عطا شمیراني
ليست كل الرايات سواء. فهناك رايات ترفعها الجيوش بالقوة، وهناك رايات تصنعها الأنظمة، وتُنزَل بسقوطها. أما راية كوردستان، فهي ليست قطعة قماش ترفرف في الهواء، بل ذاكرة شعب، وحكاية أمة، وعهدٌ لم ينكسر رغم قرنٍ كامل من الحروب والمنافي والإنكار.
لقد رأينا راية كوردستان ترفرف في عواصم العالم، من واشنطن إلى باريس، ومن لندن إلى روما، وفي البرلمانات والمؤتمرات الدولية. وكان كل ظهور لها يحمل رسالة مفادها أن للكرد شعبًا وهويةً وقضيةً لا يمكن تجاوزها مهما حاولت السياسة أن تؤجل الاعتراف بها.
لكن…
ما أجملها وهي ترفرف في دمشق.
آه… فديت روحي لظلك أيها الجميل.
لأن دمشق ليست مدينة عادية في الذاكرة الكردية، بل هي عاصمة دولة عاش فيها الكرد لعقود طويلة وهم يدفعون ثمن هويتهم. هناك جُرّد عشرات الآلاف من جنسيتهم، وهناك مُنعت اللغة الكردية، وصودرت الأسماء، وضُيقت الثقافة، وحاولت السياسات الرسمية أن تقنع العالم بأن الكرد مجرد هامش في تاريخ هذه البلاد، لا أحد من أهلها.
ومع ذلك… لم ينكسر الكرد.
حفظوا لغتهم في البيوت عندما مُنعت في المدارس، وحملوا أسماءهم بفخر عندما حاول الآخرون تغييرها، ورفعوا رايتهم في قلوبهم عندما مُنع رفعها في الساحات. كانوا يعرفون أن الهوية التي يحرسها الإيمان لا تستطيع القوانين أن تمحوها.
ولهذا، فإن دخول راية كوردستان إلى قصر الجمهورية في دمشق ليس مجرد تفصيل بروتوكولي، ولا صورة عابرة في نشرة أخبار. إنه مشهد يختصر رحلة طويلة من الألم والصبر والمقاومة. إنه إعلان هادئ بأن التاريخ لا يبقى أسير الرواية الواحدة، وأن الحقيقة، مهما طال حصارها، تجد طريقها إلى الضوء.
هذه الراية لم تدخل دمشق لتعلن انتصارًا على أحد، ولم تأتِ لتكتب هزيمة أحد، بل جاءت لتقول إن الاعتراف بالهوية ليس منحة من سلطة، ولا مكافأة من نظام، بل حق طبيعي لشعبٍ بقي واقفًا رغم كل محاولات الإلغاء.
إنها راية لم تصنعها المكاتب، بل صنعتها الجبال.
لم تحملها الجيوش النظامية وحدها، بل حملها البيشمركة على أكتافهم، وحملها اللاجئون في المنافي، وخبأتها الأمهات في أصواتهن، وحفظها الأطفال في دفاترهم، وعادت ملفوفة على نعوش آلاف الشهداء الذين آمنوا بأن الكرامة لا تُشترى، وأن الوطن لا يُنسى.
لذلك، عندما ترتفع في قلب دمشق، فإنها لا تمثل لحظة سياسية فحسب، بل تمثل انتصار الذاكرة على النسيان، والحقيقة على الإنكار، والإنسان على كل محاولات محو هويته.
آه… فديت روحي لظلك أيها الجميل.
لأنك لا ترفرف فوق قصرٍ فحسب، بل فوق أحلام الملايين الذين انتظروا طويلًا أن يروا هذا المشهد. ترفرف فوق دموع الأمهات، وفوق وصايا الشهداء، وفوق وجوه الأطفال الذين سيكبرون وهم يدركون أن هويتهم لم تعد شيئًا يُخفى، بل راية تُستقبل باحترام.
وكأن راية كوردستان نفسها تهمس لكل من حاول أن يقتلعها من الذاكرة:
“أنا راية كوردستان… لم أولد في قصر، ولم تصنعني سلطة، ولم تنسجني السياسة، بل حيكت خيوطي من صبر الأمهات، ومن دماء الشهداء، ومن أنفاس البيشمركة على قمم الجبال. حاولوا أن يمنعوني من الارتفاع، فارتفعت في القلوب. وحاولوا أن ينكروا شعبي، فكتبه التاريخ بحروفٍ لا تمحى. أنا لا أرفرف لأن الريح تحملني، بل لأن إرادة أمة بأكملها ترفعني. قد تتغير الأنظمة، وتتبدل الخرائط، وتسقط العروش، لكن الأوطان التي تسكن وجدان أبنائها لا تسقط، والشعوب التي تحفظ هويتها لا تموت.”
ثم تصمت الراية قليلًا… ليبدأ التاريخ بالكلام.
نحن لا نموت…
لأننا لسنا مجرد شعب يعيش على قطعة أرض، بل فكرة سبقت الحدود، وهوية قاومت السيوف، ورسالة تناقلتها الأجيال كما تتناقل النار دفأها في ليالي الشتاء. نحن لا نموت، لأن التاريخ لا يخلّد الأقوياء وحدهم، بل يخلّد أولئك الذين رفضوا أن يتخلوا عن حقيقتهم.
سيأتي من يرحل بعدنا، وسيأتي من يحمل الراية بعدنا، لكن الراية ستبقى ترفرف ما بقي في هذه الأرض طفل ينطق بالكردية، وأم تغني لوطنها، وشيخ يحفظ أسماء الجبال، وشهيد يبتسم لأنه كان يؤمن أن الحرية لا تموت.
نحن لا نموت… لأن الأمم التي تؤمن بحريتها لا تموت، بل تعود في كل مرة أقوى، وأكثر حضورًا، وأكثر استحقاقًا للحياة. أما الرايات التي تنسجها السلطة، فقد تسقط بسقوط أصحابها، لكن الرايات التي تنسجها التضحيات، فتبقى خالدة ما بقي التاريخ يكتب أسماء الشعوب العظيمة.