عندما يصبح المسؤول شريكاً مع اللص

نبيل عبد الأمير الربيعي

ليست الأمم بما تختزنه خزائنها من ذهب، ولا بما تشيده من أبراج شاهقة أو شبكات طرق ومشاريع عملاقة، وإنما بما ترسخه من عدالة، وما تؤسسه من ثقة بين الدولة ومواطنيها. فالعدالة ليست وظيفة من وظائف الدولة فحسب، بل هي الشرط الأول لوجودها، والثقة ليست شعوراً عابراً، بل هي رأس المال الحقيقي الذي يحفظ تماسك المجتمعات ويمنح المؤسسات شرعيتها الأخلاقية قبل شرعيتها القانونية.
ولم يعرف التاريخ مجتمعاً خالياً من الجريمة؛ فالسرقة قديمة قِدم الإنسان، غير أن الحضارات لم تكن تُقاس بعدد اللصوص فيها، وإنما بقدرتها على محاصرة الجريمة، وتجفيف منابعها، وإخضاع الجميع لسلطان القانون. فاللص يمثل انحرافاً فردياً، أما حماية اللصوص فهي انحراف الدولة نفسها، وهنا يكمن الفارق بين دولة القانون ودولة الغنيمة.
إن الكارثة لا تبدأ عندما تمتد يدٌ إلى المال العام، وإنما عندما تمتد يد السلطة لتحمي تلك اليد. فحين يصبح المسؤول مظلة للفاسد، ويتحول النفوذ إلى حصانة، وتُسخَّر المؤسسات لإخفاء الجريمة بدلاً من كشفها، فإن الفساد لا يعود حادثة معزولة، بل يغدو نظاماً موازياً للدولة، له قوانينه غير المكتوبة، وقضاؤه الخاص، وشبكة مصالحه التي تتقاسم الأدوار بين من ينهب، ومن يغطي، ومن يبرر، ومن يصمت.
وما من دولة سقطت لأنها افتقرت إلى الموارد، وإنما سقطت عندما فقدت البوصلة الأخلاقية التي تضبط العلاقة بين السلطة والقانون. فحين يعجز رجل الأمن عن ملاحقة الفاسد، أو يتحول إلى حارسه، وحين يفقد القضاء استقلاله، وتصبح الوظيفة العامة طريقاً للإثراء لا للخدمة، تكون الدولة قد بدأت تتآكل من الداخل، حتى وإن بقيت مبانيها قائمة، ومؤسساتها تعمل، وأعلامها ترفرف فوق الدوائر الرسمية.
وأخطر صور الفساد ليست تلك التي ترتكب في الظلام، بل تلك التي تمارس تحت ضوء القانون، بعد أن يفرغ من مضمونه ويُسخّر لخدمة الأقوياء. عندئذ تصبح العدالة امتيازاً لا حقاً، ويتحول القانون إلى أداة انتقائية، يطاول الضعفاء ويتوقف عند أبواب أصحاب النفوذ. وما إن يفقد المواطن ثقته بأن القضاء قادر على إنصافه، حتى تبدأ العلاقة بينه وبين الدولة بالانهيار، لأن الدولة لا تقوم على القوة وحدها، بل على الإيمان بعدالتها.
ومن يتأمل تاريخ الأمم يدرك أن الثروات ليست ضمانة للاستقرار، وأن الفقر ليس قدراً للهزيمة. فكثير من الدول الفقيرة استطاعت أن تبني مؤسسات راسخة لأنها احترمت القانون، فيما انهارت دول غنية لأن الفساد التهم جهازها الإداري، وأفرغ مؤسساتها من معناها، وحول السلطة إلى سوق لتبادل المصالح والغنائم.
وليس أخطر ما يفعله الفساد أنه يبدد الأموال، بل أنه يفسد الإنسان نفسه. فهو يطرد الكفاءات، ويهمش أصحاب الضمائر، ويمنح الانتهازيين مواقع القيادة، حتى يغدو النجاح ثمرة الولاء لا الاستحقاق، والنفوذ لا الكفاءة، وتصبح القيم عبئاً في مجتمع يكافئ الوصولية ويعاقب النزاهة.
