د. أيوب گەڵاڵی
في 16 آب عام 1946، وعلى سفوح جبال كوردستان الشامخة وفي أحضان جمهورية كوردستان في مهاباد، أبصر مسعود بارزاني النور ليكون طفلاً اقترن مصيره بصخور الجبال الصلبة، وتداخلت حياته مع مسار قرنٍ كامل من نضال أمة بأكملها. ولم تكن نشأته في البيوت والقصور الفخمة، بل تفتحت عيناه في أتون الثورة ومعاناة التشرد وعلى أصوات طلقات البنادق. وبالنسبة إليه، لم تكن الپيشمرگة مجرد مفهوم عسكري أو مجرد حملٍ للسلاح، بل عقيدة ونهجاً إنسانياً توارثه عن الشيخ عبد السلام، والشيخ أحمد، والملا مصطفى بارزاني، وهو نهجٌ يقوم على العدالة والتسامح وحماية المكونات الدينية والقومية دون تمييز وصون كرامة الإنسان.
لقد حفلت سيرة هذا القائد بمحطات مفصلية وقرارات معقدة في أشد اللحظات حرجاً، حيث تحمل منذ سن مبكرة مسؤوليات جسام في العمل النضالي والعسكري. وعقب الانتكاسة المريرة عام 1975 التي خيمت بالإحباط على الحركة التحررية الكوردية وجعلت الكثيرين يعتقدون أن النضال قد انتهى، تولى البارزاني مع رفاقه قيادة الهيئة المؤقتة للحزب لينفخ روح الأمل مجدداً ويعيد إشعال جذوة الثورة من قمم الجبال. ورغم تجربة الغربة والتشرد والمؤامرات الدولية التي لاحقته، ومنها محاولة اغتياله في العاصمة النمساوية فيينا، لم تتراجع عزيمته قط. وبعد رحيل بارزاني الأب في 1 آذار 1979، انتُخب في المؤتمر التاسع رئيساً للحزب الديمقراطي الكوردستاني لمواصلة مسيرة النضال.
وجاءت نقطة التحول الحقيقية التي تجلت فيها رؤيته السياسية مع انتفاضة ربيع عام 1991. ففي تلك اللحظة التاريخية التي كان الانتقام فيها الخيار الأسهل أمام أمة جريحة تنزف دماءها، أثبت البارزاني فلسفة التسامح البارزانية حيث أعلن العفو العام عن آلاف الجنود العراقيين الأسرى وأعادهم بكل احترام وكرامة إلى عائلاتهم، موجهاً بذلك رسالة حضارية للعالم أجمع. وفي نوروز العام نفسه من مدينة كويسنجق، أطلق نداؤه التاريخي بنقل شرعية الثورة والجبل إلى شرعية الديمقراطية وسيادة القانون عبر انتخابات حرة وتأسيس برلمان وحكومة الإقليم.
وبعد سقوط النظام السابق في نيسان 2003، وقف البارزاني بثبات في بغداد والمحافل الدولية مدافعاً بقوة عن حقوق الشعب الكوردي وجميع المكونات من تركمان ومسيحيين وإيزيديين وغيرهم. كما رفض بشكل قاطع التعامل مع قوات الپيشمرگة باعتبارها مجرد ميليشيات يجب حلها مؤكداً أنها قوة رسمية وتحررية وسورٌ لحماية كوردستان وهو ما تم تثبيته دستورياً. وعندما جاءت حرب الظلام التي شنها تنظيم داعش صيف عام 2014، ارتدي زي الپيشمرگة مجدداً ونزل إلى الخطوط الأمامية في كركوك وجلولاء وكوير ومخمور وسنجار وزمار ليقود المعارك ميدانياً ويشرف على الخطط العسكرية ضد أشرس تهديد إرهابي عرفه التاريخ.
تجلت ذروة القرار السياسي والقومي للرئيس مسعود بارزاني في 25 أيلول عام 2017 عندما قاد استفتاء الاستقلال رغم الضغوط الداخلية والإقليمية والدولية المعقدة بهدف تثبيت حق تقرير المصير كوثيقة تاريخية تصون صوت الأمة وحق الأجيال القادمة. إن حياة مسعود بارزاني هي تجسيد حي لقصة قائد تمرس بين وعورة الجبال ومعاناة التشرد وتعقيدات الدبلوماسية الدولية، وهي قصة عنوانها الثبات على المبادئ والشجاعة في اتخاذ القرارات المصيرية لتبقى الأمة حية وتمضي بثقة نحو مستقبل أكثر عزاً وكرامة.