مقال بعنوان: (انتشار المدارس الاهلية في العراق بعد عام 2003).

د. كريم نوري عبد الله الدليمي.

-(التعليم يصنع الانسان ، والانسان يصنع الحضارة).
والقول المأثور: -(العقول تبنى بالعلم والأوطان تزدهر بالتعليم).
تعرض التعليم في العراق ، لاسيما المدارس بكل مراحلها الى تراجع كبير في تقديم الخدمات لها ، نتيجة الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق من قبل الولايات المتحدة الامريكية بين عامي (1990-2003)، بسبب دخول العراق الى الكويت والنقص الكبير في الأموال ، مما انعكس هذا التراجع على مستوى التعليم ومستلزماته ، ومنها البنى التحتية وأصبحت المدارس لا تتناسب مع زيادة السكان ، وهذا ما لمسناه خلال دراستنا في تلك الفترة بدخولنا التعليم الابتدائي عام (1992) ، وقد واكبنا تلك الفترة التي تعرض لها بلدنا العزيز العراق من حروب ومضايقات اقتصادية خانقة من قبل قوة الاحتلال الأمريكي على العراق ، مما ولد ضغط كبيراً بحيث أصبحت المدرسة الواحدة تستوعب اعداد كبيرة جداً من الطلبة، مما اخل بنظام التعليم في العراق ، وبات من الصعوبة على المعلم او المدرس من إيصال المادة بشكل صحيح للطلبة ، بسبب وضعه الاقتصادي المرير ، اذ نحن على دراية ونعيش المرحلة عن قرب وشاهدنا معناة المعلم والمدرس ، بحيث كانت رواتب المعلمين والمدرسين في تلك الفترة لا تسد رمق وقوت نصف شهر للمعلم هو وعائلته مما يضطر المعلم الى العمل مساءاً لتوفير العيش لعائلته وابناءه وهذا ما نعكس وبشكل كبير على مستوى الدراسة للطلبة والمستوى العلمي للطالب .
أدى استمرار الحصار على بلدنا العراق الى الانخفاض المعاشي للشعب بشكل عام، ما عدة طبقة بسيطة لا تتجاوز (15%) ، من المستفيدين من تجار ورجال اعمال وغيرهم والباقي من أبناء الشعب دون خط الفقر والمستوى المعاشي المتدني ، مما أدى الى زيادة تسرب الطلبة من المدارس ، وبدأ انتشار الامية في العراق مجدداً ، وكذلك انعكس على الملاكات التدريسية التي باتت تعاني من سوء اوضاعها المعيشية، مما ادى بها الى ترك العمل في التدريس والعمل بالقطاع الخاص، مما تسبب نقص حاد في الملاكات التعليمية والتدريسية الجيدة، وتدني مستوى التعليم في المدارس الحكومية ، مع انتشار ظاهرت التدريس الخصوصي خارج المدرسة: وهذا ما تعرضنا له خلال مسيرتنا الدراسية ودخلنا (هذه الدروس الخصوصية لهضم المادة من اجل النجاح) ، وتفاقم الوضع حتى عام 2003 ، وتغيير النظام في العراق عن طريق احتلال الولايات المتحدة الامريكية للعراق ، مما ادى الى دخول العراق في فوضى سياسية ، وامنية ، واقتصادية ، وانتشار الفساد في كل مؤسسات الدولة، وكان اخطرها انتشار الفساد في كل مراحل التعليم بما فيه التعليم العالي:
منذ عام 2003، ظهرت المشاكل الرئيسية التي أصبحت تعيق النظام التربوي ومنها ؛ نقص الموارد ، والهجرة والتشريد الداخلي من المعلمين والطلبة ، والتهديدات الأمنية ، والفساد المالي والإداري ، وانتشار الامية على نطاق واسع مقارنة فيما قبل 2003 ، اذ بلغت نسبة الامية 39%، لسكان الريف ، وتقريباً 22%، من سكان المدن والبالغين في العراق لم يلتحقوا بالمدرسة ، 9%،
من المدارس الثانوية، كما انخفضت نسبة المساواة بين الجنسين: وهنا انتشرت المدارس الاهلية بشكل ملموس وواضح في العراق بعد ان كانت متوقفة في النظام ما قبل 2003، مع تزايد شعور العراقيين بالإحباط نتيجة فشل حكومتهم في توفير الخدمات الأساسية ، لاسيما في مجال التعليم بعد تغيير النظام 2003 ، بشكل لافت للنظر ، وقد ذهبت العوائل الميسورة الحال بزج أولادها في تلك المدارس ، ولاسيما في مرحلة الدراسة الإعدادية في المدارس الاهلية بغية الحصول على معدلات عالية تؤهلهم لتخصصات مهنية في مجال (الهندسة والطب)، وهي مهن يطلبها كل المجتمع العراقي الذي اصبح ينظر لها انها مهن ربحية مع الأسف وهذا من اكثر الأخطاء التي يفكر بها المجتمع مع شديد الاحترام لكل افراد المجتمع العراقي.
اما العوائل من الطبقة المتوسطة او ذات الدخل المحدود او الفقيرة فلا تجد امامها الا التعليم الحكومي لأولادها ، وهذا يفيد من ناحية تعلم القراءة والكتابة في اقل تقدير أو الحصول على معدلات تؤهلهم للحصول على تخصصات في مجال التربية مثل ( مدرس او معلم ) في اكثر الأحيان ، لاسيما للإناث قبل الذكور بعد ان اتجه اغلب الذكور نحو العمل الحر او التطوع بالعمل بالمجال العسكري :
