اسماعيل ابراهيم عبد
في البدء .. يمكنني التنويه الى اشارتين , الأولى أن أي رواية لا تهتم بالفكر والناس ليس لها مبرر وجودي أو فني , والاشارة الثانية أن أي رواية تُصاغ بقدرة فنية وفكرية متفردة هي مغامرة جديّة لن يغطيها غبار الاهمال
ولا ندم القراءة . ومناسبة قولنا هو رواية (الرحلة العجائبية , سيرة الهفهاف بن المهند الراسبي) للكاتب فيصل عبد الحسن ([1]). ان الرواية هذه ليس فيها أحداثاً عجيبة بقدر ما فيها من أفكار جريئة , وتوثيق غريب , ولغة تضاهي ـ بنمط ألفاظها ـ شكل ومضمون لغة السرد في العصور الوسطى من جهة , ومن جهة أُخرى تأخذ بالتنظيم التاريخي بصيغة المذكرات المسجلة الشبيهة بقصص ألف ليلة وليلة , من جهة وتقارب تسجيل اليوميات الشائعة الأن في الانماط السردية كلها تقريباً!. إنني هنا لا أريد الخوض في المقاربات بين الرواية وما سبقها من عيون الآداب العالمية والمحلية المتجهة الى التراث والتاريخ , انما أُريد التنويه مرة ثالثة الى المخاطرة بالدخول الى التاريخ المقموع , للعصور الاسلامية , والصلات المتينة بينها وبين عصرنا ما بعد 2000 , إذ يتجدد العمل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي برؤية (الفتنة) , التي تَطَوَّرَ شكلُها وبقي مضمونها . أقصد ان الفتنة صارت الآن أكثر هتكاً ومضاءً للعمل والعدل والعقل! , ومن المعقول كثيراً ان تكون الأخبار والوقائع للرواية حقيقية , والشخوص كذلك , مع بعض التحويرات التي يتطلبها العمل الروائي. انني اعتقد بأن القاص (فيصل عبد الحسن) يعمل وكأنه متمم لعمل سابق قريب من صدر الاسلام . وهذه الاشارات الثلاث ليس لهن تتمة من الفعل النقدي لاحقاً , إذ أنني سأُتابع الرواية من زوايا عديدة أُخرى , على رأسها القيمة الثقافية النوعية للمحمولات شبه المفضوحة فيها . سنتابع الرواية على النحو الآتي :
أولاً : عناوين ومفاتيح
ان وجود 50 عنواناً داخلياً و50 مفتاحاً بعدها في الرواية يلفت النظر كثيراً , إذ هي تقسيمات توجه القراءة بهيمنة واضحة , فضلاً عن أن العنوان الأصل ذاته مؤلف من جزأين , (الرحلة العجائبية , ثم , سيرة الهفهاف بن المهند الراسبي) , والعنوان منذ البدء يفتح نافذة على كتب السيرة وروايات التاريخ , ليقترب من علم الخواص , الذي في أصله علم فارسي يهتم بالظنِّية والأحقيّة , ومخاطبة الإله , كما يرد ذلك في موسوعة الويكيبيديا الالكترونية. ان هذه العناوين والمفاتيح الملحقة بها تؤلف خطاً موازياً للمتون , وتشكل إطاراً للمحتوى المضمر شبه المفضوح , ونجد ان لها عديد من المبررات , أهمها :
1ـ كسر رتابة التسلسل الحدثي بمناورة العناوين والمفاتيح , بما يغطي فهماً مشتركاً بين معلومات القارئ والروائي.
2ـ جعل العمل منضبطاً دون إفاضة او زيادة ينجر إليها الروائي متأثراً بالأحداث التاريخية الرديفة لأحداث المروية الأساسية , وهي كثيرة جداً ومغرية للانجرار وراء موضوعات بعيدة عن هدف المروية , لكن العناوين ومفاتيحها تضبط العمل وتجعله مقيداً بها , ضماناً للوضوح والجديّة , وعدم تشظي الفهم.
