف السياسي يصبح أكثر حدة عندما تتراجع فرص التنمية أو يشعر المواطن بأن الأزمات السياسية تنعكس مباشرة على حياته ومعيشته. ولذلك فإن الأمن الاقتصادي، وانتظام الرواتب، وتنويع مصادر الدخل، وتشجيع الاستثمار، وتطوير الزراعة والصناعة والسياحة، وإصلاح الإدارة العامة، كلها عناصر تدخل بصورة غير مباشرة في صناعة الوحدة. فالمجتمع المزدهر أكثر قدرة على إدارة خلافاته بهدوء، بينما تخلق الأزمات الاقتصادية بيئة خصبة للاستقطاب وفقدان الثقة.

ولا تقل أهمية المعرفة في هذا المشروع عن أهمية السياسة. فالمراحل الجديدة تحتاج إلى مراكز دراسات وجامعات ومؤسسات بحثية تدرس التحولات العراقية والإقليمية وتقدم لصانع القرار بدائل مبنية على المعلومات والتحليل. إن جمع الإرادات لا ينجح بالخطاب وحده، بل يحتاج إلى معرفة دقيقة بمصالح الأطراف ومخاوفها والفرص المتاحة أمامها. وكلما أصبح القرار السياسي أكثر ارتباطاً بالدراسة والاستشراف، ازدادت القدرة على تجنب الأزمات قبل وقوعها وعلى بناء توافقات تستند إلى المصالح الواقعية لا إلى الانفعالات المؤقتة.

ومن المهم كذلك أن تتسع فكرة وحدة الصف لتشمل العلاقة بين المجتمع الكوردستاني وعمقه العراقي. فالمصالح المشتركة بين أربيل وبغداد أوسع من ملفات الخلاف، وهناك فضاء كبير للتعاون في الاقتصاد والطاقة والأمن والتعليم والثقافة والبنية التحتية. ويمكن للقيادات التي تمتلك رصيداً تاريخياً، وفي مقدمتها مسعود بارزاني، أن تسهم في تحويل هذه المصالح إلى جسور سياسية واجتماعية دائمة. فالعلاقات التي تُبنى بين المجتمعات تكون أكثر صلابة من العلاقات التي تبقى محصورة في الاتفاقات بين الحكومات.

وعلى هذا الأساس، فإن وحدة الصف ليست لحظة إعلان، بل عملية متواصلة تحتاج إلى صبر سياسي. وقد يكون من السهل إصدار خطاب يدعو إلى الوحدة، لكن الأصعب هو بناء شروطها: الثقة، والعدالة، والاعتراف المتبادل، واحترام المؤسسات، والاستعداد لتقديم تنازلات متبادلة عندما تتطلب المصلحة العامة ذلك. وهذه هي المساحة التي يظهر فيها الفرق بين إدارة السياسة بوصفها صراعاً على المواقع، وإدارتها بوصفها مسؤولية عن مصير مجتمع.

ولعل الرسالة الأعمق التي يمكن استخلاصها من تجربة مسعود بارزاني هي أن قوة القيادة لا تظهر فقط في قدرتها على اتخاذ القرار، بل في قدرتها على إبقاء أبواب العودة إلى التفاهم مفتوحة حتى في أشد لحظات الخلاف. فالمجتمعات لا تحتاج إلى اتفاق دائم في كل شيء، وإنما تحتاج إلى ضمان ألا يؤدي الاختلاف إلى انهيار المشترك. وحين تصبح هذه القاعدة جزءاً من الثقافة السياسية، تتحول وحدة الصف من استثناء تفرضه الأزمات إلى قاعدة تحكم الحياة العامة.

وبذلك يغدو مشروع جمع الإرادات رؤية تتجاوز حدود الحزب والمنطقة والمرحلة الزمنية، لتلامس جوهر الحاجة العراقية إلى عقد سياسي واجتماعي جديد يقوم على أن الشراكة لا تنتقص من أحد، وأن الاعتراف بالآخر لا يهدد الهوية، وأن التوافق لا يعني التخلي عن المبادئ، بل إيجاد الصيغة التي تسمح للمبادئ المختلفة بأن تتعايش داخل دولة واحدة. وفي هذا المعنى تتجسد قيمة الدور الذي يمكن أن تؤديه الشخصيات ذات الخبرة التاريخية: تحويل الذاكرة إلى حكمة، والخلاف إلى حوار، والتنوع إلى شراكة، والقوة إلى مسؤولية.

قد يعجبك ايضا