-تأسيس المدارس الاهلية في العراق بإطار قانوني عام 2013:
أصدرت الأمانة العامة لمجلس الوزراء بجلسته الاعتيادية الخامسة والأربعين المنعقدة في 29/ 10/ 2013، نظام التعليم الأهلي والاجنبي رقم (5) لسنة 2013، استناداً الى احكام المادة (80)، البند ثالثاً، من الدستور والمادة 42، البند ثانياً، من قانون وزارة التربية رقم (22)، لسنة 2011، تضمن النظام سبعت فصول توزعت على (37)، مادة تناولت الأهداف من ( النظام ، وأعضاء الهيئات التعليمية، والدراسية ، والمناهج ،والعقوبات ، واحكام عامة)، مع الزام المدارس في الالتزام وفقاً للشروط التي حددها هذا النظام مع تفعيل دور وزارة التربية في الاشراف المباشر على وفق الأهداف التي رسمها النظام ، من اجل الرقي بمستوى التعليم في العراق ومواكبة طرائق التدريس الحديث في المناطق المجاورة للعراق والعالم:
وفي الحقيقة لم يستطيع التعليم الأهلي ان يتفوق على الحكومي رغم الجهود التي كانت تبذل من قبل الإدارات ، والهيئات التدريسية في المدارس الاهلية مع الطلبة، ومتابعة المستوى الدراسي لهم ودعمهم في الدروس الخصوصية ، الا انها لم تحقق نسبة نجاح عالية وهذا نلمسه من خلال الامتحانات النهائية في مرحلتي الدراسة ( المتوسطة ، والاعدادية)، ولم تحقق اغلب المدارس الاهلية في الامتحانات الوزارية للصفوف المنتهية نسبة عالية بل نسبة متدنية عن المدارس الحكومية ، ومن خلال الإحصائية الرسمية لوزارة التربية العراقية للطلبة الذين حصلوا على معدلات تتراوح بين (72-100%)، لفرعين العلمي والادبي للمدارس الاهلية بلغت (81%)، طالباً من مجموع كل المدارس الاهلية في العراق لسنة (2016-2017)، لمرحلة السادس الاعدادي بفرعية العلمي والادبي : وهذا ان دل على شيء انما يدل ويثبت على ان التعليم الحكومي مهما كان مستوى هو افضل من التعليم الأهلي:
-أسباب انتشار المدارس الاهلية في العراق:
1-اكتظاظ الصفوف الدراسية: في المدارس الحكومية واعتماد، نظام الدوام المزدوج او الثلاثي.
2-تزايد اعداد السكان والطلبة: مما أدى الى ضغط كبير على المدارس الحكومية.
3-تراجع مستوى بعض الخدمات التعليمية: والبنية التحتية في عدد من المدارس الحكومية.
4-رغبة أولياء الأمور في تعليم افضل: لأبنائهم ، خاصة من حيث الجودة والانضباط.
5-الاهتمام بتعليم اللغة الإنكليزية والحاسوب في المدارس الاهلية بشكل كبير,
6-السماح بالاستثمار الخاص في قطاع التعليم بعد عام 2003، مما شجع على افتتاح مدارس أهلية جديدة.
7-توفر إمكانات وخدمات إضافية مثل المختبرات الحديثة، والأنشطة المدرسية، والصفوف ذات الاعداد القليلة.
8-زيادة دخل بعض الاسر، ورغبتها في توفير تعليم متميز لأبنائها.
9-توفير فرص عمل للمعلمين في ظل محدودية التعيينات الحكومية.
10-ازدياد المنافسة في القطاع التعليمي، مما دفع المستثمرين الى انشاء المزيد من المدارس الاهلية.
وبهذا ومن اجل رفع مستوى التعليم في العراق عن طريق عودة التعليم الأهلي وتوسعه يجب أن يكون على وفق خطط مدروسة بشكل (علمي ، وعملي ، واقتصادي )، والاستفادة من البرامج التعليمية المتقدمة المتبعة في العالم والمناطق المجاورة التي تحسن توظيف رؤوس الأموال في المشاريع التعليمية، ووضعها في مقدمة مسؤولياتها في مجال التعليم هذه المؤسسة تكون مسؤولة عن تنشئة أجيال علمية متخصصة لتسهم في رفع مستوى التعليم في العراق وتضعه في مقدمة الأهداف بعيدة عن الربح المادي الذي يفسد التعليم ، وتصبح هذه المدارس عبئاً على وزارة التربية ، وفتح باب للفساد العلمي والمادي والاقتصادي.
وعلى الرغم من كل ما ذكر الا انه يرى الكاتب بخصوص التعليم الأهلي: ( ان التعليم الأهلي في العراق في الوقت الحاضر قد ساهم بكل مراحله من تقليل الزخم الحاصل في المدارس الحكومية التي تعاني من نقص حاد في الأبنية المدرسية التي لا تستطيع مواجهة الزيادة السكانية ، وانخفاض ميزانية التربية بتوفير مستلزمات الدراسة للطلبة ، وكذلك التقليل من انتشار البطالة من حملة الشهادات الجامعية ، سيما في مجال التربية وهنا فسحت الوزارة للمستثمر العراق ان يكون شريكاً لها في مجال التربية والتعليم كما هو معمول به في اغلب بلدان العالم.

قد يعجبك ايضا