د. جيا عبد الكريم رشيد
تُعد الحوسبة العصبية من أبرز التقنيات الناشئة التي تستلهم طريقة عمل الدماغ البشري في معالجة المعلومات، ومن المتوقع أن تُحدث تحولاً عميقاً في الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة والأمن السيبراني. ومع اتساع مجالات استخدامها، يبرز تساؤل قانوني دولي حول مدى كفاية القواعد الحالية لتنظيم هذه التقنية وآثارها العابرة للحدود.
وتتميز الحوسبة العصبية بكفاءة عالية في استهلاك الطاقة وقدرتها على التعلم والاستجابة في الزمن الحقيقي، الأمر الذي يجعلها مرشحة للاستخدام في المركبات الذاتية، والروبوتات، والمنظومات الدفاعية، والرعاية الصحية، والبنية التحتية الحيوية. ويترتب على ذلك ظهور مخاطر قانونية تتعلق بالمسؤولية الدولية عن الأضرار، وحماية البيانات، وأمن الأنظمة، ونقل التكنولوجيا.
ويواجه القانون الدولي تحدياً يتمثل في غياب قواعد متخصصة لتنظيم هذه التطبيقات، إذ تعتمد الدول حالياً على مبادئ عامة تتعلق بالسيادة، وعدم الإضرار، وحماية حقوق الإنسان، والتعاون الدولي. غير أن الطبيعة المتسارعة للتقنيات العصبية تستدعي تطوير إطار قانوني دولي يحدد معايير الشفافية، والمساءلة، وسلامة الاستخدام، وآليات تسوية المنازعات.
كما تبرز أهمية التنسيق بين القانون الدولي العام، والقانون الدولي الاقتصادي، وقانون الفضاء الإلكتروني، لضمان عدم استخدام الحوسبة العصبية في أنشطة تهدد الأمن والسلم الدوليين. ويشمل ذلك وضع ضوابط لنقل التقنيات الحساسة، وتشجيع البحث العلمي المسؤول، وتعزيز التعاون بين الدول والمنظمات الدولية والقطاع الخاص.
وتتطلب المرحلة المقبلة صياغة مبادئ دولية لحوكمة الحوسبة العصبية، تقوم على احترام الكرامة الإنسانية، وحماية الخصوصية، وضمان الأمن الرقمي، وتحقيق التوازن بين الابتكار والتنظيم القانوني. ومن شأن هذه المبادئ أن تسهم في تعزيز الثقة الدولية وتشجيع الاستخدام السلمي للتقنيات الناشئة.
وتخلص الدراسة إلى أن الحوسبة العصبية ستكون من أهم موضوعات القانون الدولي خلال السنوات القادمة، وأن الاستجابة التشريعية المبكرة ستسهم في تقليل المخاطر وتعظيم الفوائد، بما يحقق تنمية تقنية مسؤولة في إطار احترام قواعد القانون الدولي ومقاصده.