إلى محافظ كركوك… الدستور ليس وجهة نظر

عطا شميراني

ليست أزمة العراق اليوم في نقص القوانين أو غياب النصوص الدستورية، وإنما في الطريقة الانتقائية التي يتعامل بها بعض المسؤولين مع الدستور. فعندما تنسجم إحدى مواده مع مصالحهم السياسية تصبح مقدسة، وعندما تتعارض مع حساباتهم تتحول فجأة إلى “خطأ استراتيجي”. ومن هذا المنطلق، فإن التصريح الذي اعتبر أن «الخطأ الاستراتيجي الأكبر بعد عام 2003 كان في التعامل مع ملف المادة (140)» لا يمكن اعتباره مجرد رأي سياسي عابر، بل هو موقف يستدعي نقاشًا جادًا، لأنه يمس نصًا دستوريًا يشكل جزءًا من العقد السياسي الذي تأسست عليه الدولة العراقية بعد عام 2003.

المادة (140) ليست شعارًا رفعه حزب سياسي، وليست امتيازًا منح لقومية على حساب أخرى، وإنما مادة دستورية صوّت عليها العراقيون ضمن دستور عام 2005. ومن حق أي مواطن أو مسؤول أن يدعو إلى تعديل أي مادة وفق الآليات الدستورية، لكن ليس من حقه أن يتعامل مع الدستور بمنطق الانتقاء، فيقبل ما ينسجم مع رؤيته ويرفض ما يخالفها. فالدولة التي يُختار فيها من الدستور ما يناسب السياسيين، تتحول تدريجيًا إلى دولة تحكمها المواقف لا المؤسسات.

لقد حاولت بعض الخطابات السياسية خلال السنوات الماضية تصوير المادة (140) وكأنها أصل أزمة كركوك، بينما الوقائع التاريخية تقول شيئًا مختلفًا. فهذه المدينة لم تدخل دائرة الخلاف بعد عام 2003، ولم تصبح موضع نزاع بسبب الدستور، وإنما حملت إرثًا سياسيًا وإداريًا معقدًا تراكم عبر عقود طويلة. ولهذا السبب نص الدستور على آلية لمعالجة هذا الإرث عبر التطبيع والإحصاء والاستفتاء، وهي خطوات كان يفترض أن تنقل الخلاف من دائرة الصراع السياسي إلى دائرة الحلول الدستورية.

إن الحديث عن التغيير الديموغرافي يجب أن يكون حديثًا متوازنًا لا انتقائيًا. فمن يريد أن يناقش هذا الملف بموضوعية، عليه أن يعترف بأن كركوك مرت بمراحل مختلفة شهدت سياسات تركت آثارًا عميقة على واقعها السكاني. ولهذا جاءت المادة (140) باعتبارها محاولة دستورية لمعالجة تلك الآثار، وليس لإنتاج واقع جديد أو فرض إرادة طرف على آخر. فالقرار النهائي، بحسب النص الدستوري، يفترض أن يكون بيد المواطنين عبر الوسائل الديمقراطية، لا بيد التصريحات السياسية.

ولو أن الحكومات العراقية المتعاقبة التزمت بتنفيذ المادة (140) ضمن المدد التي نص عليها الدستور، لما بقي هذا الملف معلقًا إلى اليوم. إن المشكلة الحقيقية ليست في وجود المادة، وإنما في تعطيلها. وتعطيل النصوص الدستورية لا يسقطها، بل يكشف حجم الأزمة في إدارة الدولة. فالخطأ الاستراتيجي الحقيقي لم يكن كتابة المادة، وإنما الفشل في تنفيذها واحترام الاستحقاقات الدستورية.

إن كركوك ليست ملكًا للكرد وحدهم، كما أنها ليست ملكًا للتركمان أو العرب وحدهم. إنها مدينة لجميع أبنائها، ولا يمكن أن تُدار بعقلية الغالب والمغلوب، بل بروح المواطنة والشراكة واحترام القانون. وهذه الشراكة لا تتحقق عبر التشكيك بالدستور، وإنما عبر الالتزام به باعتباره المرجعية العليا التي تضمن حقوق جميع المكونات دون استثناء.

ومن هنا، فإن محافظ كركوك، أيًا كانت قوميته أو انتماؤه السياسي، لا يمثل مكونًا بعينه، بل يمثل الدولة العراقية أمام جميع المواطنين. ومن واجبه الدستوري أن يكون حارسًا للقانون، لا طرفًا في الجدل حول شرعيته. فالمسؤول الذي يؤدي اليمين الدستورية يلتزم بالدفاع عن الدستور وتطبيقه، لا بإطلاق تصريحات تشكك في أحد نصوصه الأساسية.

العراق اليوم بحاجة إلى خطاب سياسي مسؤول يخفف من الاحتقان، ويعيد الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة. أما إعادة فتح السجالات حول مواد دستورية نافذة بهذه اللغة، فلن تؤدي إلا إلى تعميق الانقسام وإثارة المزيد من الشكوك بين المكونات العراقية. وإذا كان هناك اعتراض على المادة (140)، فإن الطريق واضح ومعروف، وهو اللجوء إلى الآليات الدستورية لتعديلها، وليس إصدار أحكام سياسية عليها من موقع المسؤولية التنفيذية.

إن احترام الدستور لا يكون بالشعارات، بل بالممارسة اليومية. فمن يطالب الآخرين باحترام القانون، يجب أن يبدأ بنفسه. ومن يريد بناء دولة قوية، عليه أن يقبل بالدستور كله، لا أن يتعامل معه بمنطق التجزئة والانتقاء. فالدساتير لا تُكتب لتناسب الأشخاص، وإنما لتبقى فوق الجميع، ولتكون المرجع الذي يُحتكم إليه عند الخلاف.

كركوك تستحق أن تكون نموذجًا للتعايش، لا عنوانًا لصراع دائم. وتاريخها المتنوع ينبغي أن يكون مصدر قوة، لا ذريعة لتبادل الاتهامات. ولن يتحقق ذلك إلا عندما يشعر جميع سكانها بأن القانون يحميهم على قدم المساواة، وأن الدستور ليس أداة سياسية بيد هذا الطرف أو ذاك، بل هو الضامن الحقيقي لحقوق الجميع.

إلى محافظ كركوك، إن الاختلاف السياسي حق، والنقاش الدستوري حق، لكن التشكيك في مادة دستورية نافذة وأنت تمثل الدولة يبعث برسالة خاطئة إلى المواطنين. فالدولة لا تُبنى بالتصريحات، وإنما باحترام المؤسسات، ولا تُدار بالأمزجة، وإنما بسيادة القانون. وإذا كان العراق يريد أن يطوي صفحات أزماته، فإن البداية تكون من احترام الدستور كاملًا، لا من اختيار المواد التي توافق المواقف السياسية وإهمال المواد التي لا تنسجم معها.

فالدستور ليس وجهة نظر، ولا يُقاس بميزان المصالح الآنية. إنه أساس الشرعية، والضمانة الوحيدة لبقاء الدولة، وأي مساس به من داخل مؤسساتها يضعف هيبتها قبل أن يضعف ثقة المواطنين بها. وكركوك، بما تمثله من رمزية وطنية وتعددية تاريخية، تستحق خطابًا يوحد أبناءها تحت مظلة القانون، لا خطابًا يعيد إنتاج الانقسام حول نصوص أقرها الدستور العراقي نفسه.

قد يعجبك ايضا