حماية المال العام بين غموض التنفيذ وأحكام القانون التضمین (اقلیم كوردستان) كنموذج

الباحث القانوني: رنج باراوي*

إن موضوع (التضمين) المعروف في الإطار القانوني لإقليم كوردستان بقانون التضمین يُعدّ أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً في طبيعة العلاقة بين الإدارة العامة والموظفين؛ فهو يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحماية المال العام وصونه، وفي الوقت ذاته يصطدم بالعديد من التحديات العملية والقانونية والإدارية التي تستوجب فهماً دقيقاً لتفاصيلها وموادتها القانونية.

يُعرّف «التضمين» إدارياً وقانونياً بأنه: عملية استرداد قيمة الضرر المادي الذي لحق بالمال العام (سواء كان منقولاً أو غير منقول) نتيجة إهمال، أو تقصير، أو مخالفة للقوانين والتعليمات، أو تعمُّد الإضرار، وذلك من قِبل الموظف أو المكلف بخدمة عامة.
في السياق القانوني لإقليم كوردستان، اضطرت الدوائر لزمن طويل في غياب تشريع وطني خاص إلى الاعتماد على القوانين الاتحادية، كقانون تضمين أموال الدولة رقم (٣١) لسنة ٢٠١٥. ثم أصدر برلمان كوردستان القانون رقم (٥) لسنة ٢٠٢٠ (قانون التضمين في إقليم كوردستان – العراق) لمعالجة هذا الفراغ التشريعي.

تتضمن مواد وأحكام هذا القانون مجموعة من النصوص الأساسية التي تنظم آليات تشكيل لجان التحقيق، وتحديد مسؤولية الموظف، وتقييم الأضرار المادية للأموال المنقولة وغير المنقولة، فضلاً عن كفالة حق الطعن والتظلم من القرارات. إلا أن التطبيق العملي اصطدم بعقبات عدة، أبرزها التأخر النسبي في إصدار تعليمات تفصيلية ومتكاملة، وعدم تناغم التطبيق مع واقع الأزمات المالية، مما أبقى إشكالية التنفيذ معلقة في بعض القطاعات الإدارية.

من هنا، يبرز التساؤل الجوهري: متى ينشأ التضمين؟

إن التضمين ليس قراراً اعتباطياً بأي حال من الأحوال، بل ينشأ حصراً استناداً إلى النصوص النافذة في حالات محددة تؤدي إلى الإضرار بأموال الدولة وممتلكاتها:

أولاً: الإهمال والتقصير:عندما يتسبب الموظف نتيجة الإعدام الواضح للحرص أو الاستهتار بواجباته في تلف الأجهزة والمعدات الحكومية أو احتراقها أو ضياعها.
ثانياً: مخالفة القوانين والتعليمات الصريحة: ارتكاب فعل يتعارض مع الضوابط الإدارية الرسمية ويخلف أضراراً مالية جسيمة.
ثالثاً: الإضرار المتعمد (العمد): إذا تعمد الموظف الإضرار بالمال العام؛ وفي هذه الحالة لا يقتصر الأمر على التضمين الإداري فحسب، بل يواجه المخالف العقوبات الجزائية الصارمة أيضاً.

وتتفرع عن ذلك تساؤلات ملحة حول أسباب ضعف أو اضطراب ممارسة التضمين والمساءلة في الإقليم (مع الاعتبارات العملية):

رغم وجود النصوص القانونية الحاكمة كالقانون رقم (٥) لسنة ٢٠٢٠، إلا أن الواقع الإداري في إقليم كوردستان يشهد عقبات جمة في التطبيق:

