محمد علي محيي الدين
يُعدُّ الدكتور عبد العباس عبد الجاسم أحمد واحدًا من الأسماء التي جمعت بين رسالة التربية وشغف البحث اللغوي والإبداع الأدبي، فكان شاعرًا ونحويًا ومؤلفًا ترك أثرًا واضحًا في الدراسات العربية الحديثة، وأسهم في خدمة اللغة العربية من خلال التدريس والتأليف ووضع المناهج، حتى غدا اسمه مقرونًا بالعناية الدقيقة بأسرار العربية وعلومها.
وُلِد سنة 1946 في مدينة القاسم بمحافظة بابل، ونشأ في بيت عرف بالوجاهة الاجتماعية والالتزام الأخلاقي والوطني. فقد كان والده من كبار وجهاء المدينة وتجارها المعروفين، يقيم مجلسًا يوميًا يجتمع فيه أهل الرأي والأدب وأصحاب الخبرة، فيما يُعرف محليًا بـ”الربعة”. ولم تكن تلك المجالس مكانًا للتسامر فحسب، بل كانت مدرسة مبكرة كوّنت شخصية الفتى عبد العباس، إذ تلقى فيها أولى دروس البلاغة وفصاحة اللسان وآداب الحوار، حتى صدق فيه القول المأثور: “المجالس مدارس”.

كما عُرفت الأسرة بمواقفها الوطنية وما تعرضت له من محن قاسية، إذ دفعت ثمن تلك المواقف خلال سنوات الاستبداد، حين أعدم النظام السابق اثنين من أشقائه مع ولديهما سنة 1991، وهي مأساة تركت أثرًا بالغًا في الوعي الإنساني والوطني للأسرة، وانعكست على كثير من ملامح نتاجه الفكري والأدبي.
تلقى تعليمه الابتدائي والمتوسط في مدينة القاسم، ثم انتقل إلى الديوانية لإكمال دراسته الثانوية بسبب عدم وجود مدرسة إعدادية في مدينته آنذاك. وهناك بدأت ملامح موهبته اللغوية تتشكل بصورة أوضح. ويروي عن نفسه أن نقطة التحول الأولى جاءت عندما طلب منهم معلم اللغة العربية الأستاذ محمد جواد الشريفي كتابة قصة قصيرة، فكتب قصة بعنوان “الحلم”. ورغم سخرية بعض زملائه، فإن معلمه احتضن موهبته، وأثنى على أسلوبه، وشجعه على مواصلة الكتابة والقراءة، وهو موقف تربوي ظل يذكره بوصفه الشرارة الأولى التي أوقدت شغفه باللغة والأدب.
وفي العام نفسه اعتلى المنبر الحسيني لأول مرة، وألقى قصيدة في ذكرى عاشوراء لاقت استحسان الحاضرين، فوجد في الشعر وسيلة أخرى للتعبير عن إحساسه اللغوي، ومنذ ذلك الحين أخذت شخصيته الأدبية تنمو بين القراءة والكتابة والخطابة.
بعد إكمال الدراسة الثانوية التحق بكلية الشريعة في جامعة بغداد، قسم اللغة العربية، وتخرج فيها سنة 1967، وكانت تلك المرحلة محطة علمية مهمة نهل فيها من علوم العربية على أيدي أساتذتها، ورافق عددًا من زملائه الذين أصبحوا لاحقًا من الشخصيات العلمية والأدبية المعروفة، منهم الدكتور محمد خليل الحربي، والشاعر عبد الحسين الجنابي، والدكتور محمد علي حمزة الأسدي.
ولم يتوقف طموحه العلمي عند البكالوريوس، بل عاد بعد سنوات طويلة إلى مقاعد الدراسات العليا، فنال درجة الماجستير من كلية الآداب بجامعة بغداد سنة 2000 عن رسالته الموسومة “التحول في التركيب وعلاقته بالإعراب في القراءات السبع”، ثم توج مسيرته بالحصول على الدكتوراه عام 2011 عن أطروحته “نظرية الأصول عند ابن فارس” بدرجة امتياز، وهي الدراسة التي عُدت من أبرز أعماله العلمية وأكثرها عمقًا.