3ـ ان تقسيم العمل بهذه الطبيعة الفنية تقرّبه من طرائق البحث العلمي وحلقات المسلسلات التلفازية , بها يكون العمل شبه صوري ولو انه على هيأة كتابة.
4ـ ان العنوان والمفتاح الذي بجواره يوجِّه العناية المباشرة بصرياً على جسد الرواية مثل اي ضلع بجسد الإنسان الذي يربط داخل الجسد بخارجه.
5 ـ ان جمع العناوين لِصقَ المفاتيح يخوّل القارئ لتشكيل الهيكل الدلالي للرواية كلها .* ربما توجد أُغراض أُخرى تمثل تضميناً لأفكار (ما بعد الحداثة) المتعلقة ببيئة الرواية العالمية الجديدة , التي توزع مراكز الأحداث ـ تدويناً ـ عبر التشتيت المنضبط . * ثمة شيء مكمل لما تم تدوينه قبلاً , هو :ــ ان التأريخ اليومي المثبت عند كل عنوان ـ نعتقد ـ انه فكرة طريفة لدمج التقنين الكتابي البعيد للماضين بتقنية المذكرات المروية للحاليين , التي تحتفي بها بُنى مرويات (ما بعد الحداثة). مثلما اشرنا اليه قبلاَ.
ثانياً : اتساع الفهم
من بديهيات القول قولنا : ان الإيجاز رديف التكثيف والحصر واتساع الفكرة .. ان التكثيف يحقق درجة مهمة من الجودة ، إذ تتجاور مصـوغات البث مع بعـضها ، ثم تتراصف , فيتلاحم المنسوج بتناسق مناسب ، ليصل طاقة الحدس المعقول للتخيل وتعدد المضمون. وفي هذا حاجة (فهم) وحاجة فن لا غنى عنهما مثلما في الحوار الذي دار بين القس الأب مرسيل والهفهاف , ومنه هذا المقطع الذي يجيب به مرسيل على سؤال الهفهاف عن الحدث الجلل , ان ورد ذكره بكتب المسيحية أم لا :
[ ـ … اني اطلعتُ على حديث وملاحظات وأشياء أُخرى تدل على الواقعة ـ يقصد استشهاد الحسين بن علي (ع) ـ لكن كلها افتراضات …
وأكمل بعد صمت قصير :
ـ وقد جاءت في سفر إرميا الاصحاح 46 النبوءة التالية , وهي تحكي عن المستقبل البعيد , حيث كان وصف إرميا النبي صحيحاً مائة بالمائة , وكان الوصف مهيباً , رهيباً , كأنكَ ترى المصروع والجيوش تدور حول جسده الطاهر , ثم ماذا تقول النبوءة عن أسباب ذهاب هذا السيد الى ذلك المكان؟
صمت قليلاً قبل ان يجيب نفسه :
ـ تقول ذهب السيد الى كركميش ليسترد سلطته , فهو سيحارب عند الفرات في الصحراء العظيمة التي يقال لها (رعاوي عند الفرات)… تعني (جرابلس) الصحراء الواسعة , الممتدة من حدود بابل الى منطقة عرعر… وهي قرب مدفن مقدس لأهل الكتاب اسمه (النواويس).
وحدق الأب بوجه الهفهاف , وقال :
ـ ولا يعرف بالضبط السر في وجود دور عبادة كثيرة لأهل الكتاب في هذا المكان .. ان أكثر أهل الكتاب دُفِنوا في هذا المكان , لأنهم كانوا ينتظرون ذلك السيد , الذي سيذبح في هذا المكان لينصروه] ـ الرواية , ص33, ص34 .
سنقرأ المقطع على النحو الآتي :
أ ـ التكثيف
يظهر فعل التكثيف في نسيج عبارات الأفعال على النحو الآتي :
ـ اختزال التراث المشترك بين المسيحية وأفكار التشيع عبر أقوال إرميا.
ـ اختزال رؤى المسيحية والاسلام بشخصي الأب مرسيل والثائر الهفهاف.
