بين العواصم البعيدة… والعراق القريب الدبلوماسية العراقية… متى تصل نتائجها إلى المواطن؟

عصام الياسري

مدخل

يمر العراق بأحداث متسارعة، فبعض المعلومات المتداولة ما زالت تستند إلى بيانات حكومية وتقارير إعلامية متباينة، فيما الوقائع المعلنة تفصل بشكل واضح بين ما هو مؤكد وما هو تحليل سياسي. وتشير التقارير الأخيرة إلى أن تأجيل زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى السعودية بعد الضربات المشتركة الأمريكية-السعودية على أهداف داخل العراق، في وقت كان رئيس الوزراء الزيدي قد أنهى بالفعل زياراته إلى واشنطن وطهران وأنقرة ضمن تحرك دبلوماسي واسع. لن تمر دون تبعات سياسية وأمنية عميقة؛ إذ أحدثت بالفعل تحولا استراتيجيا غير مسبوق في العلاقات بين بغداد والرياض منذ عقود، وهزت المشهدين السياسي والأمني في كلا البلدين.

منذ توليه رئاسة الحكومة، اختار رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أن يجعل من السياسة الخارجية إحدى أهم أدوات تثبيت الدولة العراقية، مدركا أن استقرار العراق لم يعد شأنا داخليا فحسب، بل بات مرتبطاً مباشرةً بخريطة الصراع الإقليمي الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط. ولم تكن جولاته الخارجية المتتابعة إلى الولايات المتحدة وتركيا وإيران مجرد زيارات بروتوكولية، بل مثلت محاولة واضحة لإعادة تموضع العراق باعتباره دولة قادرة على التحدث مع جميع الأطراف المتنافسة دون الانخراط الكامل في أي محور منها.

غير أن المشهد تبدل بصورة دراماتيكية بعد الضربات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة والسعودية داخل الأراضي العراقية، بذريعة الرد على هجمات استهدفت منشآت سعودية ونُسبت إلى فصائل عراقية مسلحة. وأعقب ذلك تأجيل زيارة الزيدي إلى الرياض، في خطوة حملت دلالات سياسية تتجاوز مجرد تغيير في جدول المواعيد.

فالزيارة إلى واشنطن كانت تهدف إلى إعادة صياغة العلاقة العراقية الأمريكية بعد سنوات من التوتر، مع التركيز على التعاون الأمني والاستثماري والطاقة، وإيجاد صيغة جديدة تضمن استمرار الشراكة دون أن تتحول الأراضي العراقية إلى منصة للمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.

أما أنقرة، فقد مثلت بالنسبة لبغداد شريكا لا يمكن تجاهله، سواء في ملفات المياه أو الطاقة أو التجارة أو الأمن الحدودي، إضافة إلى الملف الكردي الذي يبقى أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للدولتين.

في المقابل، جاءت زيارة طهران لتؤكد أن الحكومة العراقية لا تستطيع تجاوز حقيقة النفوذ الإيراني داخل العراق، سواء عبر العلاقات الاقتصادية أو القوى السياسية أو الفصائل المسلحة، وأن أي محاولة لتحقيق الاستقرار الداخلي تستوجب إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع الجمهورية الإسلامية.

ولو اكتملت زيارة الرياض في موعدها، لكانت الحلقة الرابعة في استراتيجية عراقية تقوم على مبدأ التوازن بين القوى الكبرى في المنطقة؛ توازن لا يسمح بانحياز كامل لأي طرف، وإنما يهدف إلى تحويل العراق من ساحة صراع إلى مساحة للحوار.

لكن القصف السعودي الأمريكي قلب المشهد. فمن الناحية السياسية، وجدت الحكومة العراقية نفسها أمام معادلة معقدة؛ فهي مطالبة بحماية سيادة البلاد وإدانة أي عمل عسكري يتم داخل أراضيها دون موافقة عراقية واضحة، وفي الوقت نفسه مطالبة بإثبات قدرتها على منع أي جماعات مسلحة من استخدام الأراضي العراقية لمهاجمة دول الجوار. وقد أعلنت بغداد عقد اجتماع أمني طارئ وأدانت الضربات باعتبارها انتهاكا للسيادة، مع استمرار التحقيق في مزاعم انطلاق الهجمات على السعودية من الأراضي العراقية.