أولاً: غياب المرونة مع الواقع المالي: إذ إن فرض الأقساط واقتطاع نسب التضمين من رواتب الموظفين في أوقات الأزمات المالية وتأخر صرف الرواتب يثقل كاهل المعيشة، دون إيجاد توازن حقيقي بين حماية المال العام والقدرة المالية للموظف.
ثانياً: ظاهرة تسليم العهد (السيارات الحكومية) لأكثر من شخص: تقتضي الأصول الإدارية السليمة أن تُخصص السيارة الحكومية لسائق واحد أو مسؤول محدد بصفة رسمية؛ أما تسليمها لعدة أشخاص خلال عام واحد دون محاضر تسليم وتسلم أصولية، فيؤدي حتمياً إلى تخلخل مبدأ التضمين، لتعذر معرفة المتسبب الحقيقي عند وقوع التلف، مما يضطر الإدارة إما إلى حفظ الملف أو إصدار قرار مجحف.
ثالثاً: غياب المساواة أمام المخالفات المرورية والتراتبية الوظيفية:على الرغم من مبدأ المساواة أمام القانون، غالباً ما تُهمل الغرامات والعقوبات المرورية المفروضة على سيارات المسؤولين وذوي الدرجات الخاصة بسبب نفوذهم، أو تُسوى على حساب المال العام، في حين ينبغي أن يواجه قرار التضمين والاقتطاع المخالف أياً كان لقبه أو منصبه.

ولحسم أي حالة إضرار، وضع قانون التضمين مساراً إدارياً محكماً يتمثل في (لجنة التحقيق والتضمين):

التشكيل والمهام: تُشكل هذه اللجنة رسمياً بأمر من السلطة المختصة؛ وتتمثل مهامها في التدقيق الشامل، والتحري عن ملابسات الضرر، وتحديد حجم الخسارة (منقولة كانت أم عقارية)، وبيان نسبة تقصير الموظف أو مسؤوليته.
القرار والطعن:عقب اكتمال التحقيقات والتقييم الفني والعلمي للضرر، يُرفع التقرير لإصدار قرار التضمين النهائي، مع كفالة الحق القانوني للموظف في التظلم والطعن خلال المدة المقررة قانوناً.
مخاطر تعطيل اللجان والفساد الإداري: يُعد تشكيل هذه اللجنة واجباً قانونياً حتمياً (وجوبياً) عند وقوع أي إضرار بالمال العام؛ وإن التهرب من تشكيلها أو التستر على الضرر يندرج بوضوح في خانة (الخرق الإداري)، و(التستر والفساد المالي) لمصلحة شخص نافذ أو مقرب، مما يضع رئيس الدائرة نفسه تحت طائلة المسؤولية الجزائية والقانونية.

التوصيات والمقترحات الإصلاحية:

بناءً على قراءة عميقة للواقع الإداري في المؤسسات الحكومية واستقراء النصوص القانونية، نقترح حزمة من التوصيات والملاحظات الإدارية والقانونية لتعزيز فاعلية نظام التضمين في دوائر إقليم كوردستان:

۱. توحيد التعليمات وإصدار نظام داخلي شامل: ينبغي لمجلس وزراء إقليم كوردستان إصدار نظام داخلي موحد لجميع الوزارات، لتوحيد آليات التحقيق والتقييم في كافة الدوائر، قطعاً لدابر الازدواجية والتفاوت الإداري.
۲. الاعتماد الإلزامي على الخبير القضائي في التقييم: يُشترط نصّاً في القوانين والتعليمات أن يُجرى تقييم الأضرار التي تصيب المنقولات والعقارات (كالآلات والمباني والسيارات) رسمياً وبواسطة (الخبير القضائي)، لا الاكتفاء بلجان داخلية تفتقر للتوثيق العلمي، منعاً لأي تعسف أو إجحاف بحق الموظف.
۳. إنهاء الاستثناءات الطبقية والتراتبية في التنفيذ: يتوجب على ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة في الإقليم فرض رقابة صارمة على إنفاذ قرارات التضمين بغض النظر عن النفوذ أو الموقع الوظيفي، ومعاقبة أي محاولة للتستر أو الامتناع عن تشكيل لجان التحقيق بكل حزم.
٤. مراعاة الواقع المعيشي عند التقسيط:يتعين على الدوائر عند استقطاع أقساط التضمين إرساء توازن دقيق بين مقتضيات حماية المال العام وبين القدرة المعيشية ومستوى دخل الموظف، بحيث لا يفضي الاستقطاع إلى شلل تام في الحياة المعيشية لأسرته.

