مشرط الصيدلانية وقلم الروائية: رحلة الشفاء والسرد في عوالم د. علا عبد المنعم

 

حوار:عطا درغام

“الأدب بالنسبة لي تمرد على كل الثوابت والحقائق التي غرقت فيها بحكم دراستي؛ في الأدب أنا ربة عملي الأعلى، أخلق وأفني، أبدأ وأنهي، ولا يراقبني سوى سلطة القلم.”
— د. علا عبد المنعم
حين يمتزج الانضباط العلمي الصارم بسحر الخيال الأدبي، تتولد عوالم روائية نابضة بالحياة، تقف على حافة التشخيص والشفاء معاً. الدكتورة علا عبد المنعم ليست مجرد كاتبة تسرد الحكايات، بل هي صيدلانية تزن الكلمات بميزان دقيق، وتعرف متى تترك للقلم حرية الطيران ومتى تعيد ضبط التركيزات لئلا يختل منطق السرد. من أزقة القاهرة القديمة في “سوق العايقة” وما يحمله التاريخ من صراعات وتحولات، مروراً بوجع الشتات الأرمني الإنساني في “تغريبة الدودوك” حيث تبكي آلة المشمش على أوتار الذاكرة، وصولاً إلى عمق النفس البشرية في تشريحها للقهر والأمل؛ تأخذنا الكاتبة في رحلة فكرية وإبداعية فريدة. في هذا الحوار الشيق، نغوص في كواليس تجربتها الأدبية لنكتشف كيف تتقاطع أواني الصيدلي المعيارية مع إلهام الروائية، وكيف تظل الكلمة المكتوبة حصناً منيعاً في وجه طغيان الصورة والنسيان.

تشريح تركيبة الدواء يتطلب دقة علمية صارمة، بينما تشريح النفس البشرية في الأدب يحتاج لمرونة وخيال؛ كيف تنجحين في دمج “مشرط الصيدلانية” بـ “قلم الروائية”؟

– الصيدلي بأواني معيارية لا بمشرط، ولذلك عندما ينخرط قلم الروائية في عمله أترك له الحرية تماما، لينطلق ويصول ويجول، بلا حسيب أو رقيب، حتى إذا ما فاض الإناء بما فيه أتى دور الصيدلانية لإعادة المعايرة وضبط التركيزات، ومراقبة كثافة المادة الأدبية، العلاقة بين أدوات الصيدلي وقلمي تكاملية بحتة.

هل تعتقدين أن دراستك العلمية منحتك ميزة “المنطق البنائي” في تصميم حبكاتك الروائية، أم أن الأدب كان بمثابة تمرد على صرامة العلم؟

– الأدب بالنسبة لي تمرد على كل الثوابت والحقائق التي غرقت فيها بحكم دراستي، في الأدب أنا ربة عملي الأعلى، أخلق وأفني، أبدأ، وأنهي، لا يراقبني عقلي وضميري وإحساسي، وحتى الآن لم يكن لي بناء ثابت لأي عمل من أعمالي، فما أن أبدأ الكتابة اطلق العنان لقلمي ليأخذني في كل الاتجاهات الممكنة والمستحيلة، نعم أعرف فكرتي وأملك بلورتها متكاملة، لكن الكتابة من سلطات القلم.

في مجموعتك “استعمال طبيب”، هل كان العنوان مجرد تَقاطع عابر مع مهنتك، أم هو بيان أدبي يرى في الكتابة “روشتة” لعلاج أمراض المجتمع النفسية؟
– نعم أنا أرى في الكتابة روشتة لعلاج أمراض المجتمع لكن عنوان استعمال طبيب هو عنوان إحدى القصص التي تناقش انحراف أحد الأطباء على لسان ضحيته الأولى، لذلك هو تقاطع عابر مع المهنة معبر تمامًا عن محتوى القصة.

متى تشعر د. علا عبد المنعم أن الصيدلانية بداخلها تتدخل لحذف جملة أو تعديل مسار شخصية كتبتها الروائية؟

– تتدخل الصيدلانية عندما تخالف الكتابة المنطق السائد في العمل، أو عندما أفقد بوصلتي أثناء الكتابة فأجدني تائهة بلا دليل، وقتها أجبر نفسي على التوقف ومن ثم الحذف والبدء من جديد.