ومن هنا تبدو زيارة الرياض المؤجلة أكثر من مجرد موعد دبلوماسي مؤجل؛ إنها تعكس أزمة ثقة سياسية وأمنية بين البلدين. فالرياض تنظر إلى أمنها القومي باعتباره خطا أحمر، وتطالب بغداد بضبط الفصائل المسلحة ومنع استخدامها للأراضي العراقية في أي عمليات عابرة للحدود. أما بغداد، فتؤكد أن تحميل الدولة العراقية مسؤولية كل تحركات الفصائل قبل انتهاء التحقيقات يضعف مؤسساتها، ويهدد جهودها الرامية إلى فرض احتكار الدولة للسلاح.

وتكمن الخطورة الحقيقية في أن العراق قد يتحول مرة أخرى إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. فإذا استمرت الهجمات المتبادلة، فإن احتمالات التصعيد لن تقتصر على الحدود العراقية السعودية، بل قد تمتد إلى الخليج، وربما تنعكس على خطوط تصدير النفط وأسواق الطاقة العالمية، في وقت لا تزال المنطقة تعيش تداعيات أزمات متشابكة. كما أن استمرار الضربات العسكرية داخل العراق سيضع الحكومة العراقية أمام اختبار داخلي بالغ الصعوبة. فإذا ردت الفصائل المسلحة على السعودية أو القوات الأمريكية، فإن دائرة المواجهة ستتوسع بصورة أكبر. أما إذا اتخذت بغداد إجراءات صارمة ضد تلك الفصائل، فإنها قد تدخل في مواجهة سياسية وأمنية داخلية مع قوى نافذة في المشهد العراقي.

وهنا تظهر أهمية التحرك المتوازن الذي انتهجه الزيدي منذ وصوله إلى السلطة. فالزيارات إلى واشنطن وأنقرة وطهران لم تكن منفصلة عن بعضها، بل شكلت خريطة دبلوماسية متكاملة أراد العراق من خلالها أن يقول إنه ليس جزءا من محور ضد آخر، وإنما دولة تبحث عن مصالحها الوطنية أولاً.

لكن تأجيل محطة الرياض يكشف أن هذا المشروع يواجه أول اختبار حقيقي. فإذا نجحت بغداد في احتواء الأزمة، وإعادة فتح قنوات الحوار مع المملكة، مع استمرار التواصل مع واشنطن وطهران وأنقرة، فقد يتمكن العراق من استعادة دوره التقليدي بوصفه جسرا بين المتخاصمين. أما إذا انزلقت المنطقة إلى مزيد من التصعيد، فإن العراق سيكون الخاسر الأول، لأنه سيكون مرة أخرى ميدانا تتقاطع فوقه مصالح القوى الإقليمية والدولية.

واليوم، تبدو الرسالة الأهم أمام صانع القرار العراقي واضحة: إن نجاح السياسة الخارجية لا يقاس بعدد العواصم التي تُزار، بل بالقدرة على منع انتقال صراعات تلك العواصم إلى الداخل العراقي. فالعراق يقف عند مفترق طرق؛ إما أن يرسخ موقعه كدولة توازن ووساطة، أو أن يجد نفسه مجددا في قلب مواجهة إقليمية لا يملك وحده قرار إشعالها، لكنه سيدفع بلا شك جانبا كبيراً من كلفتها.

الخاتمة: إن العراق لا يفتقر إلى الثروات، ولا إلى العقول، ولا إلى الموقع الجيوسياسي الذي يجعله محورا في معادلات المنطقة. لكنه يحتاج إلى تغيير البوصلة؛ من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول، ومن الصراع على السلطة إلى التنافس في خدمة المواطن، ومن استهلاك الوقت في الخلافات السياسية إلى استثماره في بناء مؤسسات قوية وعادلة. وعندما تصبح مصلحة العراق هي المعيار الذي تُقاس به السياسات والمواقف، عندها فقط يمكن القول إن البلاد بدأت تغادر دوامة الأزمات نحو أفق الدولة التي يستحقها العراقيون.

قد يعجبك ايضا