ـ اختزال الصدام والفرقة للمذاهب الاسلامية بالحدث الجلل , مأساة كربلاء ـ استشهاد الحسين بن علي (ع).
* هكذا يمكن ان نفهم ما مرّ من المقاطع الروائية.
ب ـ التوسع الحتمي
يظهر ذلك في الارادة المدونة للراوي , إذ هو يوسع الرؤى والحكي والحكمة منهما بما يخص التلاقح الاسلامي المسيحي بالعبارات الموضحة المتواصلة التي نموذجها التوضيح الآتي :
(… لا يعرف بالضبط السر في وجود دور عبادة كثيرة لأهل الكتاب في هذا المكان ـ كركميش/ جرابلس/ كربلاء ـ ان أكثر أهل الكتاب دفنوا في هذا المكان , لأنهم كانوا ينتظرون ذلك السيد). فالروي هنا يوضح ويُفَصِّل لأجل التوصل الى اقناع القارئ بأن الحدث رباني مقدر , وانه واقع حتماً , تتفق على مكانه وزمانه المذاهب الاسلامية والطوائف الدينية جميعها , والراوي بهذا لا يوسّع القول فقط , انما يوسع الأفكار التي سكت عنها التاريخ كثيراً وجاء أوان توضيحها والتوسع في بث أفكار التضحية والاخلاص للعدل والحق , عبر اعلانها الموسع برواية تاريخية فنية كالرواية التي بين أيدينا ((الرحلة العجائبية , سيرة الهفهاف بن المهند الراسبي) للكاتب فيصل عبد الحسن.
ج ـ الجودة والحدس
للتكثيف والايجاز والتوسع الحتمي ناتج أساسي بشطرين هما الجودة والحدس , اما الجودة فتقاس على مقدار الجذب الذي يحققه الروي , وهو هنا يتمثل بطرافة الجمع بين قوة الحدث الى قوة اللغة الحاملة له كونهما يتشبهان بلغة سرد العصور الاسلامية دون تقليدها او اطنابها غير المفيد , فضلاً عن التنظيم المقنع بين زمن الروي وزمن اللغة الحاملة له , بينما ما يخص الحدس ـ يُستَدَلُّ ـ عليه بطريقة التكهن , مثلما تبثه العبارة الآتية :
((تقول ـ النبوءة الخاصة بالثائر الحسين (ع) … يذهب السيد الى كركميش ليسترد سلطته , فهو سيحارب عند الفرات في الصحراء العظيمة التي يقال لها (رعاوي عند الفرات)… تعني (جرابلس) الصحراء الواسعة , الممتدة من حدود بابل الى منطقة عرعر… وهي قرب مدفن مقدس لأهل الكتاب اسمه (النواويس)).
د ـ التجاور والتماسك
ان التجاور يعنى ـ بدرجة كبيرة ـ بانسيابية الأفعال الروائية , هذا الانسياب يعمل على تماسك الأفكار , (المقولات والأحداث) , ليخدم ويتخادم مع بؤرة الدلالة المضمرة وهي سوء أحوال البلدان التي يختل فيها العدل والحرية , مما يدفع الى الثورة أوتبني المقاومة , مثلما هو حال الثائرين على السلطة الأموية على طول أزمانها , مثالها النبوءة المحرضة التي وردت قبلاً.
يمكنني أن أرسم كتابياً بالتجاور الممسك بتخادم الأحداث والمقولات على النحو الآتي : (اني اطلعتُ على حديث وملاحظات وأشياء أُخرى تدل على الواقعة) , ستتصل وتجاور وتماسك العبارة (وأكمل بعد صمت قصير :
ـ وقد جاءت في سفر إرميا الاصحاح 46 ـ نبوءة ـ تحكي عن المستقبل البعيد) , وهي بدورها تصل وتماسك ما بعدها عند العبارة (… كان وصف إرميا النبي صحيحاً مائة بالمائة , وكان الوصف مهيباً , رهيباً , كأنك ترى المصروع والجيوش تدور حول جسده الطاهر)…. وهكذا يسير السرد للمروية من المبتدأ حتى المنتهى.