هل هناك مريض أو حالة إنسانية عبرت باب صيدليتك يوماً، وكانت هي الشرارة الأولى لولادة بطل من أبطال رواياتك؟

– كل المرضى والحالات الإنسانية الذين قابلتهم في حياتي أبطال محتملين لقصصي ورواياتي، لا أستثني منهم أحدا.

الذهاب نحو التاريخ الأرمني يُعد مغامرة لكاتبة مصرية؛ ما الذي جذبكِ لتجسيد “الوعي الأرمني” تحديداً، وما هي الشرارة الأولى التي جعلتك تخوضين هذه التغريبة؟
– بالأصل لم يكن العمل عن التغريبة، بل عن راقصة الباليه التي تصاب بألزهايمر فتبدأ في تدوين سيرتها الذاتية قبل أن تمحى الذاكرة تماما، وعندما بدأت في خلق تاريخها ظهرت فكرة الوافدين من حضارات أخرى، وقد امتزجوا مع المجتمع المصري وتماهوا معه وأبلوا في ذلك بلاءا حسنا، ولم أجد من هم أكثر من الأرمن في قوة امتزاجهم مع مجتمعنا حتى لحظتنا تلك

آلة “الدودوك” الموسيقية مصنوعة من خشب المشمش وتبكي ألماً؛ كيف وظفتِ هذه الآلة كمعادل موضوعي لصوت شعب يرفض أن تنسى الذاكرة مأساته؟
– أنا أعشق صناعة العناوين، الاسم الرنان غير المألوف يسرق العين والانتباه، مابالك لو كان الاسم يملك صوتا رخيمًا حزينًا، يلائم المأساة بكل أبعادها، بالنسبة للتوظيف كنت حريصة على قرب الدودوك والتصاقه بأبناء الجيل الأرميني الأول، بينما سجلت محاولاتهم اللاحقة لتعريف الجيل التالي به وحرصهم على تعليمهم العزف عليه، بينما قبع في قاع الدولاب في كيس قماشي يعلوه الغبار في الأجيال التالية، وكان هذا دليل على التماهي والامتزاج في المجتمع الجديد ما أثر على بعض الثوابت في الهوية القديمة، وإن لم يمحها تماما، والدليل أن الدودوك مازال يصدح في الكثير من الحفلات الموسيقية العالمية على يد عازفيه من الأرمن وسط جماهير تعشقه من غير الأرمن، ما إن تسمع صوته حتى يتبادر إلى ذهنك كل ما قرأته عن الأرمن.

الكتابة عن الإبادة الجماعية تتطلب توازناً بين التوثيق التاريخي وبين الفن الأدبي؛ كيف نجحتِ في الإفلات من فخ “التقريرية الجافة” لحساب “الملحمية الإنسانية”؟
– حرصت على قصة ثابتة ستتم كتابتها بأي حال من الأحوال، بينما التوثيق التاريخي يتم جدله بنعومة وسط تفاصيل القصة حتى لا يتحول العمل إلى مجرد مقال في جريدة.

الهوية والشتات هما عماد رواية “تغريبة الدودوك”؛ هل ترين أن المأساة الأرمنية هي مرآة لكل إنسان يعيش مغترباً عن جذوره في عالمنا المعاصر؟
– المأساة الأرمنية هي مرآة لكل انسان أجبر على الخروج، اقتلعت جذوره عنوة ثم تم غرسها في أرض جديدة علها تعيش وتثمر، الشتات متلازم مع الطرد والإجبار وليس الاغتراب الاختياري

كيف كانت ردود أفعال الجالية الأرمنية في مصر وخارجها بعد صدور الرواية؟ وهل شعرتِ أنكِ أصبحتِ صوتاً روائياً يتحدث باسمهم؟
– كانت أفعال الجالية الأرمنية كانت ومازالت دافئة ومرحبة بكل من يؤمن بهم ويكتب عما كان بكل أمانة وحيادية، ففي معرض الكتاب التقيت بالدكتور آرمن مظلوميان، رئيس الهيئة الوطنية الأرمنية بمصر ،وكان لقاءا لطيفًا جمع بين مواطنين مصريين يدينون بالولاء للبلد المضيف دون نسيان للحقيقة والتاريخ، عدة لقاءات صحفية مع صحفيين أرمن مقيمين بمختلف بلاد العالم، العديد من المتابعين لي على الفيس بوك من أرمن يقيمون ببلاد لا تتحدث العربية، ومع ذلك كانوا حريصين على التواصل والتفاعل مع العمل.