وعندما يعتاد الناس هذا المشهد، تبلغ الأزمة ذروتها. إذ تتحول فضائح الاختلاس إلى أخبار يومية، ويغدو نهب المال العام حدثاً عابراً لا يثير الدهشة، ويصبح الفساد جزءاً من الثقافة العامة. وليس هناك ما هو أخطر على الأمم من اعتياد الظلم، لأن الاستسلام له هو بداية انهيار الضمير الجمعي، ومقدمة سقوط فكرة الدولة نفسها.
ولعل التاريخ يقدم شاهداً بالغ الدلالة على العلاقة بين ضعف الدولة وازدهار اللصوصية. فقد أورد أبو سعد الآبي الرازي في كتابه (نثر الدر في المحاضرات) وصفاً لأحد لصوص العرب وهو يفاخر قائلاً: (أنا الموج الكدر، أنا القفل العسر، أنا النار، أنا العار…). ولم يكن ذلك مجرد استعراض للغرور، بل انعكاساً لثقافة كاملة نشأت في بيئات اختل فيها ميزان السلطة، وبرزت فيها جماعات العيارين والشطار التي ملأت بغداد ودمشق والقاهرة اضطراباً عبر قرون طويلة.
واللافت أن هذه الجماعات لم تكن مجرد عصابات للنهب، بل تحولت في بعض المراحل إلى قوى فاعلة في الصراعات السياسية والاجتماعية، ولا سيما في العراق العباسي، حيث استثمرتها القوى المتنافسة على السلطة، فأصبحت شاهداً على حقيقة تاريخية مؤلمة: كلما ضعفت الدولة، تمددت اللصوصية، وكلما اختلطت السياسة بالمصالح، تراجع القانون، وارتفعت أسهم الفوضى.
وهذه الحقيقة لا تخص الماضي وحده، بل تمتد إلى حاضرنا بكل ما يحمله من تناقضات. فحين يصبح الفساد محمياً، وتُعطَّل الرقابة، ويكافأ المتجاوز، ويقصى النزيه، فإن الدولة لا تخسر أموالها فقط، بل تخسر هيبتها، وتفقد احترام مواطنيها، وتدخل في دورة طويلة من التآكل قد لا تنقذها منها كثرة الثروات ولا ضخامة المشروعات.
إن بناء الدولة ليس مشروعاً هندسياً، بل مشروع أخلاقي وسياسي قبل كل شيء. يبدأ من استقلال القضاء، ونزاهة الإدارة، وشفافية الرقابة، وخضوع الجميع، بلا استثناء، لسلطان القانون. فهذه ليست شعارات مثالية، وإنما القواعد التي قامت عليها الدول المستقرة عبر التاريخ، والتي غابت حيث سادت الفوضى والفساد.
إن الأوطان لا يحرسها السلاح وحده، بل تحرسها العدالة، ويصونها الضمير، ويحفظها قانون لا يعرف فرقاً بين مسؤول ومواطن، ولا بين صاحب نفوذ ورجل بسيط. وعندما يصبح الجميع سواء أمام القضاء، يستعيد الوطن معناه الحقيقي، وتصبح الدولة بيتاً للجميع لا مزرعة لفئة، ويغدو المنصب تكليفاً لا غنيمة، والسلطة مسؤولية لا امتيازاً.
فالتاريخ لا يذكر عدد اللصوص الذين مروا في حياة الأمم، لكنه يتوقف طويلاً عند أولئك المسؤولين الذين قرروا أن يكونوا شركاء لهم. ومن تلك اللحظة تبدأ الإمبراطوريات بالانهيار، لا لأن خزائنها فرغت، بل لأن ضميرها قد أفلس.

قد يعجبك ايضا