حين يصبح الإنسان بوصلة العمل العام من تكريم المتفوقين إلى بناء مجتمع يؤمن بأن المستقبل يُصنع ولا يُنتظر

أحمد زبير باني

هناك مبادرات تنتهي بانتهاء المناسبة، ومبادرات تبدأ من المناسبة. والفرق بينهما أن الأولى تمنح شيئًا عابرًا، بينما تترك الثانية معنى وأثرًا ودافعًا للاستمرار.

ومن هذا المنظور يمكن قراءة المبادرات التي يشهدها مكتب تنظيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني في محافظة دهوك، في مجالات التربية والتعليم والشباب والرياضة والثقافة والفنون والشأن الاجتماعي؛ فهي، في جوهرها، ليست مجرد فعاليات احتفالية، بل تعبير عن رؤية تجعل الإنسان محور العمل العام وهدفه الأهم.

إن تكريم 68 طالبًا وطالبة من المتفوقين في محافظة دهوك وإدارة زاخو المستقلة، بدعم من السيد إدريس نيجيرفان بارزاني، وبحضور وإشراف السيد سربست لزگين، عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني ومسؤول مكتب تنظيم الحزب في محافظة دهوك، يتجاوز قيمة الجائزة ذاتها. فالرسالة الأعمق هي أن التفوق يُرى ويُقدّر، وأن العلم والاجتهاد طريقان يستحقان التشجيع.

وخلف كل طالب متفوق قصة طويلة من التعب والسهر، وأسرة آمنت، ومعلم بذل، وظروف ربما لم تكن سهلة، وإرادة اختارت أن تصل. ولذلك فإن تكريم الطالب هو، في جانب منه، تكريم لكل من وقف خلف نجاحه.

المعلم… صانع البدايات

وفي كل قصة نجاح، هناك اسم قد لا يظهر في الصورة، لكنه حاضر في كل تفاصيلها: المعلم.

فالمعلم ليس ناقلًا للمعلومة فحسب، وإنما هو أحد أهم صُنّاع الإنسان. هو الذي يكتشف الموهبة قبل أن يراها الآخرون، ويزرع الثقة في نفس الطالب، ويعلّمه الانضباط، ويفتح أمامه أبواب السؤال والمعرفة.

وربما لا يدرك المعلم أن كلمة تشجيع واحدة قالها في لحظة مناسبة قد تغيّر حياة إنسان كامل.

وراء كل طبيب أو مهندس أو أستاذ جامعي أو باحث أو مثقف أو فنان، يقف في مكان ما معلم علّمه الحرف الأول، وأشعل فيه حب المعرفة، ودفعه إلى أن يؤمن بقدرته على الوصول.

ولهذا فإن دعم التعليم لا ينبغي أن يتوقف عند الطالب، بل يجب أن يشمل المعلم أيضًا: احترام مكانته، وتقدير جهده، وتطوير أدواته، وتحسين بيئته التعليمية، والاستماع إلى صوته واحتياجاته.

فإذا كان الطالب ثمرة العملية التعليمية، فإن المعلم أحد أهم من يرعى هذه الثمرة حتى تنضج.

ومن هنا فإن الاستثمار في المعلم هو استثمار في أجيال كاملة.

من المدرسة إلى الجامعة

لا يمكن الحديث عن بناء المستقبل من دون وضع التعليم في قلب أي مشروع جاد.

فالطريق إلى المستقبل لا يبدأ من المصانع والمشاريع والبنى التحتية وحدها، بل يبدأ من المدرسة، ومن الكتاب، ومن المعلم، ومن الطالب، ومن الأسرة التي تؤمن بأن تعليم أبنائها ليس إنفاقًا، بل استثمارًا طويل الأمد.

ومن المدرسة تنتقل الرحلة إلى الجامعة، حيث ينبغي أن يتحول الطالب من متلقٍ للمعرفة إلى منتج لها.

فالجامعة ليست شهادة تُضاف إلى ملف، وإنما فضاء لبناء الشخصية، وتنمية التفكير، والبحث، والحوار، وتحمل المسؤولية.

الجامعة الحقيقية هي التي تعلم الطالب كيف يسأل قبل أن تعلمه كيف يجيب، وكيف يبحث قبل أن يحفظ، وكيف يختلف دون أن يخاصم، وكيف يحول تخصصه من معرفة شخصية إلى خدمة للمجتمع.

وهنا يصبح دعم الشباب في مسيرتهم العلمية والفكرية استثمارًا مباشرًا في مستقبل المجتمع.

العلم في أصعب الظروف

وليس الاهتمام بالتعليم ترفًا ارتبط بظروف الرخاء. فقد ظل العلم حاضرًا في الذاكرة الكوردستانية حتى في أصعب مراحل النضال والنزوح والمخيمات.

حين ضاقت الإمكانات، اتسع الإصرار على تعليم الأبناء.

وحين اضطرب الحاضر، بقي التفكير في المستقبل حاضرًا.