بدأ حياته المهنية مدرسًا للغة العربية سنة 1968 في ثانوية القاسم، ثم انتقل إلى ثانوية المدحتية، قبل أن يستقر في بغداد سنة 1977، حيث توسعت مسؤولياته العلمية والتربوية. ونظرًا لخبرته وتمكنه في اللغة أُعيرت خدماته إلى التلفزيون التربوي، ثم انتقل إلى قسم المناهج في وزارة التربية، وأسهم في إعداد وإقرار المناهج الدراسية للمراحل المختلفة، وكان عضوًا في العديد من لجان التأليف والمراجعة، ومنها لجان تأليف كتب اللغة العربية، والإشراف اللغوي على منشورات المجمع الثقافي في أبوظبي، والمشاركة في إعداد مناهج التعليم المسرع بالتعاون مع منظمة اليونيسف، فضلاً عن مساهمته في إعداد مناهج التعليم الخاص، وبرامج معهد إعداد مفوضي الشرطة، وكتاب القراءة ضمن برنامج “نور المعارف” لتعليم الفتيات، وهي أعمال تؤكد حضوره الفاعل في تطوير التعليم اللغوي داخل العراق وخارجه.
أما نتاجه العلمي، فيمثل صورة واضحة لاتساع اهتماماته؛ إذ جمع بين الدراسات النحوية والمعجمية وتحقيق التراث والرواية والسيرة الفكرية. فمن مؤلفاته: الصواب في معرفة الإعراب، والمعجم المعتل، ومعجم صفات الإبل والخيل، وتحقيق مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، وارتشاف المنثور والقوافي، وروايتا الأتون ثانية يحرق هولاكو العراق وصمت العبور، وكتاب الزعيم عبد الكريم قاسم… حقيقة التاريخ وتاريخ الحقيقة، ومعجم المسمى لما هب ودب من غير الإنسان، ومعجم أدواء الإبل، ومن لا يحضره المعلم، وما لم تضعه العرب وضعًا، ومعجم إعراب ألفاظ الجلالة وجملها في القرآن الكريم، فضلًا عن المعجم الدلالي للألفاظ في العربية والكشكول في اللغة والنحو، إلى جانب رسالته وأطروحته الجامعيتين.
كما كان حاضرًا في الندوات والمؤتمرات والبرامج الثقافية، فألقى محاضرات تناولت قضايا اللغة والقراءات القرآنية في العراق والإمارات، وقدم برنامج “آفاق لغوية” عبر فضائية العراق التربوية، وساهم في جلسات نقدية وعلمية ناقشت مؤلفاته وأبحاثه، وهو ما جعله من الأصوات المعروفة في ميدان الثقافة اللغوية.
وانتمى إلى عدد من المؤسسات العلمية والثقافية، فكان عضوًا في اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، وعضوًا في المجلس الدولي للغة العربية، وعضوًا في نقابة المعلمين، كما تولى رئاسة رابطة بغداد الثقافية، إضافة إلى نشره عشرات البحوث في المجلات العراقية والعربية، مما عزز مكانته بوصفه باحثًا متخصصًا ومثقفًا موسوعيًا.
ولعل أبرز ما يميز مشروعه العلمي هو سعيه إلى تجديد الدرس اللغوي من داخل التراث العربي نفسه؛ فقد حظيت أطروحته “نظرية الأصول عند ابن فارس” باهتمام الباحثين لما قدمته من قراءة جديدة لمنهج أحد كبار أئمة اللغة، كما عُرف بإضافته مفهوم “العلة الاجتماعية” إلى علل اللغة العربية، في محاولة لربط الظاهرة اللغوية بسياقها الاجتماعي والثقافي، وهي رؤية تكشف نزوعه إلى تجاوز التفسير التقليدي نحو فهم أكثر شمولًا لحركة اللغة وتطورها.
وتكشف سيرة الدكتور عبد العباس عبد الجاسم عن شخصية لم تكتفِ بالتدريس أو التأليف، بل جعلت من اللغة العربية مشروع حياة، ومن البحث العلمي رسالة متواصلة. وقد اعتمدت هذه السيرة على المعلومات الواردة في سيرته الذاتية، وما أوردته مؤلفاته وإنتاجه العلمي، فضلًا عن البيانات الخاصة بعضوياته ونشاطاته الثقافية، وهي جميعًا ترسم صورة باحث ظل وفيًا للعربية حتى أصبح واحدًا من أعلامها المعاصرين في العراق.