رحلة في رحاب آل البيت والعلم والصلاح في مصر ..

نوري جاسم .

الحمد لله الذي جعل في الأرض مواطنَ للعلم والذكر والمحبة، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد ﷺ، وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه أجمعين.
كانت زيارتي إلى مصر رحلةً تجاوزت معنى السفر؛ إذ كانت جولةً في صفحات مضيئة من التاريخ الإسلامي، بين آل بيت النبوة، ومشاعل العلم، ومقامات أهل الصلاح. بدأت رحلتي في القاهرة من رحاب الإمام الحسين بن علي عليهما السلام، سبط رسول الله ﷺ، وابن السيدة فاطمة الزهراء والإمام علي عليهما السلام، المولود سنة 4 هـ / 626م تقريبًا، والشهيد في كربلاء سنة 61 هـ / 680م؛ ذلك الإمام الذي بقيت سيرته عنوانًا للكرامة والثبات والتضحية.
ثم تشرفت بزيارة السيدة زينب بنت الإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء عليهما السلام، حفيدة رسول الله ﷺ وأخت الإمام الحسين عليه السلام، والتي اشتهرت بالصبر والفصاحة والثبات، وارتبط اسمها في الذاكرة الإسلامية بموقفها العظيم بعد واقعة كربلاء. ومنها إلى السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي عليهم السلام، المعروفة بـ«نفيسة العلم»، المولودة سنة 145 هـ والمتوفاة في القاهرة سنة 208 هـ؛ تلك السيدة الجليلة التي اجتمع في سيرتها العلم والعبادة والزهد، فغدا مقامها أحد أشهر مشاهد آل البيت في مصر. ثم زرت السيدة سكينة بنت الإمام الحسين عليهما السلام، من كريمات أهل البيت، والمشهورة بالعلم والأدب والفصاحة، والتي تُذكر وفاتها سنة 117 هـ، مع اختلاف المؤرخين في بعض تفاصيل حياتها. وكانت لي كذلك وقفة عند مشهد السيدة رقية، المنسوب في المصادر المصرية إلى السيدة رقية بنت الإمام علي عليه السلام، ثم عند المشهد المعروف بذرية الإمام جعفر الصادق عليه السلام، الإمام الجليل المولود سنة 83 هـ والمتوفى سنة 148 هـ، أحد كبار علماء أهل البيت وأئمة العلم في عصره. وزرت أيضًا مشهد السيدة عاتكة، الذي تُنسبه الرواية المتداولة إلى عاتكة عمة رسول الله ﷺ، مع وجود خلاف تاريخي في تحديد صاحبة القبر على وجه القطع؛ فكان الأدب مع المقام مقرونًا بالأمانة في النقل والتاريخ.
ثم كان لي شرف الوقوف في جامع الأزهر الشريف؛ ذلك الصرح العلمي الذي ظل لأكثر من ألف عام منارةً للعلم والفقه واللغة والتفسير والحديث، وشاهدًا على عظمة الحضارة الإسلامية واستمرار رسالتها. وفي رحاب القاهرة كانت لي زيارة إلى الشيخ صالح الجعفري رحمه الله، العالم الأزهري والعارف بالله، المولود سنة 1328 هـ والمتوفى سنة 1399 هـ، والذي جمع بين العلم والتربية والذكر والأدب، وترك أثرًا عميقًا في مدرسة التصوف والعلم بالأزهر.
ثم امتدت الرحلة إلى طنطا، حيث تشرفت بزيارة مقام السيد أحمد البدوي رحمه الله، المولود في فاس سنة 596 هـ / 1200م، والمتوفى في طنطا سنة 675 هـ / 1276م، أحد أشهر أعلام التصوف في مصر، وصاحب حضور راسخ في وجدان المصريين. ومن طنطا إلى دسوق، حيث مقام سيدي إبراهيم الدسوقي رحمه الله، المولود سنة 653 هـ / 1255م والمتوفى سنة 696 هـ / 1296م، أحد أعلام العلم والتربية الروحية في مصر. وكان ختام الرحلة في دقادوس بمحافظة الدقهلية، مسقط رأس العالم الجليل الإمام الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله، المولود في 15 أبريل 1911م والمتوفى في 17 يونيو 1998م، والذي ترك أثرًا بالغًا في وجدان المسلمين من خلال تفسيره للقرآن الكريم وأسلوبه القريب من القلوب والعقول.
وهكذا لم تكن رحلتي في مصر رحلةً بين مدن ومقامات فحسب، بل كانت رحلة قلبٍ بين آثار النبوة، وأنوار أهل البيت، ومجالس العلم، ومقامات الصالحين. من القاهرة، حيث عبق آل البيت والأزهر، إلى طنطا ودسوق، حيث أعلام التصوف والتربية، وصولًا إلى دقادوس، حيث مسقط رأس إمام الدعاة؛ وجدت مصر حاضرةً في كل محطة بوصفها أرضًا احتضنت العلم، وكرمت آل البيت، وحفظت تراث العلماء والصالحين.
وقد عدت من هذه الرحلة وأنا أشعر أن بعض الأسفار لا تُقاس بالمسافة التي نقطعها، وإنما بالأثر الذي تتركه في القلب. فالحمد لله على نعمة الزيارة، والحمد لله على نعمة المحبة، والحمد لله الذي جمعني في هذه الرحلة المباركة بين محبة رسول الله ﷺ وآل بيته الكرام، وتعظيم العلم والعلماء، وتقدير أهل الصلاح والفضل.
مصر… رحلةٌ زرتها بالأقدام، ولكنني عدت منها بالقلوب.
وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..

قد يعجبك ايضا