طرفة بن العبد والفخر والقبيلة 

 

د . صباح ايليا القس

 

 

ليس من شك ان القبيلة تعد وحدة متماسكة والانتماء اليها بوصفها جذرا اجتماعيا وتاريخيا يعد أصل التفاخر عند استعراض القيم والتباهي بالانتساب لا سيما عند الترابط بين سلسلة النسب عبر وشائج القربى بين اعضاء القبيلة واستدعاء كل عضو أهله عندما تكون هناك حاجة لاي سبب خصومة خارج نطاق هذه القبيلة .

لكن ربما تحدث جفوة او تتباين الافكار بين اعضاء القبيلة الواحدة لا سيما عند النظر الى الاوليات المعتمدة فيكون رأي الآخر المغاير يعد خروجا على وحدة الرأي القبلي ويكوِّن هذا الرأي ( الانا ) الخاصة التي ربما الى تفكك وحدة الرأي او تعترض وفاق ذوي القربى .

اما عند طرفة فهو الذي يلبي النداء وربما يكون سبّاقا برفقة قومه واهله في تلبية النداء بوصفه شاعر القبيلة ووجهها الاعلامي وصوتها الذي يقف بالضد من اصوات الجانب الآخر ونستطيع أن نميز صوته القبلي المتعصب عندما نستذكر بيته المشهور في معلقته :

إذا القــوم قالــوا مـن فتــى خلــتُ اننـــي        عنيـــــــتُ فلــــــم أكـــلْ ولــــــــم أتبلَّـــــــدِ

هذا البيت يعد أشهر بيت في الانتماء القبلي على الرغم من صوت ( الانا ) الصارخ الدال على الشجاعة والاقدام والاقتدار بوصفه متميزا بين اقرانه للدفاع عن القيم المعروفة التي يكون اولها سرعة التفاعل مع نداء النجدة من دون سؤال او استفسار عن السبب او الغاية فمثل هذا الواجب لا يمكن تأجيله او الانتظار او التأخر اذ يعد ذلك من علامات التخاذل والجبن .

وعند دراسة الواقع الاجتماعي في ذلك الوقت نجد ان الفرد ولو انه جزء من المجتمع لكنه ينصهر مع الجماعة وتكاد شخصيته تتلاشى او سطوة الرؤساء وقلما تستطيع شخصية معينة فرض هيمنتها على الآخرين اذ يعد ذلك خروجا على العادات والتقاليد كما نرى ذلك عند الشعراء الصعاليك .

الافراد هم ادوات للحفاظ على كيان القبيلة ومهما اعطت القبيلة من افرادها تعد ذلك تباهيا امام ثبات كيان القبيلة من الانهيار والتشتت الذي يؤدي الى السلب والنهب والأسر والسبي وغيرها من الخسائر .

 

لكن ذلك لا يعني ان الشاعر ينسى ( اناه ) فهو في شعره شيء وفي الواقع شيء آخر , اذ يقول في الشعر ما يشاء لكن الواقع ربما يكون مغايرا عندما تفرض القبيلة سطوتها يقول :

انـــا الرجــل الضـــرب الـــذي تعرفونـــه        خشـــــاشٌ كـــرأس الحيـّـــة المتوقّـــــد

هذا البيت يقرر فيه طرفه ( اناه ) التي تعني الفخر الذاتي اذ هو المتباهي بقوة ضرباته التي يستشهدهم عليها بوساطة تذكيرهم بما سبق من المعارك .

وعند الاستنتاج نعرف ان الضرب لا يكون إلا باليد التي تلتف على قبضة سيف له صولاته في الميادين وهو جاهز للهجوم كما تفعل الحية عندما تقاتل برأسها العنيف والمسموم ..

لا بد أيضا من دراسة تاريخية معمقة لاستجلاء الرأي وحسم الموقف الذي اتخذه طرفه في تضخيم ( اناه ) على حساب القبيلة والانتماء اليها ربما أحس انه جزء فاعل ومهم في القبيلة ومن حقه أن تكون له الفردانية والشخصية المستقلة بما يحقق اناه داخل وحدة القبيلة او انه أحس بأن القبيلة تريده أن يذوب فيها فردا لا يختلف عن غيره حتى لو كان شاعرها فالجميع سواسية عند الملمات وكل فرد يؤدي دوره وواجبه من دون خصوصية متميزة ومن هنا تباينت المواقف , وربما اراد أن تكون القبيلة منتمية اليه بوصفه علامة فارقة بوصفه شاعر القبيلة الذي يباهي بها في شعره الذي يعلي شأنها ويرد على اعدائها ولولاه لنال منها الاعداء قولا وفعلا على اساس انه شاعرها وفارسها .

عند دراسة التباين بين الذات المتفردة والقبيلة المتشيدة نجد ان هناك صراعا خفيا يسعى كل واحد الى فرض هيمنته على الآخر وكل جهة تفترض حقها ونصيبها من الآخر ويبقى السؤال المهم هل من منتصر او ان المعادلة تبقى متعادلة ؟

 

قد يعجبك ايضا