المحامي: اسعد الجوراني
تُعدّ مسألة التكييف القانوني للوقائع من أهم الضمانات القضائية لسيادة القانون وتطبيق العدالة؛ إذ إن إسباغ الوصف القانوني الخاطئ على الفعل قد يؤدي إلى المساس بحقوق الأفراد وحرياتهم، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالفصل بين الجرائم الإرهابية والجرائم الفكرية أو العقائدية
في هذا السياق، استقرت المبادئ القضائية الحديثة على التمييز الدقيق بين الأفعال التي تحمل طابعاً إرهابياً واستوفيت أركانها القانونية، وبين الجرائم العقائدية أو السلوكية التي تخضع لأحكام القوانين العقابية العامة:
أولاً: أركان الجريمة الإرهابية ومدى انطباقها على الأفكار العقائدية المنحرفة
تتطلب الجريمة الإرهابية بموجب القوانين النافذة (كقانون مكافحة الإرهاب) توافر أركان خاصة تميزها عن بقية الجرائم العقابية.
الركن المادي: يتجسد في استخدام القوة، أو العنف، أو التهديد بهما، أو إحداث الخوف والترويع، أو القيام بأعمال تخريبية تهدف إلى إشاعة الرعب أو تعطيل مؤسسات الدولة.
الركن المعنوي (القصد الخاص): ينصرف إلى تحقيق غايات إرهابية محددة؛ مثل تقويض نظام الحكم، أو إثارة الفتنة الطائفية بالقوة، أو استخدام السلاح لإرغام سلطات الدولة على اتخاذ قرار ما
الأفعال المنسوبة إلى المتهم — والتي تتلخص في (الترويج لأفكار متطرفة بهدف استقطاب الشباب). التشكيك في تقليد المراجع الدينية. الترويج لأفكار عقائدية منحرفة (كالادعاء بالألوهية للأئمة) والانتماء لقيادات مجاميع عقائدية متطرفة (مثل العلاهية، القمرية، والأكبرية وغيرها)
تُعد جميعها أفعالاً ذات طابع فكري أو عقائدي أو ديني. ورغم خطورتها المجتمعية وخروجها عن الأطر العامة، إلا أنها — بحسب التكييف القانوني المجرد — تفتقر إلى العنصر المادي القائم على العنف والإرهاب المسلح. وعليه، فإن مجرد اعتناق أو الترويج لأفكار عقائدية منحرفة لا يسبغ على الفعل (الصفة الإرهابية) طالما لم يترجم إلى أعمال مادية تسفك الدماء أو تستخدم السلاح أو تهدد الأمن بالقوة.
ثانياً: الأثر القانوني لانتفاء الوصف الإرهابي (الاختصاص النوعي) يترتب على تجريد الفعل من الوصف الإرهابي استبعاد تطبيق قانون مكافحة الإرهاب، مما ينعكس مباشرة على تحديد المحكمة المختصة نوعياً بنظر القضية، أن محاكم التحقيق والجنايات المختصة بقضايا الإرهاب هي محاكم ذات اختصاص محدد بنصوص قانونية صريحة. وعند ثبوت خروج الأفعال عن مظلة الإرهاب، ينحسر اختصاص محاكم الجنح والجنايات لنظر الجريمة وفقاً لأحكام قانون العقوبات النافذ (مثل الجرائم المتعلقة بالتعدي على الأديان، أو إثارة الفتن، أو التجمع غير المشروع، بحسب النص العقابي النافذ في قانون العقوبات.
ثالثاً: المرجعية القانونية لحسم تنازع الاختصاص. تطبيقاً لأحكام التشريعات القضائية، استند التكييف القضائي الصائب إلى الأحكام العامة في إدارة وتنظيم المحاكم.
المادة (13/أولاً/ب) من قانون التنظيم القضائي رقم 160 لسنة 1979 المعدل، إن القرارات القضائية التي تميز بين الجرائم العقائدية والفكرية وبين الجرائم الإرهابية تعزز مبادئ الشرعية وسيادة القانون. فبالرغم من رفض القانون والمجتمع للأفكار المنحرفة والدعوات المضللة، إلا أن ملاحقتها يجب أن تتم وفق النصوص القانونية الصحيحة التي تجرم هذه الأفعال بعينها، ودون إقحام نصوص مكافحة الإرهاب في غير موضعها، ضماناً لتطبيق محاكمة عادلة وتحديد الاختصاص النوعي الدقيق للمحاكم