ثالثاً : السردية الوفيرة
ان التفكيك والثقافة جمل كبرى في (المعرفية السردية) العامة كونهما حصائل فكرية واجتماعية يتبعهما سلوك وبناء وعلائق ، ومرويات , مروراً بالتقاليد والقيم والموروث اللغوي والحكائي والفلسفي والتقني والفلكلوري وأساليب الفنون والصناعات الشعبية الشائعة , فضلاً عن الشفاهيات المتداولة أدباً وفناً ومعارف . ونرى ان مهمة الثقافة إعطاء فهم المعاني الى الأفراد والأحداث في ظروف وملابسات معينة محدودة تركز على المعرفة بالأوضاع التاريخية والانسانية عامة (على رأي هابرماس).
ان فهمنا للوفرة السردية يتعلق بالثراء المعرفي للتاريخي والاخلاقي والجمالي , وجميعها ترتبط بإشارات تغور بالإرث الانساني من زاويتيه العدالة والظلم .. لنقرأ الآتي ونُقَيِّم به طبيعة الوفرة السردية.. لنتابع :
[كنتُ متوتراً وقد رأيتُ مصيري معلقاً برهافة … السيف عريض النهاية , الذي سينطعُ به رأس أحد أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب , ولفرط غبائه جاء بقدميه الى وجار الذئاب!! ولكن الأزدي قام من سرير حكمه مرحباً بقدومي الى مجلسه وعلى وجهه قرأت لهفة وحفاوة كبيرة …
ـ لا تدهش من كوني أميراً للأُمراء , وليس تاجراً شامياً , كما عرفتَ عني من قبل , ففي دولة بني أُمية نتبع ذات الأساليب والطرق في إعداد القادة والأُمراء في الدولة , فلكل من وصل شأواً في الجيش عليه ان يمضي بين ستة شهور وسنة في رحلة في ولايات غير خاضعة لدولته , لمعرفة استعدادات الآخر … واعطاء الدلالات لرسم الخرائط التي تفيد قادتنا في تحريك الجيوش عند الزحف على تلك الدولة] ـ الرواية , ص173 , ص174.
هذا المقطع المنتخب من الصفحتين أعلاه يضم انفتاحات عديدة تؤلف الوفرة المتكاثرة للمعارف والأحداث الواضحة والمخمنة . ان كل عبارة في المتن المنتخب أعلاه تلفت النظر ـ بصورة مباشرة او غير مباشرة ـ الى ما يمكن معرفته. فمثلاً :
ـ (كنت متوترا وقد رأيت مصيري معلقا برهافة … السيف عريض النهاية) .. هذه العبارة جاءت على أثر لقاء بين الهفهاف والأسدي في طريق التجارة المتوجه نحو الشام , وكان الازدي يدعي انه تاجر واختلى بالهفهاف هناك , وها هو يلتقيه برتبته الحقيقية , وما ان دخل الهفهاف حلب حتى أرسل إليه يطلب قدومه , وحين رأي الجند والحراس والسيوف أيقن انه هالك لا محالة .. هذا التوجس تضمن مئات القصص عن غدر الحكام وحنكة الجواسيس. لنا ان نتصور كَمْ من القصص والروايات التي تضمر مثلها حكايات وقصص في الدولة الأموية , ألا يحق له الخوف وهو قد عرف تماماً ان أمير الأُمراء قد كشف هويته , كونه من أنصار علي بن ابي طالب!.
ـ (الأزدي قام من سرير حكمه مرحباً بقدومي الى مجلسه وعلى وجهه قرأت لهفة وحفاوة كبيرة) .. هذه العبارة جيء بها لعدة أغراض منها , للدلالة على هيبة الهفهاف , ومنها ان سرير الحكم له قيمة كبيرة والقيام منه يعنى التخلي عن الفخامة السلطوية , ومنها ان الحفاوة تختزن وراءها أمراً خطيراً .