ما هي أصعب وثيقة تاريخية أو شهادة حية قرأتيها أثناء التحضير للرواية وهزت وجدانك الإنساني لدرجة جعلتكِ تعيدين كتابة فصل كامل؟
– لم أعد كتابة أي فصل لكن ربما قمت بالتنقيح أكثر من مرة، خصوصًا للأجزاء التي وصفت التنكيل بالأرمن وتعذيبهم، وصف الضحايا في الصحراء، الاعتصام بجبل موسى.

هل ترين أن الأدب قادر على تحقيق العدالة التاريخية للضحايا في وقت تعجز فيه السياسة عن ذلك؟
– الأدب قادر على تسجيل الشهادات، حتى لا تمحى الحقيقة سواء عن عمد أو بسبب وفاة من عاصروا تلك المآسي، وأنا أرى في ذلك نوع من أنواع العدالة الإلهية علي الأرض.

في “سوق العايقة” و”ميراث الأنصاري”، تضعين المرأة في مواجهة تقاليد موروثة وتحولات مجتمعية؛ هل تكتبين عن المرأة من منظور “نسوي” أم من منظور “إنساني عام”؟
– المرأة إنسان قبل أن تكون جنس بعينه، ومشاكلها الأساسية مشاكل إنسانية عادية، في حال اعتبرناها إنسان بالأصل، فبعض المجتمعات تتعامل مع المرأة على أنها كائن ذو درجة إنسانية أقل في التصنيف.

تعودين في “سوق العايقة” إلى فترة ما قبل ثورة يوليو وحريق القاهرة؛ لماذا يصر قلم علا عبد المنعم على نبش الماضي لفهم الحاضر؟
– لو لم نعيش ماضينا، واستوعبناه ما استطعنا الوصول لحاضر سوي ومستقبل متقدم، وأنا بالأصل عاشقة للتاريخ وأرى أننا كمصريين وعرب نمتلك تاريخ ثري بالتفاصيل والحكايات، لا ينقصنا سوى التبحر فيه والنهل من لآلئه.

المجتمع الصعيدي يمتلك خصوصية شديدة في عاداته وتقاليده؛ كون جذوركِ الممتدة إلى أسيوط، كيف أثرت هذه البيئة في صياغة مفهومكِ عن “الميراث” والحرية الفردية؟
– أحمد الله أنني من أسرة تورث بناتها قبل الذكور وتعطي كل ذي حق حقه، بينما الكثيرات من الصديقات مازلن يناضلن من أجل نيل ميراثهن، وبالنسبة للحرية الفردية فالمجد كل المجد للأسرة والعائلة وفي سبيل استمرارها وامتدادها تسحق الكثير والكثير من الحريات وأصحابها، العصبية القبلية والعائلية هي الصوت الأعلى.

أبطال رواياتكِ يبدون وكأنهم يسبحون دائماً ضد التيار؛ هل الهزيمة الحتمية لأبطالك في بعض الأحيان هي واقعية أدبية أم صرخة احتجاج للمستقبل؟
– أؤمن بالكارما، وان ما ارتكبته اليوم لابد أن يرتد عليك بالغد، لذلك فالواقعية الأدبية عندي اختيار أول، ولا يمنع ذلك من وجود صرخات احتجاج على كثير من الأشياء وليس شيئا واحدا.

كيف تختارين لغة حوار أبطالك؟ هل تميلين للفصحى الصارمة أم تفضلين تطعيمها بـ “عامية رصينة” تناسب بيئة الحكاية؟
– أميل للحوار العامي فهو القادر على إيصال المشاعر بالنسبة لي، لكن في تغريبة الدودوك، كان هناك خليطًا بين الفصحى والعامية، الفصحى للشخصيات الأرمنية والأجنبية في تحاورهم سويًا أو مع بعض المصريين، بينما العامية بين المصريين وبعضهم، وبين الأرمن والفرنسيين بعد مرور السنوات وتماهيهم مع المصريين.