لذلك يُعدّ نظام التضمين أو الإلزام القانوني وفقاً لمضامين القانون رقم (٥) لسنة ٢٠٢٠ درعاً واقياً لصيانة الثروة العامة واجتثاث الإهمال لربما الاهمال یصدر عنه الجرائم والاضرار بالغیر جسدیا ویشكل الجریمة المعاقب علیها قانون لذلك الاهتمام بهذا القانون واستباط التعلیمات الصادرة منه یوضح الغموض وسهولة تطبیقه ، غير أن نجاح تطبيقه يظل رهيناً بالتنفيذ النزيه والعادل لمواده، والنأي عن المحاباة الطبقية أو التغاضي الإداري.

* معهد الاصلاح الجنائي كوردستان العراق

المصادر والهوامش الرسمية:

أولاً: القوانين والتشريعات الرسمية:-

۱.قانون التضمين في إقليم كوردستان – العراق
الرقم والسنة: قانون رقم (٥) لسنة ٢٠٢٠.
تاريخ النشر: نُشر في الجريدة الرسمية (وقائع كوردستان) بالعدد (٢٥٩) في تاريخ (٢٠٢٠/١١/١٦).
۲.. قانون تضمين أموال الدولة (القانون الاتحادي):
الرقم والسنة: قانون رقم (٣١) لسنة ٢٠١٥.
تاريخ النشر: نُشر في الجريدة الرسمية العراقية (الوقائع العراقية) بالعدد (٤٣٨٦) في تاريخ (٢٠١٥/١١/٩).

۳. قانون جباية الديون الحكومية:
الرقم والسنة: قانون رقم (٥٦) لسنة ١٩٧٧.
تاريخ النشر: نُشر في الجريدة الرسمية العراقية (الوقائع العراقية) بالعدد (٢٥٨٧) في تاريخ (١٩٧٧/٥/١٦).

٤.قانون العقوبات العراقي (المتعلق بالإضرار المتعمد):
الرقم والسنة: قانون رقم (١١١) لسنة ١٩٦٩ (المعدل).
تاريخ النشر: نُشر في الجريدة الرسمية العراقية (الوقائع العراقية) بالعدد (١٧٧٧) في تاريخ (١٩٦٩/٩/١٥).

ثانياً: المصادر الإدارية، القضائية والتعليمات:-

۱.قانون مجلس شورى إقليم كوردستان:
الرقم والسنة: قانون رقم (١٤) لسنة ٢٠٠٨ (المعدل).
تاريخ الإصدار: أُقر من قبل برلمان كوردستان في تاريخ (٢٠٠٨/٧/٢١).

۲.قانون السلطة القضائية في إقليم كوردستان – العراق:
الرقم والسنة: قانون رقم (٢٣) لسنة ٢٠٠٧.
تاريخ النشر: نُشر في الجريدة الرسمية (وقائع كوردستان) بالعدد (٨٣) في تاريخ (٢٠٠٧/٩/٢٠).

۳.تعليمات تسهيل تنفيذ قانون تضمين أموال الدولة:
الرقم والسنة: تعليمات رقم (٢) لسنة ٢٠١٦، الصادرة عن وزارة المالية الاتحادية.
تاريخ النشر: نُشرت في الجريدة الرسمية العراقية (الوقائع العراقية) بالعدد (٤٣٩٦) في تاريخ (٢٠١٦/٢/١٥).

٥.التعليمات الإدارية الداخلية للوزارات:
اللوائح والتعليمات الدستورية والإدارية الصادرة عن مجلس الوزراء والوزارات المعنية في إقليم كوردستان (مثل وزارة المالية والاقتصاد) الخاصة بتشكيل لجان التحقيق، والتي تصدر سنوياً بموجب أوامر وزارية عامة.

قد يعجبك ايضا