د. محمد صديق خوشناو
كيف يمكن لبلدٍ يملك النفط والثروات والموقع الاستراتيجي أن يصل إلى مرحلة تصبح فيها رواتب موظفيه موضع قلق وتأخير؟ السؤال ليس عن الراتب وحده، بل عن الدولة التي أصبحت مواردها الكبيرة عاجزة عن تأمين استقرارها المالي.
العراق لا يعاني من نقص في المسؤولين، بل من فائض في المناصب وقلة في القيادة. فالمشكلة ليست في عدد من يجلسون على الكراسي، وإنما في نوعية من يتولون المسؤولية، وفي طريقة إدارة موارد الدولة ومستقبلها.
لقد اعتاد العراق إنتاج مسؤولين أكثر مما ينتج قادة؛ من يجيدون الوصول إلى السلطة، لكنهم لا يملكون دائمًا رؤية لما بعد السلطة. المسؤول قد يفكر في الانتخابات المقبلة، بينما رجل الدولة يفكر في العراق بعد عشرين عامًا.
إن تأخر الرواتب أو صعوبة تأمينها يجب ألا يُنظر إليه كأزمة مالية عابرة، بل كإنذار يستوجب مراجعة شاملة. فاقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على النفط، وإنفاق عام متضخم، وتراجع دور القطاع الخاص، وضعف الإيرادات غير النفطية، كلها مؤشرات تقول إن إدارة الدولة لا يمكن أن تستمر بالأسلوب نفسه.
السؤال الحقيقي ليس: كيف ندفع رواتب هذا الشهر؟ بل: كيف نبني اقتصادًا يضمن رواتب الأجيال القادمة؟
وهنا تظهر القيادة الحقيقية.
القائد لا ينتظر الأزمة حتى تقع، ولا يكتفي بتدبير حلول مؤقتة، بل يواجه جذورها: ينوع الاقتصاد، يدعم القطاع الخاص، يحارب الفساد، يضبط الإنفاق، ويضع الكفاءة في المكان الذي تستحقه.
فالفساد ليس سرقة المال العام فقط؛ بل يبدأ أيضًا عندما تُمنح المسؤولية لمن لا يستحقها، وتُهمَّش الكفاءة لصالح الولاء، وتتحول مؤسسات الدولة إلى ساحات للمحاصصة والمصالح الشخصية.
والعراق لا يحتاج إلى مسؤولين يجيدون وصف الأزمات، بل إلى قادة يملكون شجاعة مواجهتها؛ قادة يقولون الحقيقة، ويتخذون القرارات الصعبة، ويضعون مصلحة الدولة فوق مصالحهم السياسية والانتخابية.
كما أن العراق بحاجة إلى تحويل الشباب من مجرد أصوات في مواسم الانتخابات إلى قوة منتجة وشريك حقيقي في بناء الاقتصاد والدولة، وإلى فتح المجال أمام القطاع الخاص ليكون شريكًا في التنمية، بدل أن تبقى الدولة رب العمل الأكبر ومصدر الرزق الأساسي لملايين المواطنين.
لقد حان الوقت للانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول، ومن توزيع المناصب إلى بناء المؤسسات، ومن اقتصاد يعتمد على النفط إلى اقتصاد منتج، ومن حسابات الانتخابات إلى حسابات الدولة.
العراق لا يحتاج إلى مزيد من الذين يجيدون الوصول إلى السلطة، بل إلى من يعرفون ماذا يفعلون عندما يصلون إليها.
فالكرسي قد يصنع مسؤولًا، لكنه لا يصنع قائدًا؛ والسلطة قد تمنح نفوذًا، لكنها لا تمنح شرعية.
القائد الحقيقي هو من يترك الدولة بعده أقوى مما وجدها: مؤسساتٍ أكثر استقلالًا، واقتصادًا أكثر استقرارًا، وشعبًا أكثر ثقة بمستقبله.