وهذا ما يجعل التعليم أكثر من مجرد وسيلة للحصول على وظيفة؛ إنه حماية للهوية، وصيانة للذاكرة، واستثمار في قدرة المجتمع على الاستمرار والنهوض.

فالأمم قد تخسر الكثير في الأزمات، لكنها حين تحافظ على تعليم أبنائها فإنها تحافظ على أهم ما تملكه: الإنسان.

حين تخرج المسؤولية من المكتب إلى المجتمع

وفي هذا السياق، يكتسب حضور السيد سربست لزگين، عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني ومسؤول مكتب تنظيم الحزب في محافظة دهوك، دلالة تتجاوز الجانب البروتوكولي.

فالمسؤولية العامة لا تُقاس فقط بما يُقال في المكاتب أو في المناسبات السياسية، وإنما بما يتحول من الأفكار إلى حضور فعلي في حياة الناس.

حين يكون المسؤول قريبًا من المدرسة والجامعة، من الشباب والرياضيين، من المثقفين والفنانين، من الأسر ومختلف فئات المجتمع، يصبح العمل العام أكثر اتصالًا بالواقع وأكثر قدرة على فهم احتياجات الناس.

ومن هنا يمكن النظر إلى هذه المبادرات باعتبارها جسرًا بين العمل السياسي والمجتمع، وبين المؤسسة والإنسان.

فالسياسة، حين تقترب من الإنسان، تصبح أكثر من خطاب؛ تصبح فعلًا ومسؤولية وأملًا.

الرياضة والثقافة والفنون… وجوه أخرى لبناء الإنسان

إن بناء الإنسان لا يكتمل بالتعليم وحده.

فالرياضة مدرسة للانضباط والعمل الجماعي والثقة بالنفس. وفي الملعب يتعلم الشاب أن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن الإنجاز يحتاج إلى تدريب وصبر والتزام، وأن الهزيمة ليست نهاية الطريق.

أما الثقافة فهي ذاكرة المجتمع ووعيه، والفن هو إحدى أكثر الوسائل قدرة على التعبير عن الإنسان وحفظ مشاعره وتاريخه وهويته.

قد يسجل المؤرخ حدثًا في صفحات، لكن لوحة فنية قد تختصر إحساس جيل كامل.

وقد يحتاج الباحث إلى عشرات الصفحات لشرح قضية، بينما يستطيع شاعر أو فنان أن يضع جوهرها في كلمات أو صورة تبقى في الذاكرة.

لذلك فإن دعم الثقافة والفنون ليس ترفًا، بل هو جزء من بناء مجتمع يمتلك وعيًا بذاته وقدرة على التعبير عن تطلعاته.

الشباب والمرأة والأسرة… شركاء في صناعة المستقبل

وفي قلب هذه الرؤية يقف الشباب، ليس باعتبارهم “جيل المستقبل” فقط، وإنما باعتبارهم قوة حاضرة وشريكًا في صناعة اليوم.

الشباب هم طاقة الجامعات، والرياضة، والثقافة، والمبادرات، والتكنولوجيا، والمشاريع الجديدة. ومنحهم الفرصة والثقة والاستماع إلى أفكارهم يعني منح المجتمع قدرة أكبر على التجدد.

وكذلك لا يمكن لأي رؤية اجتماعية جادة أن تتجاهل دور المرأة، فهي الأم والمعلمة والطبيبة والمهندسة والأكاديمية والمبدعة والرياضية والإدارية، وهي شريك أساسي في صناعة الإنسان والأسرة والمجتمع.

أما الأسرة، فهي الشريك الذي غالبًا ما يبقى خارج الصورة. وراء كل نجاح أسرة سهرت، وتعبت، وضحت، وآمنت.

ولهذا فإن دعم الطالب هو في جانب منه دعم للأسرة، وتكريم المتفوق هو اعتراف بجهد جماعي صامت لم يظهر على منصة التكريم.

من المبادرة إلى الأثر

القيمة الحقيقية للمبادرات لا تكمن في لحظة الاحتفال وحدها، وإنما فيما تتركه بعد انتهاء المناسبة.

فإذا بقيت الجائزة فقط، كانت مبادرة جميلة.

أما إذا بقي معها دافع لمواصلة النجاح، وثقة بالنفس، ورغبة في خدمة المجتمع، وتحفيز للآخرين، فقد أصبحت المبادرة ذات أثر حقيقي.

ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من المبادرة إلى المؤسسة، ومن الحدث إلى الثقافة، ومن الدعم المؤقت إلى التمكين المستدام.

رعاية المتفوقين ينبغي أن تتحول إلى مسار مستمر، واكتشاف المواهب إلى مشروع دائم، ودعم الرياضة إلى استراتيجية للشباب، والثقافة والفنون إلى مساحة مستمرة للإبداع، والاهتمام بالمعلم إلى جزء أصيل من أي رؤية تعليمية.

فالحدث جميل، لكن المؤسسة أبقى.

والاحتفال مهم، لكن البرنامج أهم.

والتصفيق جميل، لكن الأثر هو الذي يبقى.