بين الرواية الملحمية الطويلة والمجموعة القصصية المكثفة؛ أين تجد علا عبد المنعم حرية قلمها الكاملة؟
– بدايتي كانت مع القصة القصيرة ،وأراها عالمي الرحب رغم محدودية المساحة وشدة التكثيف، لكن الرواية تمنحني الانطلاق في مساحات أكثر وسعًا ورحابة، بينما تعدد الابطال وتنوع الأصوات يطلق العنان لمخزوني من الذكريات والملاحظات المختزنة.

يقال إن الكاتب يكتب رواية واحدة طوال حياته بأشكال مختلفة؛ ما هو “التيمة المشتركة” أو الخيط السري الذي يربط بين جميع أعمالك؟
– صراع الأشخاص مع القهر، كيف يسقط الانسان، وما الذي يدفعه للنهوض مرة أخرى.

كيف تتعاملين مع “قفشة الكاتب” (Writer’s Block) أو لحظات الجفاف الإبداعي؟ وما هو طقسكِ الخاص المستحيل الاستغناء عنه أثناء الكتابة؟
– حتى الآن أعاني من انتصار قفشة الكاتب، لم أخرج بعد من تغريبة الدودوك وقد شارفت على عامين منذ الانتهاء منها، ولا يسعني الآن سوى القراءة وجمع المادة التاريخية لعملي القادم وانتظار لحظة البداية الحقيقية للكتابة.
بينما الطقس الخاص هو اللا طقس، لا طقوس لي على الاطلاق، تأتي الكتابة بأي وقت وتحت أي ظرف فأكتب، لكني أتوقف كثيرًا فلا أملك القدرة على الاستمرار في الكتابة لساعات طويلة.

النقد الأدبي اليوم؛ هل ترينه منصفاً لتجربتكِ ويواكب حراككِ الروائي، أم أن منصات القراء (مثل جود ريدز) أصبحت هي الناقد الحقيقي والبوصلة؟
– القارئ المعاصر يبحث عن تقييمات منصات القراء وجودريدز أكتر من نقد النقاد الأدبي، وأنا أرى النقد منصفا فقط عندما يأتي من ناقد دارس للنقد الأدبي دراسة متعمقة تجعله قادرا على أن يعطي كل ذي حق حقه.

ما هي الرواية التي قرأتيها لكاتب آخر وتمنيتِ لو أن اسمكِ هو الذي كُتب على غلافها؟
– خرائط التيه لبثينة العيسى، اللؤلؤة التي كسرت محارتها لنادية هاشمي، السيرة قبل الأخيرة للبيوت لمريم حسين.

في عصر طغت فيه الصورة (السينما والدراما والسوشيال ميديا)، كيف يدافع قلمكِ عن مكانة “الكلمة المكتوبة”؟
– أن أجعلها جاذبة للقارئ، تستطيع أن تسرقه من مغريات السينما والدراما ليتصق بصفحات الكتاب لا يتركه إلا مع كلمة النهاية.

لو قُدّر لـ “تغريبة الدودوك” أو “سوق العايقة” أن تتحول إلى عمل درامي أو سينمائي؛ من هو المخرج أو الممثل الذي ترينه الأقدر على تجسيد رؤيتكِ؟
– سوق العايقة لابد أن تخرجها كاملة أبو ذكري، بينما منة شلبي هي البطلة الأولى
بينما تغريبة الدودوك ربما تمنيت أن يخرجها حاتم علي لو كان على قيد الحياة
بعد الملحمية الأرمنية والتأريخ الاجتماعي المصري؛ ما هو الأفق الجديد أو القضية المسكوت عنها التي يشتبك معها قلمكِ حالياً في مشروعكِ القادم؟
– هناك عدة مواضيع لم أقرر بعد أيهم سيكون مشروعي القادم.

قد يعجبك ايضا