زيارة الرئيس نيجيرفان بارزاني إلى دمشق في زمن التحولات: من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل

​ أحمد كوران

​في ظل تسارع التحولات الجيوسياسية وإعادة تشكيل خرائط التحالفات في الشرق الأوسط، لم تعد الزيارات الرسمية مقتصرة على الأطر البروتوكولية؛ بل أصبحت أداة استراتيجية لإعادة رسم الموازنات. تأتي زيارة الرئيس نيجيرفان بارزاني إلى دمشق في توقيت بالغ الدقة والتعقيد، لتجسد تحولاً بنيوياً في مقاربة إدارة الأزمات الإقليمية—انتقالاً من منطق إدارة الصراع واحتواء التداعيات إلى منطق الحوار الدبلوماسي المباشر وبناء الجسور المستدامة.
​تحمل هذه الزيارة أبعاداً ثلاثية الأثر: فهي وجهت رسائل جوهرية إلى الداخل السوري، والداخل العراقي، وإلى الفاعلين الدوليين في الإقليم. وتهدف هذه الورقة إلى تقديم تحليل عميق لسياقات الزيارة، ورسائلها السياسية، وتأثيراتها المتوقعة في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية الراهنة.
​الإطار المفاهيمي والسياق الجيوسياسي
​تتقاطع في هذه المرحلة ثلاثة تحولات هيكلية تفسر الدوافع الحقيقية والأهمية الاستراتيجية لهذه الزيارة:
​التحول السوري (الانفتاح والتسويات): إعادة التموضع التدريجي لدمشق ضمن محيطها العربي والدولي بعد سنوات من الانكفاء والعزلة، والبحث الجاد عن معادلات سياسية تتجاوز الانسداد السابق وتحقق الاستقرار.
​التحول العراقي (المصالح المتبادلة): سعي بغداد وأربيل المتزايد لصياغة شبكة علاقات مع جوارهما الإقليمي تُبنى على المصلحة الاقتصادية والأمنية المشتركة، بديلاً عن سياسات المحاور والتجاذبات.
​التحول في القضية الكوردية: انتقال الفاعلية الكوردية من البعد المحلي المحصور إلى كونها مؤثراً أساسياً في المعادلات الإقليمية والدولية، مما يتطلب التعاطي معها بعقلانية وضمن رؤية جامعة.
​بناءً على ذلك، لا يمكن اختزال الزيارة في إطارها الفردي أو البروتوكولي، بل هي تعبير عن مشروع سياسي متكامل يقوم على ثلاثة أركان: التعايش السلمي، إدارة التنوع القومي والديني، والأمن الإقليمي المشترك في مواجهة الإرهاب.
​المستويات الثلاثة للرسائل السياسية
​يمكن تفكيك الرسائل المباشرة والغير مباشرة للزيارة عبر أبعاد متكاملة:
​المستوى السوري الداخلي:
التأكيد على أن المستقبل السياسي لكورد سوريا يتجلى بشكل أمثل ضمن إطار دولة سورية موحدة ولامركزية تحفظ الحقوق الدستورية لجميع المكونات، وتقديم التجربة الإدارية والتعددية لإقليم كوردستان كأنموذج مرجعي يمكن الاستفادة منه في صياغة نظام حوكمة يتسع للجميع.
​المستوى العراقي والإقليمي:
إبراز إقليم كوردستان كـ فاعل إقليمي مسؤول يمارس الدبلوماسية الوقائية لحماية حدوده وأمنه القومي عبر الحوار المباشر والشراكة، بعيداً عن سياسة التصعيد أو صناعة المحاور.
​المستوى الداخلي للكوردستانيين:
ترسيخ مفهوم استراتيجي مفاده أن السياسة الخارجية والمرونة الدبلوماسية هي حائط الصد الأول لحماية المكتسبات الوطنية الداخلية، وأن استقرار المشرق وسوريا ينعكس جذرياً على الاستقرار السياسي والاقتصادي للإقليم.
​التأثيرات الاستراتيجية على الساحة الدولية
​أطلقت الزيارة ديناميات جديدة في أروقة صناعة القرار الدولي تجاه المنطقة:
​كسر القوالب التقليدية (تجاوز الاستقطاب): قدمت كوردستان نموذج “الطرف الثالث الوسيط” النائك بنفسه عن التجاذبات والمعادلات الصفرية، وحصر العداء الجذري في تنظيمات الإرهاب والتعصب.
​الشراكة الأمنية والإنسانية: طُرح الإقليم كشريك ميداني وإنساني يمتلك خبرة تراكمية صلبة في ملفات مكافحة الإرهاب (داعش) وإدارة أزمات النزوح واللاجئين.
​تفعيل القوة الناعمة: تسويق النموذج التعايشي في إقليم كوردستان (الذي يجمع الكورد والعرب والتركمان والمسيحيين والإيزيديين) كصيغة إيجابية ملهمة لسوريا في مرحلة إعادة البناء.
​التفاعل مع القوى الكبرى: بعث رسالة واضحة إلى واشنطن وموسكو وأنقرة وطهران مفادها أن صوت أربيل العاقل والدبلوماسي يسهم بشكل مباشر في تخفيض حدة التوتر وصياغة حلول متوازنة.
​الفرص والتحديات
​تحمل هذه الخطوة الدبلوماسية في طياتها فرصاً واعدة ولكنها لا تخلو من التحديات المعقدة:
​التحديات السياسية والميدانية
​الحساسيات السياسية في بغداد تجاه التحركات الخارجية المستقلة للإقليم واحتسابها ضمن نطاق السيادة الاتحادية.
​المخاوف الأمنية والجيوسياسية لدى أنقرة بشأن الترتيبات المتعلقة بالإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا.
​تعقد وتشرذم المشهد الميداني والعسكري داخل الأراضي السورية وتعدد الفاعلين الميدانيين.
​الفرص الواعدة
​فتح معابر وقنوات تجارية وإنسانية مباشرة تسهم في الانتعاش الاقتصادي وتخفيف الأزمات الإنسانية.
​تعزيز أطر التنسيق الأمني والاستخباري المشترك على حدود الإقليم وسوريا لقطع الطريق أمام أي نشاط لبقايا تنظيم داعش.
​ضمان إدراج الحقوق والمطالب الكوردية المشروعة في أي تسوية سياسية شاملة برعاية دولية، وتجنب سيناريوهات التهميش.
​من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل
​تؤؤكد زيارة الرئيس نيجيرفان بارزاني إلى دمشق أن كوردستان لم تعد تقف في موقع المنتظر للتاريخ وتداعياته، بل أضحت تسعى بفاعلية لشكله وصناعته. في هذا العصر المتسارع، لم تعد القوة تُقاس بحجم الجيوش أو العتاد العسكري فحسب، بل بقدرة الفاعل السياسي على نسج شبكات العلاقات، وفرض الرؤى العقلانية على طاولة المفاوضات.
​إن هذه التحركات لا تمثل تراجعاً عن الثوابت الوطنية، بل هي إعادة ترجمة لها بلغة الدبلوماسية والمصالح المتبادلة. إن المستقبل في الشرق الأوسط لن يُكتب بالسلاح وحده، بل بالزيارات الجريئة، والتفاهمات المتبادلة، وشجاعة المبادرة. وفي هذا المضمار، اختارت أربيل أن تكون في موقع الصانع للمستقبل .

قد يعجبك ايضا