الإنسان… الاستثمار الذي لا يخسر

هناك استثمارات قد تتراجع قيمتها مع الزمن، وهناك استثمار تتضاعف قيمته كلما مرت السنوات.

والاستثمار في الإنسان من النوع الثاني.

حين تساعد طالبًا على مواصلة تعليمه، فأنت لا تساعد شخصًا واحدًا فقط؛ ربما تساعد طبيبًا سيعالج آلاف المرضى، أو مهندسًا سيبني، أو معلمًا سيصنع أجيالًا، أو باحثًا سيقدم معرفة جديدة، أو فنانًا سيترك أثرًا ثقافيًا، أو رياضيًا سيصبح قدوة لجيل كامل.

ولهذا فإن دعم الإنسان يشبه زرع شجرة؛ قد لا يرى من زرعها كل ثمارها، لكن ظلها قد يمتد إلى أجيال لم يعرفها.

وهنا تكمن عظمة الاستثمار في الإنسان.

دهوك… رصيد من الطاقات

إن دهوك بما تمتلكه من مدارس وجامعات وطاقات شبابية ومواهب رياضية وثقافية وفنية، تملك رصيدًا بشريًا كبيرًا يستحق الرعاية والاهتمام.

والطاقات لا تحتاج دائمًا إلى الكثير؛ أحيانًا تحتاج فقط إلى من يراها، ومن يؤمن بها، ومن يفتح أمامها بابًا.

وقد تبدو المبادرة صغيرة في لحظتها، لكنها قد تكون بداية قصة كبيرة في المستقبل: قصة طبيب، أو مهندس، أو عالم، أو رياضي، أو فنان، أو معلم يصنع أجيالًا.

وهنا تكمن قيمة العمل العام الحقيقي: أن يرى الإنسان قبل أن يرى المناسبة، وأن يرى المستقبل قبل أن ينشغل بالحاضر وحده.

الخاتمة: المستقبل لا يُنتظر

إن بناء مجتمع قوي ليس مشروع موسم، ولا يمكن اختزاله في مناسبة مهما كانت قيمتها.

إنه بناء يشبه الجبال في رسوخها؛ يبدأ بخطوة، ثم خطوة، ثم أخرى، حتى يصبح أمام الأجيال صرحًا لا تهزه الرياح.

وهكذا هي المبادرات التي تستهدف الإنسان.

طالب يُكرَّم.

معلم يُقدَّر.

رياضي يُدعَم.

فنان يُحتضَن.

شاب يُشجَّع.

امرأة تُمكَّن.

أسرة تُسانَد.

وموهبة تُكتشف.

قد تبدو هذه الأعمال منفصلة، لكنها في حقيقتها حلقات في مشروع واحد: مشروع بناء الإنسان.

ومن هنا فإن دور مكتب تنظيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني في محافظة دهوك، وما يرتبط به من مبادرات في المجالات التربوية والتعليمية والرياضية والثقافية والفنية والاجتماعية، يمكن أن يُقرأ في إطار أوسع: السعي إلى جعل العمل العام أكثر قربًا من الإنسان وأكثر اتصالًا بحاجاته وطموحاته.

فالمجتمع لا يبنيه السياسي وحده، ولا الأكاديمي وحده، ولا المعلم وحده، ولا الرياضي وحده، ولا المثقف وحده؛ بل يبنيه الجميع حين يشعر كل فرد أن له مكانًا في مشروع المستقبل.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم:

الإنسان الذي نعلّمه اليوم هو المجتمع الذي سنعيش فيه غدًا.

والطفل الذي نزرع في قلبه حب العلم قد يصبح عقلًا ينير طريق وطنه.

والطالب الذي نكرمه اليوم قد يصبح غدًا طبيبًا أو مهندسًا أو عالمًا أو أستاذًا يغيّر حياة الآخرين.

والمعلم الذي ندعمه اليوم قد يكتب بتلاميذه فصولًا كاملة من مستقبل المجتمع.

والشاب الذي نمنحه فرصة قد يصبح يدًا تبني مؤسسة.

والرياضي الذي نرعاه قد يصبح قدوة لجيل كامل.

والفنان الذي نحتضنه قد يصبح ذاكرة تحفظ ما لا تستطيع الكتب وحدها حفظه.

لذلك فإن أعظم ما يمكن أن تقدمه المؤسسات والمجتمعات ليس شيئًا ينتهي بانتهاء يوم، بل فرصة تجعل الإنسان قادرًا على بناء بقية أيامه.

العلم، والتربية، والثقة، والفرصة، والكرامة، والمعرفة، والإبداع.

فالأوطان لا تحرسها الحدود وحدها؛ تحرسها العقول.

ولا تصونها القوانين وحدها؛ يصونها الوعي.

ولا تبنيها الأموال وحدها؛ يبنيها الإنسان.

وحين يكون الإنسان هو البوصلة، لا يعود المستقبل أمنية ننتظرها، بل يصبح مشروعًا نصنعه بأيدينا، جيلًا بعد جيل.

قد يعجبك ايضا